No Result
View All Result
الذاتُ هي جوهرُ الشّخصيّةِ والمحورُ الأساسُ الذي ينتظمُ حوله السلوكُ الإنسانيّ من فعلٍ وردِّ فعلٍ وهي مفهومٌ افتراضيّ لمجموعةِ الأفكارِ والتّصوّراتِ والمشاعرِ والاتّجاهاتِ التي يكوّنها الفردُ عن نفسِه، لتعبّرَ عن خصائصِه الجِسميّة والعقليّة والنفسيّة والاجتماعيّة.
وقد يختلفُ مفهومُ الذّاتِ وفقَ اختلافِ الثّقافات في ثقافةِ شعوب آسيا وإفريقيا جزءٌ تابعٌ للمجموعةِ خاضعٌ لقواعدِها، ووفقاً لهذا الاختلافِ تتباينُ طرقُ بناءِ الذّاتِ عبر مؤسساتِ التّربيّة والرعايةِ المجتمعيّةِ والخطابِ الإعلاميّ ومجموعةِ التغذيةِ الثقافيّةِ المعتمدةِ رسميّاً.
لكنَّ حقيقةَ ما نودُّ الوقوفَ عليه هو جانبُ من سيكولوجيا الشّعوبِ المظلومةِ والمقهورةِ، والتي مُورسَت عليها شتّى أنواعِ العدوانِ، سواء أكانت على مستوى الوجودِ الماديّ والحيّز الجغرافيّ أم الخصوصيّة الثقافيّة أم الأصلِ التاريخيّ، والكُردُ هم نموذجٌ مثاليّ لبحثٍ كهذا.
طمسُ الهويةِ هو قضاءٌ على مفهومِ الذّاتِ
لنقف على مفهومِ الذّاتِ لدى الكرد وكيفيّةِ بنائِها من حيثُ المؤثّراتِ والظروفِ المحيطة والنظرة السلبيّة اللافتة التي تُطالعنا بها الشخصيّة كاستجابةٍ وعامل تأثيرٍ أو ما يمكن أن ندعوه بـ «المتغيّر الوسيط»، حيث يكونُ الشعورُ بالدونيّةِ هو أولُ ردودِ الفعلِ استجابةً لأفعالِ الآخرين والسّياساتِ المتّبعةِ بحقّهم، وبسببِ فقدانِ الدّعمِ الثقافيّ والسّياسيّ، وطولِ المدّةِ التي مُورست عليهم فيها ظروفُ القمعِ وسيادةِ الثقافةِ الواحدة، في تجسيدٍ تامٍّ لمفهومِ البوتقةِ والذّوبانِ في ثقافةِ الحاكمِ، كما وأنَّ تأثيرَها سلبيّ لدى الآخر المُختلفِ لكونه مستلبَ الإرادةِ ومُستبعَداً ومُهمَّشاً إلى حدِّ الرفضِ ويتمُّ استغلالُه لدرجةِ الاستعبادِ.
ورغمَ الاختلافِ في الإرثِ الثقافيّ فإنّ الذّاتَ إن لم تكن على قطيعةٍ مع موروثها، فقد ابتعدت عنه وتبنّت مفاهيمَ الثقافةِ الحاكمةِ السائدةِ ابتداءً من اللغةِ، وبما أنَّ السلطةَ الحاكمةَ تحتكرُ وتقبضُ على أدواتِ الثقافةِ (الإعلام المرئيّ والمسموع، الصحافة، التعليم، المسرح وكلِّ أنواع الفنون) أيّ مجموعة التغذية الثقافيّة، وهي أيضاً من يحدّدُ المسارَ السياسيّ والاجتماعيّ والاقتصاديّ ويسخّرُ طاقاتِ المجتمعِ فإنَّ التّحلّلَ من القوميّة والتبرؤَ من الانتماءِ إليها أضحى سبيلَ تحصيلِ ضروراتِ الحياةِ الأساسيّةِ والحاجاتِ العلميّةِ والاجتماعيّةِ والعملِ.
