No Result
View All Result
أسعد العبادي
لم يعد ما يجري في سوريا شأناً سورياً محضاً، ولا ملفاً إقليمياً معزولاً عن استحقاقات الداخل التركي. فالهجمات العدوانية الأخيرة على شمال وشرق سوريا، وما رافقها من مواقف حادة، أعادت إلى الواجهة سؤالاً بالغ الحساسية: هل بات مسار السلام في تركيا رهينة للوقائع الميدانية خارج حدودها…؟
تصريح حزب العمال الكردستاني بأن هذه الأحداث تمثل “انتكاسة لعملية السلام” لا يمكن التعامل معه بوصفه موقفاً دعائياً أو رد فعل عاطفي فقط، بل ينبغي قراءته في سياق أوسع، حيث تتداخل الجغرافيا الكردية، وتتشابك المسارات السياسية والأمنية، وتغيب حتى اللحظة رؤية إقليمية تعطي للسلام أولوية حقيقية.
المشكلة الجوهرية أن منطق السلاح ما زال يتقدم على منطق السياسة، فكل تصعيد عسكري في سوريا يعزز التيار الأمني داخل تركيا، ويُضعف أصوات الحل والتسوية، حتى لو كانت هناك نوايا معلنة لفتح صفحة جديدة، وفي المقابل، يشعر الكرد بأن السلام يُطرح عليهم كخيار داخلي مشروط، بينما تدار الصراعات ضدهم بلا هوادة، وهو تناقض قاتل لأي عملية بناء ثقة.
إن التجربة التاريخية تقول بوضوح: لا سلام مستدام من دون اعتراف سياسي، ولا استقرار من دون مساواة في المواطنة، ولا نهاية لصراع طويل ما لم ينقل من ساحات القتال إلى طاولة الحوار، فالقضية الكردية في تركيا ليست ملفاً أمنياً، بل قضية حقوق وهوية ودستور.
صحيح أن ما يجري في سوريا يعقّد المشهد، لكنه لا يبرر الهروب من الاستحقاق الداخلي، فربط السلام التركي بتوازنات الإقليم يعني عملياً تأجيله إلى أجل غير مُسمى، أما فصله عن الصراعات الخارجية، والشروع في معالجة جذرية تقوم على الديمقراطية والتعددية، فهو وحده الكفيل بتحويل السلام من شعارٍ إلى واقع.
إن المنطقة بأسرها دفعت ثمناً باهظاً للحروب المفتوحة، وأي انتكاسة جديدة لمسارات السلام لن تكون خسارة لطرف بعينه، بل خسارة جماعية. من هنا، فإن المسؤولية التاريخية تقع على جميع الفاعلين: أن يقدموا السياسة على السلاح، والحقوق على الحسابات الضيقة، والإنسان على منطق القوة.
No Result
View All Result