No Result
View All Result
تحقيق/ رامان آزاد –
القوميّة حالة انتماء فطريّة لا تحتاجُ أدلجةً، ولكنها قد تنغلق في نمط وتتمحور حول ذاتها فتنسب لنفسها عناصر الكمال والتفوق فيتعالى أبناؤها على غيرهم من القوميات، عندئذ ستظهر الأيديولوجيّة المضادة كردِ فعل طبيعيّ، تفنّد مزاعم الإقصاء وتتمحور حول الحقوق الفطريّة التي تمّ إلغاؤها في ظل هيمنة القوميّة المتعالية، وتدخل في صراع أيديولوجيّ.
الديمقراطيّة في دولة القبيلة
الدولة القوميّة ببساطة هي دولة القبيلة، والجمع بين النسب والأرض، وإسباغ التوصيف القوميّ على الأرض باعتبارها حياضَ القبيلة. وفي الفكر السياسيّ المعاصر؛ تُعتبرُ القبيلةَ حالةً بدائيّة، تُحتكرُ فيها الصلاحياتِ بشخصٍ واحدٍ يختزل قيم القبيلة، والفارقُ بين القبيلة والدولة القوميّة يكمنُ بشكل المأسسة واستبدالِ الغريزيّ والعاطفيّ بالأيديولوجيّ المنمّط، وتُعوّضُ الهويةُ المتوارثة البسيطة بأخرى معقّدة متعددة السويات.
وإذ ليس بإمكان بلدٍ بالعالم الادعاء بأنّه يتألف من عرقٍ أو قوميّة أو دين واحد، فإنّ اعتماد قوميّة واحدة معياراً للوطنيّة هو تنميطٌ قوميّ من شأنه تهميش باقي المكونات وحرمانها حقوقها الثقافيّة والشراكة السياسيّة وإحالة الوطن إلى بوتقةٍ تنصهرُ فيها باقي المكونات لصالح المكوّن الماسك بزمام السلطة. فكيف الحال بالنسبة لبلدٍ تمثلُ التعدديّة حالته التاريخيّة الأكثر ثباتاً؟
والسؤال؛ هل يمكن بناءُ نظام ديمقراطيّ في ظلِّ هوية القبيلة؟ إن أبرز أشكال الممارسة الديمقراطيّة هو الاحتكام لصناديق الانتخاب، ولنتصور مجتمعاً لمَّا يتحرر من ميراثه القبليّ ويعيش أزمات الماضي في حاضره، فما النتائج التي ستسفر عنها الانتخابات فيه، مؤكد ستكون نفسها؛ لأنّها تقومُ على العدديّة وليس حرية الاقتراع؛ لأنّ الهواجس التي تسكن المقترعين والناخبين والصورة النمطيّة عن الآخر تأسرهم فتقودُهم إلى النتائج نفسها، إلا أنّ يتم التوافقُ حول نظام ديمقراطيّ يتجاوز القبليّ إلى الوطنيّ، والخاص إلى العام.
ففي كلّ مرّة يمر المجتمع بأزمة أو يُثار فيها الحديث عن الديمقراطيّة نجد الارتداد لمنطق القبيلة على أنّه المنقذ ومصدر القوة، وحتى لو لم يكن الحديث عن المعنى العشائريّ التقليديّ للقبيلة، وإنّما بمعنى العصبيّات المغلقة التي أشار إليها ابن خلدون بكونها حقيقة تتعلق بمسألة ولا تقتصر على النسب.
تكثر اليوم النظرياتُ حول أزمة الهوية وتشهد نزوعاً نحو الانغلاق والقبيلة، على أنّها حالةُ دفاعٍ إزاء العولمة التي تكتسح الخصوصيات الثقافيّة والعقائديّة للقوميات والطوائف والجماعات، والتي ستشعر بالاغتراب وتنكفئ على ذاتها وتبادل الآخرين بالرفض والعداء الأجانب، فالعولمةُ لا تقيمُ وزناً للجغرافيا والحدود السياسيّة، ولا للمفاهيم الاقتصاديّة والاجتماعيّة. وتغذّى هذا الإحساس من مخلفات الأزمات الاقتصاديّة وما ولّدته من بطالة وغلاء ومشكلات اجتماعيّة ثم تضاعف هذا الإحساس في ظل الصراع المسلح والهجرة واللجوء، وصار هذا الشعور يشكّل التوجّهات السياسيّة، ويعرّف الفيلسوف الفرنسيّ والمناضل الأمميّ “ريجيس دوبريه” المثقف بأنّه من يمتلك شجاعة الخروج على القبيلة، فينتزع حقه بتبنّي هويةٍ حرةٍ مستقلة ولا ينقاد للقطيعِ والتنميط الأعمى.
