محمد خلف
ما يجري اليوم لا يمكن فهمه خارج السياق التاريخي لتجربة الشعب الكردي مع القوة والتفاوض فالتاريخ الكردي مليء بمحطات ضاعت فيها الحقوق ليس لأن الكرد لم يكونوا أصحاب قضية عادلة بل لأنهم دخلوا لحظات الحسم وهم مجردون من القوة بعد ثورة البدرخانيين في القرن التاسع عشر مثلا تم القضاء على البنية العسكرية الكردية ليبدأ بعدها عهد الإنكار السياسي الكامل داخل الدولة العثمانية، حيث لم يعد للكرد لا تمثيل ولا اعتراف.
تكرر المشهد ذاته بعد ثورة الشيخ سعيد بيران عام 1925 فبعد سحق القوة العسكرية أغلقت أي إمكانية لحوار سياسي ودخل الكرد في مرحلة طويلة من الصهر القسري والإنكار.
هذا النمط لم يتغير في جمهورية مهاباد عام 1946 لم تسقط التجربة بسبب ضعف المشروع السياسي بل لأن ميزان القوة اختل بانسحاب الدعم العسكري، فتم إسقاط الدولة خلال أيام وأعدم قادتها وعاد الكرد مرة أخرى إلى نقطة الصفر، كذلك الأمر بعد اتفاقية الجزائر عام 1975 حين فقدت الحركة الكردية في العراق غطاءها العسكري فانهارت المقاومة وضاعت فرصة تاريخية كان يمكن أن تنتج حلا سياسيا عادلا في كل هذه الأمثلة، كأن *نزع القوة يسبق دائما نزع الحق*.
في الحالة السورية يعاد إنتاج هذا السيناريو ولكن بأدوات أكثر حداثة التركيز المتواصل على دمج قسد لا يطرح كعملية وطنية متكافئة بل كوسيلة لانتهاء استقلالية القرار العسكري، وبالتالي إفراغ أي تفاوض لاحق من مضمونه.
قسد بخلاف تجارب كردية سابقة حاولت كسر هذه الحلقة عبر الإصرار على أن يكون أي دمج ضمن إطار ديمقراطي تشاركي، يحفظ التوازن لا كخطوة تؤدي إلى إذابة القوة ومن ثم فرض الشروط عليها.
الحملة الإعلامية الحالية لا تستهدف قسد بوصفها قوة عسكرية فقط بل تعمل على ضربها في وعي الناس، يتم تحويل النقاش من نقاش سياسي حول شكل الدولة ومستقبل الشراكة، إلى نقاش أخلاقي وشعبوي، يصور قسد كعائق أمام الوحدة او الاستقرار هنا يظهر الشعار الخطير “نعم للكرد لا لقسد” وهو شعار في جوهره يعيد إنتاج أخطر ما واجهه الكرد تاريخيا الفصل بين الشعب، وأدوات حمايته، وما حدث في سوريا لعقود طويلة حين قيل لا مشكلة كردية بينما كان الكرد محرومين من أبسط حقوقهم.
الأخطر أن هذه الحملة لا تفصل فقط بين قسد والكرد، بل بين قسد والديمقراطية نفسها، يتم تصوير المشروع الديمقراطي على أنه تهديد لا ضمانة، وكأن التعددية خطر يجب التخلص منه هذا الخطاب لا يستهدف الكرد وحدهم بل كل الشعوب التي رأت في تجربة قسد نموذجا مختلفا عن الدولة الأمنية المركزية، لذلك فإن ضرب قسد هو في الحقيقة ضرب لفكرة أن يكون هناك توازن قوة يحمي الشراكة لا هيمنة طرف واحد.
محاولة حصر قسد جغرافيا في المناطق الكردية تذكر بما جرى مرارا عندما جرى تحويل القضية الكردية إلى مسألة محلية معزولة عن محيطها كما حصل في شمال كردستان بعد كل انتفاضة أو في جنوب كردستان قبل 1991 العزل الجغرافي دائما كان خطوة تمهيدية للعزل السياسي ثم للإنكار، وعندما تعزل الفكرة يسهل تشويهها ثم القضاء عليها
وكلنا نعلم إذا تم محاصرة الكرد في سوريا بدون قوة حامية؛ فإن ذلك سيجعل مناطق أخرى كردية في الدول المجاورة مهددة، لأن تجربة الضعف هنا ستقرأ كنموذج قابل للتكرار، وسيتم تحويل أي مكسب كردي إلى هدف محتمل للهجوم
الأمر أكثر خطورة لأن القوة الداخلة في سوريا للقضاء على المشروع الكردي الديمقراطي هي إحدى الدول التي تحتل جزءا من كردستان، هذا يعني أن القضاء على قسد لا يقتصر على تجربة محلية بل يمهد الطريق لانتهاء القضية الكردية في الأجزاء الأخرى من كردستان، حيث يتم استهداف أي نموذج ناجح يمكن أن يشكل تهديدا لاستراتيجية الإلغاء القائمة.
دائما ما تواجه القوى المحتلة أي مشروع كردي ناجح، وتعمل بشكل مباشر أو غير مباشر على القضاء عليه لأن المشاريع القوية والمنظمة تشكل خطرا استراتيجيا على سياسات الإنكار والاحتلال ومن هذا المنطلق تأتي مواجهة قسد لا بوصفها قوة محلية بل كنموذج يجب إسقاطه، وفي المقابل يتم غض الطرف عن مشاريع كردية ضعيفة وهشة أو محاصرتها داخل أطر شكلية لأنها سهلة الاحتواء وسهلة القضاء ولا تشكل تهديدا حقيقيا.
الحملة الإعلامية الحالية ليست مجرد نقد سياسي أو اتهام لقسد بأنها عائق أمام الوحدة والاستقرار بل هي حملة منظمة تشمل التضليل الإعلامي وتشويه الحقائق وإظهار المشروع الديمقراطي الكردي كتهديد داخلي وغريب على أمن الدولة والمجتمع.
تستهدف هذه الحملة خلق رأي عام سلبي تجاه قسد وتصويرها ككيان منفصل عن الشعب الكردي، وكحاجز أمام الحلول الوطنية وتستعمل في ذلك، وسائط متعددة من صحف ومواقع الكترونية، ومؤثرين وشخصيات عامة، وحتى بيانات رسمية جزئية يتم فيها التركيز على الهفوات والأخطاء، والتقليل من الإنجازات وتسليط الضوء على الانقسامات الداخلية، وإدراجها في سياق تهديد أمني واجتماعي، وتاريخيا الهدف من هذه الحملة ليس مجرد هدم صورة تنظيم؛ بل تفكيك المشروع الكردي الديمقراطي وتقويض أي نموذج ناجح يمكن أن يشكل قدوة أو حافزا لبقية المناطق الكردية.
ما يطبخ اليوم في الغرف المغلقة ليس مجرد أضعاف تنظيم بل تفكيك آخر تجربة كردية دخلت السياسة، وهي تمتلك قوة تحميها وشراكة تتجاوز القومية الضيقة.
إذا سقطت هذه التجربة فلن يكون ذلك خسارة للكرد وحدهم بل إعادة فتح دورة تاريخية أثبتت نتائجها شعب بلا قوة تفاوض، وقضية بلا ضمانات وحقوق مؤجلة إلى أجل غير مسمى.