No Result
View All Result
دجوار أحمد آغا
منذ بداية الاحتجاجات السلمية منتصف آذار 2011 التي خرج فيها الشعب السوري مطالباً بالحرية والعيش بكرامة، خاصةً بعد أحداث تلاميذ درعا وإهانة الأهالي هناك، ومشاركة الشعب الكردي في الاحتجاجات والمسيرات المناهضة لنظام الحكم البعثي. بل حتى قبل ذلك بسنوات عديدة وتحديداً في 12 آذار 2004 خرج الشعب في انتفاضة شعبية عارمة وحطم تماثيل الأسد الأب في عامودا. لكن؛ مع تحول مسار هذه الاحتجاجات السلمية إلى نوع من العسكرة والحرب الأهلية، اختار الكرد انتهاج الخط الثالث الذي كان همه حماية مناطقة وشعبه دون الدول في حرب عبثية. بعد أن توجهت جحافل داعش الإرهابي باتجاه المناطق الكردية كان الخيار الوحيد هو المقاومة والدفاع عن شعبها ومناطقها وكانت مقاومة كوباني بداية النهاية لداعش على الأراضي السورية في الباغوز.
توازنات جديدة وتحالفات عجيبة
فجأة؛ انهار النظام السوري السابق، وخلال 14 يوماً وصلت قوات هيئة تحرير الشام برئاسة “أبو محمد الجولاني” إلى سدة الحكم في دمشق، بعد أن هرب الأسد الابن ليلة 8 كانون الأول 2025، هكذا بكل بساطة، ذاب “الجيش العربي السوري”، “الحرس الجمهوري” “أفرع المخابرات بكل مسمياتها”، “الفرقة الرابعة” وكل تلك القوات التي بدأت بإعادة انتشار وتموضع يوماً بعد يوم إلى أن غاب عن المشهد تماماً. اجتمعت المجموعات المسلحة وانتخبت أبو محمد الجولاني لرئاسة سوريا لمرحلة انتقالية مدتها خمس سنوات بعد أن تغير اسمه إلى أحمد الشرع.
أظهرت المعطيات فيما بعد أنه تلقى تدريبات على يد الأجهزة الأمنية البريطانية والأمريكية والتي مهدت له الطريق للوصول إلى الحكم. وبعد فترة قصيرة كانت هناك اتفاقية العاشر من آذار بينه وبين الجنرال مظلوم عبدي القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية، أصبحت أمريكا والغرب حلفاء للشرع وتم إزالة اسمه واسم وزير داخليته “أنس الخطاب” من قوائم الإرهاب واستقبلته في نيويورك ومن ثم واشنطن، الرياض، مسقط، أنقرة، وبعدها موسكو. وهكذا ظهرت تحالفات عجيبة بين أشدّ أعداء الأمس الى درجة أن التقى الضابط الأمريكي السجّان المسؤول عن الشرع خلال فترة وجودة في السجن في العراق، وأجرى معه مقابلة كرئيس انتقالي لسوريا!
الولايات المتحدة الأمريكية دعم تكتيكي وتحول استراتيجي
تحولات تكتيكية وأخرى استراتيجية قامت بها الولايات المتحدة الأمريكية في الملف السوري والتعاطي مع الحكومة المؤقتة في سوريا وقوات سوريا الديمقراطية على حد سواء. وجاء الجزء الأكبر من الدور الأميركي في إطارين هما:
ـ الانسحاب التدريجي من التدخّل العسكري المباشر الذي جاء بعد سنوات من دعم قسد للتصدي لداعش، حيث هدفت واشنطن إلى تقليل التزامها العسكري المباشر في سوريا مع إبقاء أولوية مكافحة الإرهاب. يرى مراقبون أن الاتفاق مع دمشق يغلق ملفًا مرهقًا من الناحية التكتيكية، لكنه ليس جزءًا من استراتيجية طويلة المدى للسيطرة على سوريا.
ـ الضغوط التشريعية والسياسية داخل أمريكا والتي بدأت في واشنطن، حيث طرح السيناتور ليندسي غراهام مع السيناتور ريتشارد بلومنثال مشروع تحت اسم Save The Kurds Low أي ” قانون إنقاذ الكرد” وهو عبارة عن قانون قد يفرض عقوبات على دمشق وأي داعمين لها إذا تعرضت القوات الكردية أو المدنيين روج آفا للخطر بعد الاتفاق.
وهذا بالطبع مؤشر واضح بأن الولايات المتحدة ليست معادية للاتفاق نفسه، لكنها تريد ضمان حماية المدنيين والأقليات داخل سوريا بعد الانسحاب العسكري الأميركي.
تركيا الرابح الخاسر في هذا الاتفاق
تعتبر تركيا إحدى القوى الإقليمية الرئيسية التي لها ثقل وتدخل مباشر في الشأن السوري وبقوة أكبر من بقية القوى الاقليمية (إسرائيل، إيران، العراق). فهي تحتل عملياً مناطق واسعة في الشمال السوري وهي ترصد بقلق ما يجري في سوريا، وخوفاً من أي كيان كردي في شمال سوريا، وضعت ثلاث شروط رئيسية من أجل سحب قواتها من سوريا وهي:
ـ سيطرة الدولة السورية على كامل أراضيها.
ـ ضمان أمن الحدود التركية.