الديمقراطيّة تنتهي بالمركزية
الحديث عن ديمقراطيّة مركزيّة في الدولة القوميّة أشبه بمعادلة رياضيّة تنتهي إلى العدم، فما تمنحه الديمقراطيّة من حريات وحقوق وشراكة وطنيّة ستستعيده المركزيّة، ومادامت أيديولوجيا محددةً تفرضُ معاييرها، فإنّ حقوق ومطالب المكوّنات العرقيّة والدينيّة ستُحالُ إلى المؤسسات الأمنيّة وتعتبر مساساً بالأمن الوطنيّ أو القوميّ، وكلُّ فردٍ من المكوّنات الأخرى يُعتبر خطراً أمنيّاً بمجرد وروده إلى الحياة. والحقيقة أنّ قضية الأمن مجرّد وهم، فالوطن لا تحصّنه إلا قيم العدالة والمساواة. ومنشأ المخاوفِ الأمنيّة أساساً هو ممارساتُ الإقصاءِ نفسها، وبذلك تبني الدولة القوميّة مفهومَها الأمنيّ وتروّج لخطرٍ أمنيّ وهميّ، لتكون خطراً وجوديّاً حقيقيّاً على باقي المكوّنات. وتلك هي حال تركيا إذ أنّها مع فشلها بحلّ مشكلاتها الداخلية وادعائها المزعوم بالديمقراطيّة راحت تصدّر مشكلاتها عبر الحدود لتستهدف وجوديّاً مكوّناً قوميّاً في بلد مجاور، من أجل استعادة أمجاد قوميّة وهميّة قامت على الدم والاحتلال والفساد.
وفي بيئةٍ كهذه لا عجبَ أن تفشلَ الديمقراطيّة؛ لأنّها تحتاجُ إلى الحرية والإرادة الحرة، وتوفر الخيارات، فالديمقراطيّة سيكون مجرد عنوان للسيطرة القوميّة أو الطائفيّة المغلقة، ويفقد معها الفرد أيّ قدرة على العمل إلا في الشكل الآليّ، فهو فردٌ لا يفكر لأنّه محصور في زنزانة الفكر الأيديولوجيّ، وبالتالي الخيارات واقعة ضمنها، وتتجلى بشكل الولاء المطلق والإذعان والتبعيّة. ومن مظاهر ذلك أنّ الانتماء إلى بعض الأحزاب يبدأ بالقسم ليتحوّلَ بعده الأفراد إلى نسخٍ مكررةٍ بالفكر والتوجّه نفسه.
المسألة المهمة التي يجدر الوقوف عليها هي حريّة المعتقد والفكر، والتي تُذبح وتُسلخ على مذبح الديمقراطيّة الشكليّة، وهذه المسألة جاءت في موارد كثيرة للقوانين والمواثيق الدوليّة، وفي مقدّمتها الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان الذي تبنته الأمم المتحدة في 10/12/1948الذي أكّد على الحريات الأساسيّة دون تمييز من أيّ نوع، والعهد الدوليّ الخاص بالحقوق المدنيّة والسياسيّة الذي اعتمدته الأمم المتحدة بالقرار 2200 تاريخ 16/12/1966 ويعترف الجزء1 (المادة 1) بحقِّ جميع الشعوب بتقرير المصير، وإعلان الأمم المتحدة الصادر في 25/11/1981 الخاص بالقضاء على جميع أشكال التعصب والتمييز على أساس الدين والمعتقد واعتبار أن حرّية الضمير والمعتقد وطنها العالم بأسره وأن عالميّة حقوق الإنسان المعبّرة عن رصيد الإنسانيّة من الخبرة والتجارب الثرية، لا تعني التنميط، بل تستوعب التنوع وتحترمه.
الديمقراطية المستحيلة
تؤثر الجماعات الأيديولوجيّة المغلقة بشكل كاسح على الأجيال الجديدة، وبالتالي بالواقع الراهن ومستقبل الحياة الاجتماعية والسياسيّة. وتسعى حثيثاً إلى قولبة الأجيال والحيلولة دون امتلاكها أفق للنظر خارج تلك القولبة التي تتضمن حزمة من الأفكار والرؤى السطحيّة النهائيّة، حول الحياة والموت والمجتمع والإنسان. بما يؤدي إلى بناء جدار عازل، ويتم الزجّ بهم في نطاق أصوليّ دوغمائيّ مطلق، ينطوي على إلغاء العقل، وتدمير الفرديّة والاستقلاليّة الفكريّة، بمواجهة الرؤى ذات التأثير، والتي لا ترى للفرد استقلاليّة خاصة، فكراً وممارسة.