ما يعني أنَّ التمثّلَ بمفهومِ الذاتِ الذي حدّدته السلطةُ في أطوارِ التذويبِ والاستيعابِ للدلالةِ على الفاعليّة والتطوّرِ بات أمراً أساسيّاً وحاسماً من جهة الجاذبيّة، ومن ضرورياتِ العيشِ، وبعبارةٍ أخرى فإنَّ ما يهمُّ السلطةَ في إطارِ سعيها لطمسِ الهويةِ هو القضاءُ على مفهومِ الذّاتِ عموماً والمُدركِ خصوصاً لدى الشخصيّة الكرديّة، لأنّها تمثّلُ عاملَ الاستقطاب والإشعاعِ من خلال ضربِ ذاكرتِه التي تختزنُ كلّ أنماطِ وعواملِ الشعورِ بالانتماءِ والتّمايزِ وخصائصِ التجذّرِ الثقافيّ والاجتماعيّ والحضاريّ.
وبالتالي الإرادة والشّعور بالكرامة، على أن تحلَّ محلَّها إراداتٌ مناقضةٌ جديدةٌ، لجهةِ الاتّجاهاتِ والقِيمِ والأدوارِ واستثمارِ القُدراتِ، وهكذا نجدُ أنَّ مفهومَ الذّاتِ الذي تحدّدُهُ السلطةُ المدعّمةِ بتحصيلِ بعضِ الحقوقِ تُقدّمُ بصورةِ مزايا استثنائيّةٍ كالتّحصيلِ العلميّ، التوظيفِ وفرصِ العملِ والارتباطاتِ والعلاقاتِ المتصلّة بالمصلحة الفرديّة، فتكرّسُ من خلال ذلك الشعورَ الفرديّ والمذهبَ النفعيّ، وتجعلُه متقدماً على الانتماءِ القوميّ وهذا هو جوهرُ عمليةِ التذويبِ، وهو الامتثالُ لبرامجِ السّلطةِ بما يشبهُ الترويضَ ومواءمةَ الذّاتِ خضوعاً من غيرِ إرادة.
على أنَّ الأمرَ لا يقتصرُ على هذا، بل أنّ السلطةَ تستهدفُ مفهومَ «الذاتِ المثاليّة» والتي تشتملُ على التطلّعاتِ والطموحاتِ والأهدافِ، وتضيّقُ عليها وتلاحقُ رموزَها وتجهدُ لإمحاءِ دلالاتِها التفصيليّةِ عبر التغييبِ المبرمجِ والإقصاءِ، وكذلك تقزيمها من خلال الدّعايةِ ودعواتِ التنفيرِ وحملاتِ التّشويهِ والمناهجِ المدرسيّةِ، وتوصيفِها بنزعاتِ الانفصالِ والتمرّدِ والخروجِ عن الإطارِ الوطنيّ، وصولاً لتهمِ العمالةِ والتخوينِ، ولكنها بالمقابلِ تلجأُ إلى تقريبِ بعض الشخصيّاتِ من قبيلِ سياسةِ الاستيعابِ، وعلى أنّها واجهاتٌ لديمقراطيّة شكلانيّة، وهم ممن ارتبطوا عضويّاً ومصيريّاً بالسلطةِ القائمةِ لجهةِ الثقافةِ والقيمِ المتبناة وتلاقي المصالح، وتقدّمُ الدعمَ لهم لخلقِ «المثال» الذي يُفترضُ أنّه يُجسّد قيمَ الوطنيّةِ والديمقراطيّةِ «المزعومة»، ولتكونَ هذه النماذجُ من حيثُ تريدُ أو لا تريدُ أبواقاً في إطارِ البروباغندا وأدواتٍ إعلاميّةً لها وأذرعَها داخلَ المجتمعِ.
