No Result
View All Result
د. طه علي أحمد
تُعرَّف الدولة الحديثة، في أحد أهم أركانها، باحتكار استخدام القوة لحماية المجتمع وصون السيادة. لكن؛ المشهد السوري خلال الآونة الأخيرة، ولاسيما في أعقاب سقوط نظام حزب البعث في كانون الأول 2024، يطرح تساؤلات متزايدة حول كيفية توظيف هذا الاحتكار، وحدود استخدامه، والجهة التي يُمارَس ضدها. وفي هذا السياق، تواجه سوريا اليوم أزمة تتجاوز حدود الصراع العسكري التقليدي، لتصل إلى جوهر فكرة الدولة نفسها، فبعد أكثر من عقد من الحرب، لا تبدو مؤشرات الاستقرار مرتبطة فقط بوقف العمليات العدوانية، بل بطبيعة السياسات التي تنتهجها السلطة في إدارة المجتمع، وتحالفاتها الأمنية، وأدواتها في فرض السيطرة.
في هذا السياق، يبرز مساران متوازيان يعكسان عمق المأزق؛ الأول هو استمرار التجاوزات بحق الكرد في الشمال، بينما يكمن الثاني في تنامي الاعتماد على مسلحين أجانب في ضبط المشهد الأمني، وهو ما يجعل الحديث عن استقرار مستدام أقرب إلى الوهم.
فعلى امتداد سنوات الصراع، شكّل الكرد مع غيرهم مجتمعات بارزة في إدارة مناطقهم، سواء عبر هياكل محلية أو قوى أمنية ذات طابع ذاتي، لكن تعامل السلطة في دمشق مع هذا الواقع قد اتسم بالتوجس والرفض أكثر من الحوار السياسي، وبدلًا من فتح مسار تفاوضي بناء يعترف بالحقوق السياسية والثقافية للكرد ضمن إطار وطني جامع، ورغم محاولات لم تُبدِ فيها السلطة الجدية المأمولة كما بدا في اتفاق 10 آذار، إلا أن المقاربة الأمنية قد استمرت بوصفها الأداة الأساسية والسبيل لتفكيك البنى المحلية، والتعامل مع أي مطلب جماعي باعتباره تهديدًا لوحدة الدولة.
والجدير بالذكر أن هذا النهج لا يعمّق فقط فجوة الثقة بين السلطة والكرد بل وغيرهم من شعوب المنطقة، بل يؤسس لصدام قابل للاشتعال مع أي تغير في موازين القوى، ويجعل كافة المناطق السوريّة ساحات مفتوحة لعدم الاستقرار طويل الأمد.
السلطة في دمشق في المقابل اعتمدت بشكل متزايد على مسلحين أجانب في تثبيت سيطرتها العسكرية، إلى جانب مجموعات مرتزقة عابرة للحدود فضلاً عن الدعم الذي توفره لها الدولة التركية، وفي حين أسهمت هذه المجموعات بدورٍ حاسمٍ في معارك عديدة سابقة، لكنها في الوقت نفسه أعادت تشكيل بنية القوة داخل البلاد بما ينذر بتقيدات في المشهد الأمني على كافة المستويات بما فيها صفوف السلطة ذاتها. فقد أضعف هذا الاعتماد مبدأ احتكار الدولة للسلاح، وحوّل أجزاء من الجغرافيا السورية إلى مناطق نفوذ متداخلة، تخضع لحسابات إقليمية أكثر مما تخضع لقرار سيادي وطني. كما يعمق التوترات الاجتماعية في كافة أنحاء البلاد. كما أنه، ومع تزايد نفوذ هذه التشكيلات، لم تعد السلطة قادرة على تقديم نفسها كفاعل مستقل، بل كطرفٍ ضمن شبكة تحالفات تقيّد قراره السياسي والعسكري، وتربط مستقبل البلاد بأجندات خارجية متصارعة.
وفي ظل هذه المعادلة، يصبح الاستقرار – إذا تحقق – مجرد هدنة مؤقتة، قابلة للانهيار مع أي تحول إقليمي أو داخلي. كما أن استمرار هذا النهج ينذر بمستقبل أكثر تعقيدًا، حيث تتعمق الانقسامات، ويتراجع مفهوم المواطنة، وتتآكل السيادة لصالح مراكز نفوذ متعددة.
في المقابل، يبرز تناقض صارخ في سلوك الحكومة السورية المؤقتة حيال الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة داخل الأراضي السورية، فعلى مدار العام الأخير لم تتوقف هذه الانتهاكات في مناطق عدة في الجنوب والوسط، وصولًا إلى محيط العاصمة التي شهدت ضربات جوية وتوغلات متكررة تنفذها إسرائيل، تستهدف مواقع عسكرية وبنى تحتية، فضلا عن تمركزات أمنية إسرائيلية في أماكن عديدة جنوبي البلاد، دون أن يقابل ذلك ردٌّ فعلي يرقى إلى مستوى الحدث. إذ اقتصر الموقف الرسمي في الغالب على بيانات إدانة شكلية، أو تحميل المسؤولية لــ “التعقيدات الإقليمية”، في وقت تتكرس فيه وقائع ميدانية جديدة تفرضها القوة الإسرائيلية دون كلفة سياسية أو عسكرية تُذكر. هذا السلوك، الذي يتأرجح بين العجز والتغاضي، يطرح تساؤلات عميقة حول طبيعة القرار السيادي، وحدود الاستقلال الفعلي للسلطة، ويعزز الانطباع بأن مواجهة الخارج ليست أولوية، طالما أن ميزان الردع الداخلي قائم، حتى وإن جاء ذلك على حساب السيادة ووحدة الأرض.
في هذه المعادلة، يبدو أن الحكومة تفضّل إدارة الخسائر الخارجية على الدخول في مواجهة قد تهدد توازناتها الهشة، ما يحوّل الانتهاكات الإسرائيلية من خروقات استثنائية إلى واقع شبه اعتيادي، ويعمّق أزمة الشرعية والثقة على المستوى الوطني.
غاية القول، إن المأزق السوري لم يعد مرتبطًا فقط بإرث الحرب أو تعقيدات المرحلة الانتقالية، بل بطبيعة الخيارات التي يُعاد إنتاجها في إدارة السلطة والقوة، فالدولة التي تواجه شعوبها بالشك والأدوات الأمنية، وتستعيض عن عقد اجتماعي جامع بتحالفات عسكرية خارجية، وتقبل بانتهاك سيادتها تحت ذرائع توازنات إقليمية، إنما تؤسس لواقع هشّ لا يمكن أن ينتج استقرارًا مستدامًا. وفي ظل استمرار هذه السياسات، يبدو أن سوريا تتجه نحو إعادة تدوير أزمتها بأشكال أكثر تعقيدًا، حيث يتآكل معنى الدولة لحساب منطق القوة، وتُستبدل السيادة الفعلية بإدارة مؤقتة للأزمات. وعليه، فإن أي حديث عن مستقبل أقل كلفة أو أكثر استقرارًا سيبقى مشروطًا بمراجعة جذرية لهذه المقاربات، والانتقال من منطق السيطرة إلى منطق الشراكة، ومن إدارة التوازنات الهشة إلى بناء دولة قادرة على تمثيل مجتمعها والدفاع عن أرضها في آنٍ واحد.
No Result
View All Result