المفارقة العجيبة في دول المنطقة القوميّة أنّها تتشارك المخاوف الأمنيّة ذاتها وتطوي لأجلها خلافاتها العميقة، ورغم أنّها في الوقت الذي تشكو مظالم الغرب الاستعماريّ ومعاهداته الجائرة فيما يتصل بترسيم الحدود وكلّ بلد لديه ادعاؤه بأنّ البلد المجاور يضم أرضاً له فيها حقوقاً تاريخيّة، فهي تقدّس معطيات تلك الاتفاقات عندما تمس القضية بنية الدولة القوميّة. فسايكس بيكو اتفاق تقسيميّ رسم الحدود الحالية للدول وهو محلُّ رفض دول المنطقة حتى اليوم. والسؤال؛ هل اتسمت هذه المعاهدات بالعدالة لدرجة أنّها راعت الطبيعة الديمغرافيّة ورسمتِ الحدودِ بدقة وكانت فاصلاً بين قوميّات مختلفة؟ من المؤكد لا، والواقع أنّها رُسمت في مناطق الكرد التاريخيّة، وجعلتهم أقليّات ومواطنين من الدرجة الثانية وخطراً أمنيّاً في دول قوميّة. ولا يمكن للديمقراطيّة أن تتحقق في بيئة تقطّعها حواجزُ شهادات الوطنيّة والأمن والتوصيف بالعمالة والخطر.
الواقع أنّ الجماعة الأيديولوجيّة قوميّة كانت أو دينيّة مذهبيّة هي شكل من التنميط، والفردُ في هذا السياق يفقدُ أيّ قيمة خارج إطار الجماعة الأيديولوجيّة (السياسيّة الحزبيّة، الاجتماعيّة الطبقيّة، والدينيّة الطائفية)؛ لأنّها لا تحتمل الفرديّة، ومقتضيات الحرية وحقَّ الفرد بأنّ يكون له وجودٌ خاصٌ، ورؤية خاصة للعالم، وعليه أن يلتزم الجاهزة التي تحدد البداية والنهاية في نشاطه، المسموح والممنوع.
الأمر مختلف في البلدان الديمقراطيّة، حيث تكون القوانين الفاعلة بالمؤسسات تستند إلى حقوق تكفل للأفراد والفئات الاجتماعيّة حرية التفكير والتعبير والتنظيم والعمل في إطار ديمقراطيّ سلميّ، بل إنّ المجتمعات الحديثة تشجّع على الفكر والإبداع، وتطالب بمزيد من الإنتاج الخلاّق بمجالات الثقافة والفكر والعلم والفن.
الاختلاف يحرّض على الإبداع ويُغني الثقافة ليرفدَها من مناهل وفيرة، وفكرُ الاختلاف والتنوع هو الذي يقود الثقافة، ويدفعُ بالحياة الاجتماعيّة لمزيدٍ من الإنجاز. فيما المنهج الأحاديّ والخطاب الأيديولوجيّ يؤدّي إلى التكرار ويميل للجمود وتثبيت مصالح فئويّة على حساب آخرين، لا سبيل أمام الفرد إلا ارتقاء سلم هذا الخطاب والتخلي عن خصوصياته لتأمين فرصة أفضل للحياة، كما أنّ هذه الأحاديّة ستهدرُ كثيراً من الطاقات الوطنيّة وتحيلها إلى البطالة بسببِ ضيق آفاق الاستيعاب. وهذا شكلٌ من الفساد الذي يأخذ ظاهر القدسيّة، ويولّد الاحتقان والكبت. وإذا كان الاختلاف والتعدديّة علامةً لمجتمعٍ صحيّ يعيش حياة طبيعيّة، فالأحاديّة لفظ مرادف للاستبداد والديكتاتوريّة.
لعلَّ البعضَ يعتبر أنّ الأحاديّة تقتصرُ على الحياة السياسيّة، ولا أثرَ ملحوظ لها في تفاصيل حياة الناس. ولكن؛ بملاحظة الإنتاج الثقافيّ والفكريّ والفنيّ والجماليّ وسائر المنتج المعنويّ سنجد الأثر واضحاً، وستصيب عدوى الأحاديّة تعاملات الأفراد، وسيصبح النمط الأيديولوجيّ مرجعاً يحدّدُ المسار المعرفيّ العام، وسيزيدُ السجال على حساب انحسار الحوار، فالإيديولوجيون يتميزون بحساسيّةٍ عاليةٍ إزاء أيَّ خدشٍ لمقدّساتهم من ثقافة ومعايير ورموز. وأيّ حوار مع الآخر يفترض القبول بجملة تلك المقدسات شرطاً مسبقاً، ولينتهي الحوار قبل البداية ناهيك الآثار الواضحة في الشأن الاقتصاديّ والخدميّ وحقوق الترشح والانتخاب والحصول على فرص العمل.