السلطاتُ الحاكمةُ عمِلت على تثبيتِ «الانزياحِ» في مفهومِ الذّاتِ
بالمجملِ فإنَّ تجاربَ الفردِ وخبراتِه بالإضافةِ إلى تاريخِه وتراثِه، بما فيها القيمُ الأخلاقيّةُ والنّظمُ الاجتماعيّةُ والعاداتُ السلوكيّةُ، والتي تشكّلُ بمجموعِها مفهومَ «الأصالة» ومعاني العُمقِ والترسّخِ والثّباتِ، هي المصدرُ الأساسُ لتكوينِ مفهومِه عن الذّاتِ، بمعنى أنَّ هذه التّجاربَ والخبراتِ، تختلفُ تبعاً للثقافةِ والجغرافيا من منطقةٍ إلى أخرى والتقسيمات السياسيّة والإداريّة والمناطقيّة وصولاً للقبيلة والعشائريّة والأسريّة.
وكلّ ذلك انعكاسٌ لتركيبةِ الأنظمةِ الاجتماعيّةِ والنفسيّةِ السائدةِ أو القواعدِ المسموحِ بها والتي تحدّدُ المعاييرَ وأساليبَ التوافقِ معها، والفردُ ليس له إلا أن يمتصَّ كلَّ ذلك بالتنشئةِ والتّوارثِ والتّربيةِ ومختلفِ أساليب التعليمِ على اعتبارِها ثقافةَ البيئةِ المحيطةِ، والأصالةً هي المعنى الشاملُ للتجذّرِ وبيانِ علاقةِ الأجيالِ الحاليّةِ بما سبقها عبر جسرِ التّوارثِ وقنواتِه المختلفةِ الاجتماعيّةِ والأدبيّةِ حتى الفلكلور والأغاني الشعبيّة والأزياء، وفق هذه التفاصيلِ تتميّز القوميّاتُ عن بعضِها البعضَ وتتجلّى خصوصيّاتها وفرادتُها، بالمقابل فإنَّ الثقافاتِ الوافدةِ، سواء عبر الحوارِ والانفتاحِ الطبيعيّ ضمنَ علاقاتِ التجاورِ الجغرافيّ أو المفروضة قسراً (بالتذويبِ أو الاستيعابِ) أو التماهي معها أمراً واقعاً لا بد منه، سيكون لها تأثيرٌ بالغٌ على هذه التركيبةِ.
وبالتالي ستُحدِثُ شرخاً في وحدةِ الشّخصيّةِ وفقاً لدرجةِ التأثيرِ ومدى ثباتِ الخصائصِ الذاتيّةِ، وينعكسُ ذلك على مفهومِ الذّاتِ وصولاً لحالةٍ يمكنُ تسميتها إنجاز «الانزياح» في مفهومِها، وهنا كان يأتي حرصُ السّلطاتِ المتحكّمةِ عبرَ التاريخِ على تثبيتِ الانزياحِ بتحديدِ مفهومِ هذه الذّاتِ بواسطته وبدلالته، واستنساخِ نماذجَ من شخصيّةِ عصمت إينونو، ولتحقيقِ ذلك تمَّ اتباعُ سياساتٍ وأساليبَ متعدّدةٍ بحقِّ الشّخصيّة الكرديّة، لتشويهِ معنى الذات وحرفِها عن أصالتِها وإفقادها الإحساسَ بخصوصيّتها منها:
1ــ التذويبُ الكاملُ للمُدركِ الكرديّ في الثّقافةِ المُغايرةِ، وما يُؤدّي إليه ذلك من تناقضاتٍ وطمسٍ لبؤرةِ الإحساسِ بالذّاتِ والكينونةِ والاستقلاليّةِ.
2ــ العجزُ والاستلابُ من خلالِ فرضِ القيودِ الثقافيّةِ والسياسيّةِ والأمنيّة التي تجعلُ الكرديّ محكوماً بإدراكه لجهةِ عدمِ القدرةِ على التحكّمِ فيما حوله أو التأثيرِ فيه وإحداثِ التغييرِ فيه، ما سيؤدّي بالنهاية إلى الإحساسِ الواقعيّ باللا جدوى والعبثيّة وبالتالي الاستسلامُ لما لا يرغب.
