No Result
View All Result
د. طه علي أحمد
لم تكن سياسة العنف التي شهدها حيّا الشيخ مقصود والأشرفية في حلب خلال الأيام الأخيرة مجرّد انفجار أمني محدود، ولا يمكن اختزالها في روايات “الاحتكاك” أو “الفوضى العابرة”. ما جرى هناك يمثّل نموذجاً مكثفاً لطبيعة الحكم القائم في دمشق اليوم. هي سلطة سياسية تتحدّث باسم الدولة، لكنها تعتمد فعلياً على فصائل مسلّحة تمارس عنفاً أيديولوجياً منظّماً، وتتعامل مع أجزاء من المجتمع بوصفها خصماً عقائدياً لا مواطناً.
بهذا المعنى، لم تكن الشيخ مقصود والأشرفية خارج السياق، بل في قلبه، فالحيّان اللذان يتمتعان بخصوصية اجتماعية وسياسية واضحة، وبتاريخ من الإدارة الذاتية والحساسية القومية، وُضعا مجدداً في مرمى العنف لا لاعتبارات أمنية بحتة، بل لأنهما يمثلان نموذجاً لا ينسجم مع تصور السلطة الجديدة للدولة المركزية.
كما أن العنف الذي مورس سواء عبر الاقتحامات، أو القصف، أو خطاب التخوين الجماعي، لم يكن موجهاً ضد “خطر مسلح محدد”، بل ضد هوية سياسية واجتماعية كاملة. وهنا تتجلى سمات العنف الأيديولوجي، والتي يتجلى أبرزها في تحويل الانتماء أو الموقف السياسي إلى جريمة تستوجب العقاب الجماعي.
إن ما جرى في الشيخ مقصود والأشرفية يؤكد أن مرتزقة الحكومة المؤقتة في دمشق لا تتحرك بوصفها أدوات دولة، بل بوصفها حامِلة لعقيدة سياسية ـ أمنية ترى في السيطرة والإخضاع شرطاً استراتيجيا للوحدة، فهذه المجموعات لا تخضع فعلياً لسلسلة قيادة وطنية موحّدة، كما تحتفظ بخطاب تعبوي يجرّد الخصوم من الشرعية بما يساعدها على ممارسة العنف بوصفه رسالة سياسية، لا إجراءً أمنياً. وعندما تتحرك في أحياء مدنية مكتظة، فإنها لا تسعى إلى فرض القانون، بل إلى كسر نموذج مختلف للحكم المحلي والهوية السياسية.
وفي ظل مشهد عنوانه “تراخي السلطة” أو “استخدام العنف بالوكالة”، نجد أن ردّ فعل السلطة في دمشق على ما جرى في الشيخ مقصود والأشرفية كان كاشفاً بقدر ما كان مخيباً، حيث اعتمد لغة فضفاضة عن “التهدئة”، ومزاعم من قبل رئيس الحكومة المؤقتة بأن الكرد، وهو أبرز ضحايا موجة العنف الأخيرة، إنما هم شعب سوري أصيل، بل وصل خطابه إلى حد اعتبر الكرد “أخواله” كون أمه ذات أصول كردية. ورغم مزاعم المهادنة مع الكرد من جانب سلطة دمشق ورئيسها، إلا أن هذا الخطاب قد جاء خالياً من تحديد المسؤوليات والمحاسبية أو مساءلة للمجموعات المتورطة، الأمر الذي يعيد إلى الأذهان موجات التراخي من جانب الحكومة خلال أحداث الساحل والسويداء وغيرها مما سبق تجاه المجموعات المتشاركة مع السلطة الحاكمة ورئيسها المؤقت في الخلفية الأيديولوجية المتطرفة وقت أن كانوا جميعاً مصنفين كـ “إرهابيين” من جانب المجتمع الدولي بقيادة الولايات المتحدة، وقبل أن تفتح له العواصم الأمريكية والأوروبية أبوابها بموازاة الانخراط التفاوضي مع إسرائيل والتنازل عن سيادة الدولة على مناطق أضحت ميداناً للنفوذ الإسرائيلي كشرطٍ أصيل لإضفاء الشرعية السلطة الحاكمة بغض النظر عن سياسة التراخي مع العنف الأيديولوجي ضد شعوب المجتمع السوري من غير الموالين لسلطة دمشق.
بشكلٍ عام، فربما تنجح السلطة، عبر “العنف المفرط” في إخضاع حيّ أو إسكات منطقة، لكن حكمة التاريخ وطبيعة السوسيولوجيا السورية تعني حتمية الفشل في تحقيق أدنى مستويات الاستقرار بمعناه الحقيقي. فالشيخ مقصود والأشرفية اليوم لا تمثلان مناطق “أُعيد دمجها”، بل هي مستهدفة للإخضاع بالقوة. وبطبيعة الحال، فإن الفارق هنا جوهري، فالاستقرار القائم على الإكراه – حتى وإن تحقق – فإنه استقرار هش وغير مأمون العواقب. ورغم فداحة الموقف، فإن الأخطر في انتهاكات الشيخ مقصود والأشرفية ليس عدد الشهداء أو حجم الدمار فقط وإن كان ذلك شأنٌ جلل، لكن أن الرسالة السياسية التي تحملها الأحداث تعني أن أي نموذج حكم أو إدارة أو هوية خارج الإطار الذي تدوره في فلكه السلطة الحاكمة وهو الإطار المتشكل في ضوء الرؤية التركية بالأساس، سوف يُواجَه لا بالحوار، بل بالقوة. وبهذا، لا تُقوَّض فقط فرص أية تسوية أو اتفاق سياسي مثل اتفاق “10 آذار”، بل يُقوَّض مفهوم السياسة نفسه، ويُستبدل بمنطق “العنف” و”العنف المضاد”.
أخيرًا، فإن ما جرى في الشيخ مقصود والأشرفية ليس حدثاً محلياً، بل إنذار وطني مفاده أن استمرار العنف الأيديولوجي بوصفه سلوكاً ملازماً للمجموعات الداعمة للسلطة، واستمرار تراخي دمشق في ضبطه أو محاسبة مرتكبيه، يعني أن سوريا تتجه نحو دولة مركزية “هشة”، ومجتمع “مفكك”، واستقرار مؤقت قائم على القسر. فإما أن تتحول السلطة إلى دولة قانون تفكك المجموعات وتجرّد العنف من شرعيته الأيديولوجية، وإما أن تبقى مظلّة سياسية لإدارة العنف حتى ينفجر من جديد. والله من وراء القصد.
No Result
View All Result