وائل منذر (رئيس المكتب السياسي لحزب الانتماء السوري الديمقراطي)
الانتصارات السياسية لا تُقاس بما يُكتب في البيانات، بل بما يُصنع على الأرض، لذلك فإن جوهر هذا الاتفاق؛ الاتفاق بين قوات سوريا الديمقراطية وحكومة دمشق المؤقتة لا يكمن في صياغاته، بل في نتيجته الحاسمة الأولى: السلاح لم يُسلَّم. فكرة دمج قوات سوريا الديمقراطية كأفراد داخل مؤسسة عسكرية مركزية جرى التراجع عنها بالكامل، واستُبدلت بصيغة تحفظ الكتلة والقيادة والانضباط، فحين يبقى السلاح بيد القوة نفسها، وتبقى القيادة في يد قيادتها، وتبقى الجغرافيا تحت حماية أهلها، فهذا ليس تنازلًا لغويًا ولا تسوية تقنية، بل تحصين وجودي واضح.
الاتفاق ثبّت واقعًا جديدًا بغطاء رسمي وضامن دولي: قسد تبقى كتلة واحدة عبر تشكيل فرقة عسكرية تضم ثلاثة ألوية من عناصرها، تتبع شكليًا لوزارة الدفاع، مع تشكيل لواء من المقاتلين الكرد في كوباني مهمته حماية المنطقة هناك. هذه الصيغة ليست ذوبانًا داخل الدولة، بل قوننة لوضعٍ قائم، شبيه بما هو معمول به في باشور كردستان، حيث توجد مظاهر سيادية اتحادية في بعض المفاصل، بينما تبقى القوة العسكرية الفعلية متماسكة بقرارها وقيادتها وانتشارها. الدولة هنا إطار، لا أداة تفكيك.
ميدانيًا: أُغلِق باب الحرب عبر انسحاب قوات وزارة الدفاع من أطراف الحسكة وكوباني، مقابل دخول عدد محدود من عناصر وزارة الداخلية إلى مربعين أمنيين في قامشلو والحسكة، هذا الوجود رمزي ومؤقت، لا يملك مهامًا أو صلاحيات فعلية، ووظيفته محصورة بتسهيل عودة مؤسسات سيادية محددة مثل الهجرة والجوازات والأحوال المدنية. الأهم أن هذا الوجود محدد بزمن قصير وينتهي فور اكتمال الترتيبات. المعنى السياسي واضح: منع التمدد، لا فتحه.
الملفات التي لم تُحسم: كعائدات النفط وإدارة المعابر، تُركت مؤجلة، هذا ليس فشلًا تفاوضيًا، بل قرار واعي بتأجيل الملفات الثقيلة في مرحلة لا تحتمل تفجيرًا داخليًا. حين يكون الإقليم كله على عتبة صراع واسع، تُثبت خطوط الأمان أولًا، ثم تُفتح ملفات التقاسم لاحقًا.
توقيت الاتفاق هو مفتاح فهمه: لم يأتِ لأن الأطراف اكتشفت فجأة فضيلة التهدئة، بل لأن المنطقة تتجه نحو اختبار إقليمي كبير. الحديث المتسارع عن ضربة ضد إيران، واحتمال انتقال الارتدادات إلى العراق ثم لبنان ثم سوريا، يجعل أي اشتباك داخلي في الشمال الشرقي مغامرة قد تخرج عن السيطرة. في مثل هذه اللحظات لا تُصاغ حلول نهائية، بل تُفرض تهدئات تمنع انفجار الجبهات الهشة.
في هذا السياق تحديدًا تبرز النقطة الفاصلة: تحييد تركيا، لأن الحرب في شمال سوريا غالبًا ما تبدأ بذريعة وتنتهي بوظيفة، كان لا بد من سحب الذرائع قبل أن تُفتح شهية التدخل. الضغوط الدولية التي مورست لوقف التصعيد وعدم الانجرار خلف المطالب التركية ليست تفصيلًا، بل جزء من هندسة التهدئة. الرسالة كانت واضحة: أي انزلاق جديد ستكون له كلفة سياسية واقتصادية عالية.
وفي موازاة ذلك، يعيد الاتفاق تعريف مسار استعادة المناطق المحتلة مثل عفرين وسري كانيه وكري سبي. استعادتها بالقوة العسكرية في هذه المرحلة غير ممكنة، وأي خطاب يروّج لذلك يبيع وهمًا. المسار الواقعي يبدأ بإعادة الأهالي، وبناء إدارة محلية من أبناء المنطقة، وتفعيل لجان شعبية وقوى أمن داخلي من أهلها، وتثبيت حياة يومية مستقرة، بهذه الطريقة تُسحب الذرائع تدريجيًا، ويبدأ الضغط الدولي بالتراكم.
دمج مؤسسات الإدارة الذاتية مع الدولة دون حلّها يساوي تثبيت الواقع بدل نسفه: الاعتراف بالمدارس والشهادات والتعليم ليس إجراءً إداريًا عابرًا، بل تثبيت للهوية داخل البنية الرسمية. حين تتحول المؤسسات إلى جزء من الدولة، ينتقل الكيان من وضع مؤقت إلى وضع قابل للاستمرار، حتى مع بقاء الخلافات الكبرى مفتوحة.
ضمنياً؛ هذا الاتفاق أفضل الحلول الممكنة، كما يبدو لدى الطرفين، وبالنسبة للكرد على الأقل، وما لم يتنازل الكرد عنه تحت التهديد لن يتنازلوا عنة تحت غطاء الاتفاق، وإذا نجح الطرفان في السير بالخطوات الأولى، فلا غرابة أن تكون الخطوات اللاحقة أكثر ثباتاً، وبخاصةٍ عندما ترى النتائج الإيجابية على أرض الواقع، ويمكننا أن نعد هذا الاتفاق هدنة لحماية المنطقة والسير بالمنطقة نحو الأمان. وظيفته تثبيت وقف إطلاق النار بضمانات دولية إلى أن تتضح ملامح المرحلة الإقليمية القادمة. وعندما تُضرب إيران، لن يبقى العراق على حاله. بلدٌ قام منذ سنوات على توازنات خارجية أكثر من قيامه على عقد داخلي، ومع اهتزاز المركز الإقليمي قد يدخل مرحلة انكشاف جديدة تشبه من حيث المنطق ما حدث في محطات سابقة حين تحولت الجغرافية إلى فراغٍ تملؤه القوة.
في لحظة الانكشاف، تتحرك الأطراف التي تملك مؤسسات وقوة منظمة نحو خياراتها الكبرى. هنا تبرز باشور كردستان كمسار قابل للتقدم، كلما تراجع مركز بغداد عن القدرة على الاحتواء، وكلما تعززت نظرة الغرب إلى الإقليم بوصفه مساحة استقرار لا مشكلة حدود، هذا ليس خطابًا عاطفيًا، بل قراءة لمسار توازنات قد تتبلور خلال أشهر.
خلاصة المشهد أن الاتفاق نقل الصراع من ساحة النار إلى ساحة السياسة. الكرد انتقلوا من منطق الإلغاء إلى منطق الشراكة المشروطة، من الذوبان الفردي إلى الكتلة المنظمة، من التعرض الدائم إلى التحصين المؤقت. الأسابيع المقبلة ستكون اختبار التطبيق على الأرض، لا اختبار البلاغة على الورق، وستكشف إن كانت هذه الهدنة قادرة على الصمود في وجه عاصفة إقليمية تقترب بثقلها الكامل.