أسعد العبادي
للخروج من الواقع المرير الذي تعيشه سوريا اليوم؛ فإن سوريا بحاجة ماسّة وبلا أي مبالغة إلى تشريع قانون للعدالة الانتقالية، أسوةً بجنوب إفريقيا، وجمهورية كوسوفو، والاستفادة من التجربة العراقية رغم ما تعرضت له من صعاب ومؤامرات دولية، وإقليمية، سوريا بأمسِّ الحاجة إلى دستور ديمقراطي حديث. يشارك في كتابته، وتشريع مواده كافة النخب السورية من أصحاب الاختصاص في جميع ميادين الحياة، وشخصيات قانونية، مع إشراك منظمات المجتمع المدني والفعاليات الاجتماعية المختلفة، هذا الدستور يجب أن يقوم على مبدأ “المواطنة المتساوية”… إذا كان الهدف فعلاً هو الخروج من دوامة العنف وبناء دولة مستقرة لكل أبنائها.
إن العدالة الانتقالية ضرورة وليست ترفاً، والعدالة الانتقالية في الحالة السورية ليست أداة انتقام كما يجري اليوم على يد حكومة “اللون الواحد” وغلبة العناصر المتطرفة عليها بل هي وسيلة لكشف الحقيقة حول الانتهاكات التي تعرض لها السوريون، ومنهم الكرد والشعوب الأخرى بمختلف قومياتهم وأديانهم، والتي لم تتوقف إلى يومنا الحالي من تسلّم “هيئة تحرير الشام” لمقاليد الحكم في الجمهورية السورية.
العدالة الانتقالية هي الإطار القانوني لمحاسبة المسؤولين عن الجرائم الجسيمة دون تعميم. إنها صفحة جديدة تعتمد العفو العام، والاقتصار على محاكمة المتهمين بجرائم جنائية، أو المتورطين بجرائم ضد الإنسانية، وتعويض الضحايا، وذلك باعتماد:
. آلية لجبر الضرر والتعويض ورد الاعتبار للضحايا.
. غياب هذا المسار يعني تكريس الإفلات من العقاب، وإعادة إنتاج العنف بصيغ جديدة.
أما الدستور الديمقراطي فهو حجر الأساس. إذ إن أي حكم انتقالي لا يستند إلى “دستور ديمقراطي” جامع يبقى هشاً، ويفتقر إلى الشرعية الكاملة. الدستور المطلوب يجب أن يعترف بالتعددية، القومية، الدينية والثقافية لسوريا.
إن الدستور ما لم يساوي بين جميع المواطنين في الحقوق والواجبات دون تمييز فإنه يصبح بلا قيمة تُذكر.
الدستور يجب أن يضمن الحقوق الفردية والجماعية، بما فيها الحقوق الثقافية واللغوية للكرد، وسائر الشعوب السورية الأخرى على أساس المشاركة الكاملة في إدارة الدولة ومؤسساتها. الدستور يجب أن يفصل بين السلطات ويمنع عودة الاستبداد تحت أي مُسمى كان. أما المواطنة المتساوية فهي الحل الجذري لمعاناة السوريون بمختلف أعراقهم، أديانهم، واثنياتهم.
لقد أصبح الاضطهاد والقمع الذي تتعرض له الشعوب اليوم يعكس غياب مفهوم المواطنة، لصالح منطق “الأكثرية الحاكمة”. وهو ما يعود بسوريا إلى عهد الاستبداد والدكتاتورية، وحتماً سيؤدي إلى الأسباب ذاتها التي أدت إلى ثورة الشعب على نظام الأسد.
فالدولة الحديثة لا تبنى على الغلبة العددية أو الأيديولوجية، بل على أساس عقد اجتماعي جديد، ومساواة قانونية كاملة، وشراكة حقيقية في السلطة والثروة.
خلاصة القول:
من دون عدالة انتقالية حقيقية ودستور ديمقراطي جامع، يتم تشريعهما على يد كافة السوريون دون استثناء. ستبقى سوريا عرضة للانقسام والتفكك، وستبقى الشعوب والأقليات الأخرى في دائرة التهميش والقلق الوجودي.
أما الطريق إلى سوريا مستقرة مزدهرة، فهو طريق دولة القانون، والمواطنة، والكرامة الإنسانية، وهي مبادئ لا تقبل التجزئة.