3ــ الكبتُ من خلال عدمِ إتاحة الفرصةِ للتعبيرِ عن المشاعرِ العفويّةِ المختلفة التي تتّصلُ بالانتماءِ والهويّة كالموروثِ الاجتماعيّ والفلكلور، وإضفاءِ توصيفاتٍ متنوعةٍ عليها من قبيلِ التخلّف وعدمِ ملاءمتها لروحِ العصرِ أو بإسباغ دلالاتٍ سياسيّةٍ عليها والمبالغة في ذلك، وكذلك التخويفُ وممارسةُ الإرهابِ الثقافيّ، خشيةَ أن تؤدّي الثقافةُ رسالتَها في بعثِ الرّوحِ القوميّة وخصوصيّات الانتماءِ القوميّ، وتؤدّي إلى وحدة العملِ في هذا المنحى.
4ــ محاولاتُ تكريسِ الشّعورِ بالدّونيّةِ والنقصِ، رغم أنَّ جزءاً غير يسيرٍ من الغُبنِ الثقافيّ والتاريخيّ قد أُلحق بالذات، ومازال النضال مستمرّاً ضدّه على المستوى الإدراكيّ وقد تمَّ تمريرُ تلك المشاعرِ السلبيّة من خلالِ ما يمكنُ تسميته «سياسة التفريغ الممنهج» لمعاني الأصالةِ المتمثلة بالأبعادِ والجذور التراثيّة والتاريخيّة والإنسانيّة ومن ذلك:
ــ التعاطي مع الأصلِ التّاريخيّ للكُردِ على أنّهم ينحدرون من أصولٍ عربيّة أو تركيّة أو فارسيّة، وما ينطوي عليه ذلك من قطعِ صلتهم مع تاريخِهم، وإلغاءُ خصوصيّاتهم، وتشويهُ حقائقِ الأنثروبولوجيا، في تنكّرٍ كاملٍ لاستقلاليّةِ الكُردِ في جذورِهم وصفاتِهم الموروثةِ ولغتهم، وصولاً لترسيخِ فكرةِ أنّهم فرعٌ نازلٌ من أصلٍ آخر، ووفقاً لذلك يُفرضُ عليهم سلوكُ الأدنى تجاه الأسمى، أو الفرع تجاه الأصل.
ــ استهدافُ اللغةِ الكُرديّةِ والنّيلُ من استقلاليّتها، لغةً متكاملةً في مفرداتِها وقواعدِها، والتّرويجُ لفكرةِ أنّها لهجةٌ مشتقّةٌ من لغةٍ أخرى، أو أنّها لهجةٌ ريفيّةٌ قاصرة عن التّعبيرِ، ولا تصلحُ أن تكونَ لغةً معتمدةً في العِلمِ والمعرفة.
ــ قلبُ الحقائقِ والتشويهُ المتعمّدُ لها ماضياً وحاضراً سواءٌ على مستوى الأحداثِ والسّردِ التاريخيّ أو الرّموزِ أو المنجزاتِ، على أنّ الانتحالَ وسرقةَ التّراثِ ما هي إلا نماذجٌ وأمثلة يمكن الاستدلالُ بها.
ــ تقزيمُ الإسهاماتِ الثقافيّةِ والعلميّةِ والتاريخيّةِ والانتقاصُ منها، بهدفِ زعزعةِ الثّقةِ بالنّفسِ وبكلِّ ما يتّصلُ بالقيمِ والمُثلِ العليا، ومن ذلك نزعُ الهويّةِ القوميّةِ الكُرديّةِ عن العلماءِ والقادةِ والشّخصيّات الفكريّة الكرديّة التي ساهمت برفدِ الفِكرِ الإنسانيّ وإغنائه، وتجاهلُ دوِر الكرد في التّاريخ العامِ للمنطقةِ.
ــ التّركيزُ على الجوانبِ السّلبيّة ونكئ جِراحِ الماضي من جانب، ونشرُ ثقافةِ التّشاؤمِ والخوفِ من المستقبلِ وكلّ ما من شأنه ضربُ الرّوحِ المعنويّة من جانب آخر.
وكالات
No Result
View All Result