ليلى موسى
لم يكن جودي الطفل الكردي ابن الأربعة عشر شهراً، يعرف إلى أين تمضي قدماه الصغيرتان، في إحدى ساحات مدينة شتوتغارت الألمانية. كل ما كان يعرفه، أن الأرض تحت قدميه باردة، وأن الألوان المرفوعة فوق الرؤوس أكبر من لعبه، وأن الأصوات التي تملأ المكان، لا تشبه ضحكات البيت، ومع ذلك مشى.
شارك جودي في تظاهرة لم يخترها، لكنه وُلد داخل معناها، وقف مشدوهًا أمام أعلام كردستان المرفوعة، يحدّق في القماش الملوّن كأنه يحاول أن يحفظ شكله في ذاكرته الأولى، ويسمع هتافات الاستنكار وصيحات الاستغاثة التي تطالب بحماية الكرد، فيما كانت كوباني، البعيدة جغرافيًا والقريبة وجعًا، تختنق تحت الحصار.
في اليوم التالي، كان خمسة أطفال في مدينة الصمود يرحلون بصمت، لم تقتلهم قذيفة، بل قتلهم البرد والجوع، وانقطاع الكهرباء، ونقص الغذاء، مات هؤلاء الأطفال لأن العالم تأخر كثيرًا في النظر، أو لأنه اعتاد ألّا يرى حين يكون الضحية كرديًا.
تخيّلتُ جودي، وهو الذي تعلّم المشي منذ أسابيع فقط، يسأل نفسه إن كان للرضّع أن يسألوا، ما الذنب الذي ارتكبه هذا الشعب؟ ولماذا يبدو الغضب حزينًا على وجوه الكبار من حولي؟ وهل سيكون مصير أقراني في الوطن، شبيهًا بمصير أولئك الأطفال الذين لم ألتقِ بهم؟
ربما لم تكن تلك أسئلة واعية، لكنها كانت تُكتب في داخله دون حروف، فأولى خطوات الإنسان لا تكون جسدية فقط، بل أحيانًا تكون في الوعي، في الذاكرة، في الإحساس بالانتماء إلى جرحٍ أكبر منه.
كان جودي (أصغر المتظاهرين) ينظر إلى وجه أمه، إلى عيني أبيه، إلى الرفاق الذين التفّوا حولهم، ويرى غضبًا ممزوجًا بالعجز الآني، وكرامةً تصرُّ على ألا تنكسر، وكان يسمع موسيقى تمجّد الفداء والصمود والتضحية.
ذلك الغضب لن يزول من ذاكرة جودي، حتى لو نسي ملامح المكان، فالطفل لا ينسى الشعور الأول بالظلم، حتى لو نسي الكلمات التي قيلت حوله. ذكّرتني صورته الحقيقية بحنظلة الفلسطيني في رسومات ناجي العلي، لكن الفارق كان موجعاً ومعبراً، حنظلة الأول كان يعطي ظهره للعالم، احتجاجًا على خيانته، أما حنظلة الكردي – جودي – فكان يواجه العالم بوجهه وصدره ويديه الصغيرين، كأنه يقول، لقتلة الأطفال، أنا هنا أنا أراكم، وأقبل التحدي منذ الآن، قبل أن أتعلم الكلام.
ربما لن يتذكر جودي هذه التظاهرة حين يكبر، لكن العالم، إن كان يملك ذرة ضمير، يجب أن يتذكره، طفلٌ يمشي للمرة الأولى، لا نحو لعبة، بل نحو قضية، وطفلٌ صغير يبدأ حياته بسؤالٍ كبير، لماذا يُترك شعبٌ كامل وحيدًا في البرد، فريسة للجوع الذي لا يرحم.
جودي لم يختر أن يكون رمزًا. لكن؛ الرموز، في زمن الظلم، غالبًا ما تكون أطفالًا لم يُمنَحوا رفاهية البراءة، أو جدائل حرائر تُقص بأيدي قتلة، أو كرامة رجال ونساء تُنتهك دون وازع من أخلاق أو ضمير.