ـ تفكيك ما تعتبره “تهديدات إرهابية” وهي تعني بذلك وحدات حماية الشعب YPG ووحدات حماية المرأة YPJ.
من وجهة نظر تركيا؛ فإن اتفاق 29 كانون الثاني بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة السورية المؤقتة هو بمثابة انهيار وفشل مشروع الإدارة الذاتية خاصةً بعد الانسحاب من الرقة والطبقة ودير الزور، وهو ما تعتبره تركيا انتصار حقيقي لها من دون الحاجة إلى عملية عسكرية مُكلفة ضد الكرد في سوريا. بينما في حقيقة الأمر هي الخاسر في هذا الاتفاق كونه تم البدء بتنفيذه عملياً وهو استمرار لاتفاقية العاشر من آذار الذي سعت تركيا بكل قوتها لمنع تنفيذه، لكن الآن يتم تنفيذه على أرض الواقع. روج آفا والكرد أصبحوا واقع وحقيقة وسيدخلون الدستور السوري وبقوة وبضمانات أمريكية، فرنسية، وتركيّة أيضاً.
إيران تراجع نفوذ وعودة محتملة
بالنسبة لإيران؛ فإن دورها كان هامشياً ولم يكن بشكل مباشر في المفاوضات التي جرت بين قسد والحكومة المؤقتة، فهي تركز في هذه المرحلة على ملفاتها الخاصة ببرامجها الصاروخية وشبكاتها في المنطقة، لكنها في الوقت نفسه، لم تُظهر أية تنازلات مباشرة بخصوص الاتفاق السوري الكردي. إيران ما تزال ترى في سوريا جزء مهم للغاية من استراتيجيتها الدفاعية ومنطقة نفوذ عملت على تشييعها لسنوات طويلة، لكنها لم تكن اللاعب الرئيسي في هذا الملف وتحديداً بعد سقوط حليفها الاستراتيجي نظام الأسد البائد. هي الآن تركز على ملفات ذات أهمية أكبر بالنسبة لها والتي هي ذات أولوية لها ومن أبرزها استقرار حزب الله اللبناني وإعادة توازنه الى جانب العمق الإيراني في كلا من العراق عبر منظومة الحشد الشعبي والأحزاب السياسية الشيعية، واليمن من خلال جماعة الحوثي. 
التداعيات المحلية والإقليمية الكبرى
هناك طبعاً العديد من التداعيات المحلية والإقليمية، لعل أبرزها محلياً يكمن في انتهاء الإدارة الذاتية في مناطق شمال وشرق سوريا وانكفاءها إلى مناطق التواجد الكردي القومي أي روج آفا والتحول إلى نوع من الإدارة المحلية مع الخصوصية من خلال دمج قوات سوريا الديمقراطية ضمن ثلاث ألوية في فرقة واحدة تتبع وزارة الدفاع السورية ولكنها تتواجد في مناطق الجزيرة بالإضافة إلى لواء رابع في كوباني يتبع لفرقة حلب. هذا الأمر له بُعد إقليمي خاصة لتركيا من حيث خلال جعل القوات الكردية ضمن الجيش السوري وبالتالي يبعد شبح تشكيل كيان كردي مستقل على حدود تركيا الجنوبية الأمر الذي شكل تهديداً لأمنها القومي حسب وصفها منذ سنوات عدة.
رؤية موضوعية لكل ما سبق
يمكننا تلخيص كل ما سبق وما جنته الأطراف المتشابكة في الأزمة السوريّة على الأرض بما يلي:
ـ الولايات المتحدة: دعم تكتيكي للاتفاق مع شروط حماية المدنيين؛ انسحاب تدريجي وشبكة عقوبات محتملة.
ـ تركيا: مكاسب استراتيجية ضخمة؛ تقلص النفوذ الكردي بدون تكاليف عسكرية كبيرة.
ـ إيران: دور غير محوري في هذا الاتفاق تحديداً؛ مع التركيز على ملفات إقليمية أكبر.
ـ سوريا: داخلياً دمج قسد سيؤسس لوحدة مؤسساتية، لكنه يواجه تحديات تنفيذية وثقة بين الشعوب.
ـ الكرد: تحسّن نسبي في التهدئة، لكن مخاطر التوترات الاجتماعية والتهجير لا تزال قائمة الى أن يتم تثبيت الحقوق السياسية للشعب الكردي في الدستور وبضمانات إقليمية ودولية.
يمكننا القول في الختام
اتفاق 29 كانون الثاني 2026 بداية لمرحلة نضالية جديدة للشعب الكردي وبقية شعوب المنطقة من أجل الحفاظ على المكتسبات التي حققوها من خلال تضحيات الآلاف من الشهداء والجرحى، هذا الأمر يدفع باتجاه الاستقرار في المنطقة ولو على المدى القريب بانتظار ما ستؤول إليه مجريات الأحداث المتسارعة في الشرق الأوسط في خضم هذه المعمعة التي يبدو بأن هناك شبه توافق دولي على هذا الاتفاق ووقف القتال. لكن؛ تبقى التحديات التنفيذية والسياسية والاجتماعية كبيرة، وهي التي ستحدد ما إذا كان هذا الاتفاق نقطة تحول دائمة أم مجرد وقف نار هشّ يحتاج إلى آليات إجراء وسياسات واضحة لضمان استدامته.
No Result
View All Result