الديمقراطيّة معركة ضد التنميط
لعل السوريّ يجدًّ نفسَه أمام حالتي تخلّي إما عن ذاكرته ليصبح لاجئاً في بلده، أو مشروعه التحرّريّ ليقيّد نفسه، وسبيل استعادة الذاكرة والتحرر هو الديمقراطيّة ليكون المرء نفسه. ما يفرض على دعاة الديمقراطيّة، السعي في مشروعٍ خلّاقٍ، يجسّر بين الماضي والمستقبل، ويستنفر الإمكانات الثقافيّة لصنع المستقبل. أما الإصرار على القطيعة، وعلى المقاربات المطلقة، فهو إصرارٌ ينطوي على فكرٍ سلطويّ منافٍ للديمقراطيّة في جوهره.
الإبداع الديمقراطيّ هو ما يصنع من رغبتنا في الحرية، وإرادتنا بالحياة، فكر وقاداً من صلب وجودنا، يستند إلى وصل واعٍ بين الحاضر والمستقبل ويدرك عبرة الماضي، وبين العقل والمشاعر، لا إلى أيديولوجيات الفصل والعزل بينها. هو إبداعٌ يجعلنا نفهم ونتفهم أنفسنا، ونفهم حقَّ الآخرين لنكونَ مستقلين.
فالديمقراطية، في أحد أشكالها، معركة ضد التنميط لصالح التعدّدية، ولا ديمقراطيّة من دون تعدّدية، وهذه الفكرة كفيلة بإعادة الثقة إلى السوريين بقدرتهم على صناعة تاريخ جديد، واستعادة هذه الثقة أمرٌ لا يقدر بثمنٍ في هذه المرحلة بالذات.
من يبني الديمقراطية ويقودها، هم القوى المجتمعيّة الفاعلة، بمشاركة النخب السياسية والثقافية، بهذا البناء. وهذا ما يصوغ ثقافةً ديمقراطية سليمة، ويضعها على أنقاض ثقافة “التنظير الديمقراطيّ الفوقيّ” التي أثقلت من تعتبر نفسها النخبة كاهلنا به. ومن هنا، تأتي ضرورة انخراط السوريين في الجوار والحل السياسيّ، وأن يدركوا أنهم معنيون بالقرارات التي تؤثّر على حياتهم. وهذه المسؤولية التاريخيّة سترسم ملامح المستقبل، فلا وجود لديمقراطيةٍ من دون إصرار.
تعيشُ سوريا إرهاصاتِ مخاض التحوّل والخروج من الأزمة والفوضى عارمة والصراع مع الإرهاب، وتجاذبات حول مفهوم الوطن، وأبعاده الجغرافيّة والتاريخيّة والسياسيّة والاجتماعيّة والثقافيّة. ولذلك؛ فنحن بأَمَسِّ الحاجة اليوم لبذل الجهود واعية لرسم وتنميط صورتنا بشكلٍ إيجابيّ كسوريين ووطنيين، وتحديد العلامة الوطنيّة للبلاد للتعبير عن التغيّرات الحادثة على كلِّ المستويات، وفتح آفاق جديدة لسوريا للاستفادةِ من مكاسب التحوُّل.
من المهم أن نطرح على أنفسنا أسئلة من قبيل: مَن نكون؟ وكيف نريد أن يرانا الآخرون؟ وكيف سنحقق ذلك؟ لنتمكن من إنجاز منطلق التحوّل وتَغييرُ الصورة الذهنية من النمط السلبي إلى الإيجابي، على المستوى المؤسساتيّ (الدولة) والمجتمعيّ (المواطنين). وتمتين جسور العلاقة والثقة بين الطرفين والحرص على عدم انقطاعها. والاستفادة من مكاسب عملية التحوُّل. وإعادة تعريف تشكيل الهوية الوطنيّة وتحديد معاييرها؛ ولن يتم ذلك إلا بامتلاءِ الأفراد بالشعورِ بأنّ التحوّل الذي أًنجز يمثّلهم جميعاً، وألا يجد أحدُ نفسه خارج إطار التحوّل ومحالاً إلى هوامش الإقصاء لأيّة أسبابٍ.
الوطنية تشملُ كلّ المكوّنات القوميّة والعرقيّة والدينيّة والطائفيّة والمذهبيّة، أما القوميّة فهي فضاءٌ أحاديٌّ في العرقِ والدينِ والطائفة والقوميّة يحولُ دون استيعابِ الوطنيّة. فيما الوطنية تستوعب القوميّة بامتياز، والوطنيّ يمكن أن يكون قوميّاً أما القوميّ فكيف يكون وطنيّاً وهو يأخذ بيد قوميته ويهمّش القوميّات الأخرى داخل الوطن، ولا يمكن إنشاء نظام ديمقراطيّ في ظلِّ شعارات الأكثرية والأقلية، ففي المستوى الوطنيّ الكلّ متساوون بالوطنيّة.
No Result
View All Result