No Result
View All Result
عامر داود
شدّ انتباهي تعامل الحركات المتطرفة مع الدول الأوروبية والولايات المتحدة وإسرائيل، وما يرافق ذلك من خطاب سياسي مرن وسلوك ميداني متناقض، الأمر الذي استدعى البحث في مصطلحي «التقيّة» و«التمكين» كما تتبنّاهما الحركات المتطرفة في سوريا، في ضوء الفقه الإسلامي الكلاسيكي، مع تتبّع تطوّرهما التاريخي، وعرض أقوال الفقهاء فيهما، وتحليل كيفية توظيفهما في أدبيات السلفية المتطرفة المعاصرة، ضمن إطار نقدي علمي رصين.
يُعد مفهوما التقيّة والتمكين من المصطلحات المركزية في الفكر السياسي والفقهي الإسلامي، وقد شهدا تحوّلات كبيرة في الدلالة والاستعمال عبر التاريخ الإسلامي، ولا سيما في الخطاب المتطرف المعاصر الذي أعاد هندستهما ضمن مشروع أيديولوجي صراعي سلطوي.
أولاً: مفهوم التقيّة في الفقه الإسلامي
-
المعنى اللغوي: التقيّة من الوقاية، أي الحذر والتحفّظ ودفع الضرر.
قال ابن فارس: (الوقاية أصل يدل على دفع الشيء عن الشيء).
-
المعنى الاصطلاحي: عرّفها العلماء بأنها إظهار خلاف ما يُبطن الإنسان دفعاً للضرر عن نفسه عند الخوف على النفس أو الدين.
-
الأساس القرآني للتقيّة: قال تعالى: ﴿ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ (آل عمران: 28)
وقال تعالى: ﴿ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ ﴾ (النحل: 106)
-
موقف الفقهاء من التقيّة: أجمع جمهور فقهاء أهل السنّة على جواز التقيّة في حال الإكراه والخوف على النفس، بشروط:
أن يكون الإكراه حقيقياً، ألا يترتب عليها ضرر بالآخرين، ألا تكون وسيلة للخيانة أو الغدر
قال النووي: (إذا أُكره على الكفر جاز له التلفّظ به مع اطمئنان قلبه بالإيمان).
وقال ابن تيمية: (المؤمن إذا كان في دار كفر أو فجور ولم يمكنه إظهار دينه، فإنه يتقيهم كما كان مؤمن آل فرعون).
التقيّة في فكر عبد الله بن محمد: يرى عبد الله بن محمد (أحد منظّري الفكر المتطرف المعاصر، المرتبط بالمدرسة التي تنظّر لما يُسمّى بفقه الدولة الجهادية ومرحلية إقامة الخلافة) أن التقيّة هي إخفاء الانتماء والمنهج والأهداف عند الضعف، وإظهار خلاف الحقيقة عند الضرورة التنظيمية والأمنية، وهو يوسّع معناها من رخصة فردية عند الإكراه إلى تكتيك تنظيمي دائم في مرحلة الاستضعاف. ويرى أن التقيّة «جائزة» – بل واجبة تنظيمياً – في الحالات الآتية:
ـ مرحلة الاستضعاف: حين تكون الجماعة قليلة العدد ضعيفة السلاح، أو عند غياب السيطرة الميدانية، أو العمل في بيئة معادية أو خاضعة لسلطة الدولة.
-العمل السري: التخفي داخل مؤسسات الدولة، وعدم إظهار الانتماء المتطرف، والتستر على القيادة والتنظيم.
-الاختراق والتجنيد: التظاهر بالولاء للنظام أو المجتمع عبر العمل تحت غطاء مدني أو دعوي أو اجتماعي.
-الحفاظ على البنية التنظيمية: لمنع كشف الخلايا، وحماية خطوط الإمداد، وصون القيادة.
ويقدّم ذلك باعتباره من «فقه المرحلة» و«فقه الضرورة الحركية» التي تفرضها مرحلة الضعف والتأسيس.
التقيّة في أدبيات السلفية المتطرفة المعاصرة تحوّلت إلى وسيلة اختراق أمني وسياسي وأداة تمويه تنظيمي وغطاء شرعي للعمل السري، فتُستعمل لتبرير التسلّل داخل أجهزة الدولة والعمل الاستخباراتي والتضليل الإعلامي واختراق المجتمعات. وقد توسّعوا فيها توسعاً يخالف الإجماع الفقهي التقليدي، توطئةً لمرحلة القوة والتمكين وفرض مشروعهم السياسي باسم الشريعة.
جبهة النصرة والتقيّة
تبنّت جبهة النصرة منذ نشأتها كفرع لتنظيم القاعدة في سوريا بقيادة أبي محمد الجولاني المنهج السلفي، وأدبيات أبي مصعب السوري وأبي بكر ناجي، وفقه التمكين كما نظّر له عبد الله بن محمد، ثم أعادت لاحقاً صياغة خطابها السياسي تحت مسمى «هيئة تحرير الشام» في محاولة للتماهي مع الواقع المحلي والدولي.
لا تستخدم النصرة مصطلح «التقيّة» علناً، لكنها تعتمد عملياً ما تسميه: فقه المداراة وفقه الموازنات أوفقه المرحلة أوفقه السياسة الشرعية ، غير أن المضمون واحد: إخفاء النوايا الحقيقية مرحلياً حتى اكتمال شروط القوة والتمكين.
وترى النصرة أن التقيّة – بمفهومها العملي – جائزة في:
أ) مرحلة الضعف والانتشار: مثل عدم إعلان المشروع “الجهادي العالمي”، وإخفاء الارتباط بالقاعدة (كما فعل الجولاني قبل 2016)، أو اعتماد خطاب وطني لا أممي.
ب) مرحلة كسب الحاضنة الشعبية: كتقديم نفسها كفصيل ثوري لا تنظيماً متطرفاً، وتأجيل فرض الأحكام الصارمة، والتدرّج في تطبيق رؤيتها الشرعية.
ج) التعامل مع المجموعات والدول: عبر إظهار التحالف المرحلي مع المجموعات والدول…
No Result
View All Result