No Result
View All Result
آهين علي
لم يعد من الممكن التعامل مع خطاب حقوق الإنسان بوصفه مرجعية أخلاقية عالمية، أو منظومة قيم تحمي الإنسان أينما كان. ما نشهده اليوم هو سقوط هذا الخطاب في امتحان الواقع، وانكشافه كنظام انتقائي، يُفعَّل حين يخدم المصالح، ويُجمَّد حين تصبح العدالة عبئاً سياسياً.
في عالم تُدار فيه النزاعات بمنطق الربح والخسارة، لم تعد حياة المدنيين أولوية، بل تفصيلاً يمكن تجاوزه. مصانع السلاح تعمل بلا توقف، وتزدهر مع كل حرب جديدة، بينما تُختزل المآسي الإنسانية في بيانات شجب باردة، لا تُنقذ حياة ولا توقف جريمة. تُدار الكوارث بلغة “القلق”، ويُترك الضحايا لمصيرهم، لأنهم وُجدوا في المكان الخطأ، أو لأن معاناتهم لا تخدم السردية السائدة.
هذا الانهيار الأخلاقي يتقاطع مع خطر آخر لا يقل فتكاً، يتمثل في تشويه الدين عبر توظيفه الأيديولوجي والسياسي. فالمجموعات المتطرفة التي ترفع شعارات دينية لا تمثل الإيمان ولا القيم، بل تستخدم المقدس غطاءً للعنف، وأداة لتبرير القتل والإقصاء. هنا لا يكون الدين جوهر الصراع، بل وسيلة تعبئة، فيما الهدف الحقيقي هو السلطة والسيطرة. والنتيجة واحدة: إنسان يُجرد من إنسانيته باسم شعارات كبرى فارغة.
ضمن هذا السياق، لا يمكن الصمت عما جرى في حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب. فقد تعرض هذان الحيّان، اللذان يقطنهما مدنيون، لهجمات وحشية وانتهاكات واضحة لحقوق الإنسان، شملت القصف، والحصار، والترهيب، على يد مجموعات مرتزقة، وسط صمت دولي مريب، وتغطية إعلامية سوداء ساهمت في التبرير أو التعتيم، بدل كشف الحقيقة.
ما حدث في الشيخ مقصود والأشرفية لم يكن حادثاً معزولاً، بل نموذجاً فاضحاً لكيفية تحويل المدنيين إلى أهداف مشروعة حين تغيب المحاسبة، وحين يُصنَّف الضحايا خارج “الأولوية السياسية”. انتهاكات واضحة، موثقة، لكن بلا مساءلة حقيقية، ولا ضغط دولي يتناسب مع حجم الجريمة. وكأن حياة السكان هناك أقل قيمة في ميزان العدالة العالمية.
الأخطر من القصف ذاته كان الصمت. صمت المؤسسات الدولية، وصمت كثير من المنابر الإعلامية، التي انتقت روايتها بعناية، وتجاهلت معاناة أحياء كاملة لأنها لا تنسجم مع حساباتها أو تحالفاتها. هنا يفقد الإعلام دوره الرقابي، ويتحوّل من ناقلٍ للحقيقة إلى شريك غير مباشر في الجريمة، حين يختار ما يُرى وما يُطمس.
وفي قلب هذا المشهد، تقف المرأة في موقع الاستهداف المزدوج. ففي شمال وشرق سوريا، لم تكن النساء مجرد ضحايا حرب، بل فاعلات في الدفاع عن مجتمعاتهن، وفي بناء نماذج مختلفة للمشاركة السياسية والاجتماعية. واجهن التطرف، وشاركن في إدارة الشأن العام، ودفعن ثمناً باهظاً من حياتهن وأمنهن. ومع ذلك، بقيت هذه التجربة خارج الاهتمام الجدي للمجتمع الدولي، أو أُحيطت بالتجاهل المتعمّد؛ لأن الاعتراف بها يتطلب موقفاً أخلاقياً لا ينسجم مع سياسة المصالح.
هنا تتجلى المفارقة القاسية: عالم يتحدث بلا توقف عن تمكين المرأة، لكنه يتجاهل نساء واجهن الإرهاب، وكسرن أنماطاً اجتماعية راسخة، وأسسن لتقدم فكري حقيقي في واحدة من أكثر المناطق تعقيداً. التقدم الذي شهدته بعض مناطق شمال وشرق سوريا يقابله انحدار أخلاقي عالمي، يُفرغ مفاهيم العدالة والمساواة من مضمونها، ويحوّلها إلى شعارات استهلاكية.
المشكلة ليست في غياب القوانين، بل في انتقائيتها. فالقانون الذي لا يُطبّق على الجميع يتحول إلى أداة قمع، والحقوق التي لا تشمل الجميع تصبح امتيازاً سياسياً. حين تُقاس الجرائم بهوية الضحية، لا بحقيقتها، نكون أمام نظام فقد أي ادعاء أخلاقي.
ما نعيشه اليوم ليس أزمة قيم فقط، بل أزمة ضمير. نظام عالمي قرر أن يرى بعين واحدة، وأن يتحدث عن الإنسانية حين لا تكلّفه شيئاً، وأن يصمت حين تصبح العدالة اختباراً حقيقياً. وما حدث في الشيخ مقصود والأشرفية ليس استثناءً، بل مرآة لعالم اختار القوة على القيم، والمصلحة على الإنسان.
No Result
View All Result