No Result
View All Result
لافا خلف
حين تُدنس الجثث باسم الدين، أيُّ إسلام هذا؟
تحت ذريعة الإسلام، تُرتكب أفعال لا تمتّ إلى الدين بصلة، لعلّ من أبشعها التنكيل بجثث الشهداء؛ ذلك الفعل الذي لا يقتل الإنسان مرة واحدة فحسب، بل يحاول اغتيال كرامته حتى بعد موته. وما بين صمتٍ متواطئ وتبريراتٍ زائفة، يُشوَّه الإسلام باسم الإسلام نفسه.
لقد جاء الإسلام ليُكرّم الإنسان حياً وميتاً، فجعل حرمة الميت كحرمة الحي، وحرّم التمثيل بالجثث حتى في ساحات القتال، فكيف يُستباح جسد شهيد أعزل، وتُبرَّر الجريمة بآياتٍ مبتورة وأحاديثٍ مُحرّفة عن سياقها؟ إن هذا ليس تديناً، بل توظيفٌ قذر للدين في خدمة العنف.
إن من يُنكّل بجثة شهيد لا يدافع عن عقيدة، بل يكشف إفلاساً أخلاقياً وفقراً إنسانياً، ويُسقط قناع الزيف عن خطابٍ يدّعي الطهر بينما يتغذى على الدم والكراهية، فالإسلام الذي نعرفه لا يُبنى على الانتقام، ولا يُمارَس فوق الأجساد، ولا يحتاج إلى جريمة ليثبت وجوده.
الأخطر من الفعل ذاته هو تطبيعه، وتحويله إلى “ضرورة شرعية” أو “نصرة للدين”، بينما هو في حقيقته إساءة صريحة للإسلام قبل أن يكون اعتداءً على الشهداء، فالدين الذي يُستخدم لتبرير انتهاك حرمة الموتى، هو دينٌ مختطف، لا دين محمد صلى الله عليه وسلم.
إن الدفاع الحقيقي عن الإسلام لا يكون بتدنيس الجثث، بل بحفظ الكرامة، والعدل، والرحمة. وكل من يصمت عن هذه الجرائم أو يبررها شريكٌ في تشويه الدين، وخائنٌ لجوهره الإنساني.
ليس أثقل على الضمير الإنساني والتاريخ من مشهدٍ يُنتهك فيه جسد إنسانٍ بعد موته، ثم تُرفَع فوقه شعارات دينية لتبرير الفعل، فحين يُنكَّل بجثث الشهداء تحت ذريعة الإسلام، لا نكون أمام جريمة فردية فحسب، بل أمام انهيار أخلاقي يُلبَس لباس العقيدة.
لقد جاء الإسلام ليضع حداً لهمجية الإنسان، لا ليُضفي عليها القداسة. جاء ليُكرّم الإنسان حياً وميتاً، وليجعل للميت حرمة لا تُنتهك، حتى في أزمنة الحرب والصراع. فالتمثيل بالجثث محرّم في جوهر الشريعة، فالكرامة الإنسانية لا تسقط بالموت، ولا تُلغى بالخصومة.
ومع ذلك، نشهد اليوم ممارسات تُنتهك فيها أجساد الشهداء، ويُتعامل معها كغنائم انتقام، ثم يُستدعى الدين لتبرير الفعل، عبر اجتزاء النصوص، وتفريغها من مقاصدها، وتحويلها إلى أدوات عنف. وهنا لا يكون الإسلام حاضراً، بل يكون مختطَفاً.
إن من يُنكّل بجثة شهيد لا يدافع عن دين، ولا عن أرض ولا شعب بل يكشف فقراً أخلاقياً، وعجزاً عن مواجهة الحقيقة: إن العدالة لا تُبنى على التشفي، وأن القضايا العادلة تخسر معناها حين تفقد بوصلتها الأخلاقية. فالجسد الصامت الذي لا يملك دفاعاً عن نفسه، هو الاختبار الأخير لإنسانية من يقف فوقه. والخطر الأكبر لا يكمن في الفعل وحده، بل في تطبيعه؛ في الصمت عنه، أو تبريره، أو اعتباره “ضرورة” تفرضها الظروف، فلا ظرف يُبيح انتهاك الكرامة، ولا معركة تُسقط القيم، ولا دين يقبل أن يُستخدم غطاءً لإهانة الموتى.
إن الشهيد يروي بدمائه تراب الوطن وحتى وان تم التنكيل بجثته فهو لا تهان كرامته بل ينتصر مراراً على ضعيف النفس واللاإنسانية الذي أفرغ ضعفه في جثة. ويُقتل الدين معنوياً كل مرة يُستَخدم فيها لتبرير ذلك.
الدفاع الحقيقي عن الإسلام لا يكون برفع الشعارات فوق الأشلاء، بل بالتمسك بجوهره: العدل، والرحمة، واحترام الإنسان. فالدين الذي يُقام على تدنيس الجثث، ليس ديناً، بل خطاب عنف فقد صلته بالسماء؛ جميعنا على دراية بالوضع السياسي وخطره في الآونة الأخيرة وجميعنا ندرك أن الإنسانية فُقدت منذ أن أصبح أشباه الرجال يدنسون ويهتكون حرمة الشهداء.
من مشهد قص ضفيرة شعر مقاتلة إلى مشهد رمي مقاتلة كردية من أحد المباني والنداء باسم الله أكبر، والكثير من المشاهد المرعبة والبعيدة كل البُعد عن الإنسانية من دهس مجموعة مقاتلين بالدبابات إلى حرقهم إلى الكثير والكثير. الآن نحن نعيش في بقعة جغرافية مقدسة؛ تدنس بالأفعال اللاإنسانية، وتحارب باسم الدين، وأيضاً نحن أمام حرب طائفية وخطابات كراهية كثيرة تخلّف من ورائها الكثير من العنف والاقتتال.
فالآن نحن أمام حرب عسكرية وحرب طائفية والتي تعدُّ أخطر بكثير إلى جانب الحرب الإعلامية. لذلك؛ علينا الحذر وإلا سوف نكون ضحايا وشهوداً أمام مجازر كبيرة لا نهاية لها.
No Result
View All Result