No Result
View All Result
دجوار أحمد آغا
تدخل سوريا مرحلة شديدة الحساسية من تاريخها الحديث، فالصراع لم يعد مقتصراً على خطوط التماس العسكرية التقليدية، رغم خطورة الموقف خاصةً بعد سيطرة المجموعات المرتزقة التابعة للحكومة المؤقتة والمدربة من دولة الاحتلال التركي على أحياء الشيخ مقصود والأشرفية والانتهاكات التي جرت فيها على يد هذه المجموعات، بالإضافة إلى الحشود العسكرية والتعزيزات التي استقدمتها الحكومة -حتى من الساحل السوري (اللاذقية)- إلى جبهة دير حافر ومسكنة في الريف الشرقي لحلب على خطوط التماس مع قوات سوريا الديمقراطية، ومن ثم هجماتها على المناطق الكردية على الرغم من انسحاب قوات سوريا الديمقراطية من مناطق الرقة ودير الزور حسب الاتفاق الذي أُبرم في 18 كانون الثاني الجاري، الأمر الذي يدفع باتجاه صراع على شكل الدولة نفسها من حيث نظام الحكم، مركزي يهمش بقية الشعوب بما فيها الكرد، أو لا مركزي يضمن لجميع الشعوب السورية في المشاركة بالدولة. 
في قلب هذا المشهد المعقّد؛ تسعى الحكومة المؤقتة برئاسة أحمد الشرع بإبادة الشعب الكردي وإنهاء وجود قوات سوريا الديمقراطية التي حررت الأراضي السورية المختلفة من داعش، ولا زالت تدافع عن السوريين.
قسد، التي تشكّلت من قوى محلية أساسها وحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة بالإضافة الى قوات الصناديد وقوات سريانية آشورية وكذلك لواء الشمال الديمقراطي من الجيش الحر والعديد من المجموعات الأخرى من أجل حماية شعوب المنطقة وتجربتها الوليدة “الإدارة الذاتية الديمقراطية” في مناطق الجزيرة، كوباني، عفرين، ومن ثم حمايتها من هجوم داعش الإرهابي الذي هاجم المنطقة بقوة. إذاً؛ فقسد لم تتشكل من فراغ بل جاءت لحماية شعوب المنطقة التي عقدت فيما بينها عقد اجتماعي تبنى مطالب سياسية واجتماعية وثقافية لهذه الشعوب والتي طال تهميشها من جانب النظام الحاكم، خاصةً الشعب الكردي.
في المقابل؛ تسعى الحكومة المؤقتة بقيادة “هيئة تحرير الشام” إلى ترسيخ شرعيتها التي تعرضت لهزات وتراجع كبير خاصةً بعد المجازر التي حصلت في الساحل ومن ثم في السويداء ومؤخراً في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية في حلب، وصولاً إلى حصار كوباني والحرب المفروضة الآن على الكرد في مناطق تواجدهم، وبالتالي تسعى إلى فرض نفسها كسلطة مركزية وحيدة مستندة إلى خطاب “استعادة الدولة هيبتها” ورفض أي كيانات أو قوى خارج نطاق الدولة المركزية. وبالتالي فهي ترى في “قسد” العقبة الوحيدة المتبقية أمام “توحيد البلاد”، بالإضافة إلى كونها عبارة عن مشروع تقسيمي وإن تم تغليفه بشعارات مثل اللامركزية، والديمقراطية.
المشكلة الأساسية لا تكمن في وجود “قسد” أو في سعي الحكومة المؤقتة لبسط سلطتها، بل في غياب عقد وطني جامع يعترف بتعدّد الهويات والمصالح داخل سوريا، فالصدام العسكري أو السياسي بين الطرفين لن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج العنف، وفتح الباب أمام تدخلات إقليمية ودولية تجد في الانقسام السوري فرصة دائمة.
إن أي حل مستدام يمرّ عبر الحوار الجاد. حوار يعترف بقسد كواقع لا يمكن تجاهله، ويُلزمها في الوقت ذاته بالانخراط في مشروع وطني سوري لا يقوم على السلاح وحده. كما يفرض على الحكومة المؤقتة أن تدرك أن الشرعية لا تُبنى فقط بالسيطرة، بل بالقبول الشعبي، واحترام الخصوصيات المحلية، وضمان شراكة حقيقية في السلطة.
الخطاب الأخير للقائد العام لقوات سوريا الديمقراطية الجنرال مظلوم عبدي، والذي أكّد فيه على ضرورة الاستمرار في الحوار السلمي والتفاوض وصولاً إلى حلٍّ دائم للقضية الكردية التي أصبحت مسألة وجود مستهدف من جانب المجموعات المرتزقة التابعة للجيش السوري، وقد ظهر هذا الأمر جلياً في استهداف الكرد في المناطق التي سيطرت عليها هذه المجموعات مؤخراً.
سوريا اليوم أمام مفترق طرق: إما دولة تتسع لجميع أبنائها بمختلف شعوبها، أو ساحة صراع دائم بين قوى تحاول أن تفرض نفسها بقوة السلاح، وأخرى تدافع عن وجودها ضمن إطار الدفاع المشروع والدعم الشعبي الكبير. التاريخ السوري القريب يعلّمنا أن الخيار الثاني لم يجلب معه سوى الخراب والدمار. لذا؛ لا بد من تغليب لغة العقل والحوار للوصول إلى حلٍّ سلمي دائم ينعم فيه كل السوريين بالأمن والأمان والاستقرار.
No Result
View All Result