د. شفيق عامر
لا يتحوّل الإنسان إلى وحشٍ بين ليلةٍ وضحاها، ولا يولد العنف في داخله صدفة. بل هو نتيجة مسار طويل من التشكيل النفسي والفكري، يبدأ حين تُختزل العقيدة من تجربة روحية أخلاقية إلى منظومة طاعةٍ عمياء، ويُختصر الإيمان في أوامر ونواة صلبة لا تقبل السؤال أو النقاش.
في هذا السياق لا يُنظر إلى الدين كقيمة تحرّر الإنسان بل كأداة ضبط صارمة للجسد والعقل معاً. تُقمع الحرية، يُحرَّم التفكير، يُجرَّم الشك، وتكبَت غرائز الجسد بوصفها مصدر -خطيئة- لا طاقة طبيعية. ومع تراكم هذا القمع يتعرّض الفرد لضغطٍ نفسي شديد يولّد توتراً داخلياً دائماً لا يمكن استيعابه دون منفذ أو تنفيس.
فمن منظورٍ نفسي فإن الكبت المستمر ـ سواء الجنسي أو العاطفي أو الفكري ـ لا يُنتج إنساناً فاضلاً، بل يُنتج طاقة عدوانية تبحث عن التفريغ. وحين يُقدَّم “الجهاد” بوصفه هذا المنفذ، لا كقيمة دفاعية أو أخلاقية، بل كترخيص شامل للعنف يبدأ التحوّل الخطير.
في هذا النموذج يُعاد تعريف المفاهيم: القتل يصبح عبادة، السرقة تتحوّل إلى غنيمة، المرأة تُختزل إلى سبي، والآخر المختلف يُجرَّد من إنسانيته ويُصنَّف كافراً، أي مادةً مُباحة للإبادة أو طريدة صيد.
هنا يدخل الفرد في حالة انفصال أخلاقي ووجداني، حيث يتوقّف الضمير عن أداء وظيفته؛ لأن الفعل لم يعد يُقاس بمعايير إنسانية، بل بفتوى حيث يتحوّل العنف إلى واجب وتصبح القسوة دليل إيمان، ويُكافأ السلوك السادي دينياً ومادياً في آنٍ واحد.
في ظل هذه البنية، لا يُطلب من “المجاهد المؤمن” أن يتعلّم أو يعمل أو يجتهد فالطاعة وحدها تكفي. الأمير أو الشيخ يفكّر بدلا عنه، ويحدّد له العدو، ويمنحه بين الحين والآخر حرباً جديدة. ومع كل جولة عنف، ترتفع مستويات الأدرينالين والتستوستيرون، ويتعزّز الإحساس بالقوة والفحولة، وتتغذّى النرجسية، بينما تتآكل القدرة على التعاطف.
من الناحية النفسية، تتحوّل الحرب إلى إدمان، والقتل إلى متعة صيد طرائد، والدم إلى لغة. ومع الزمن، يفقد الفرد أي اتصال بذاته الإنسانية الأولى. لا يعود يرى في الآخر إنساناً، ولا في الوطن قيمة، ولا في الحياة معنى خارج ساحة القتال.
وهكذا، وباسم حماية الدين، يُدمَّر الإنسان. وباسم الجهاد، تُسحق المجتمعات. وباسم الله، يُبرَّر ما لا يمكن تبريره أخلاقياً أو إنسانياً.
إن أخطر ما في هذا النموذج ليس العنف ذاته، بل قداسته، فالعنف حين يتغطّى بالدين، يصبح غير قابل للنقد، وغير قابل للتوقّف، ولا تستطيع أي قوة ردعه، لأن الضمير أُقصي، والعقل عُطّل، والإنسان أُفرغ من إنسانيته.
وهنا يبرز السؤال الجوهري الذي لا مفرّ منه:
أي إيمان هذا الذي يحتاج إلى تحويل الإنسان إلى وحش؟
وأي إلهٍ يُختزل في الدم، والسبي، والقتل، وتدمير الأوطان؟