جوان عبدال
في عصر النهضة العربية الحديث، شهدت بداية القرن الماضي معارك أدبية عظيمة، وكانت معارك شغلت الساحة الأدبية العربية والرأي العام الأدبي في مصر وخارجها ردحا ليس باليسير. وحدثت ضجة عما يجب أن يكون عليه الأدب، جرت على يد عمالقة الأدب في مصر: طه حسين وزكي مبارك، وأحمد أمين، والرافعي والمنفلوطي، وتوفيق الحكيم، والمازني، وغيرهم، فالكل جهابذة وفطاحل، وينتقدون وينتقصون دون هوادة، فهم أساتذة ومعلمون، وكل من موقعه الذي لا ينحاز، بل يسوي الأمور ويضع النقاط على الحروف.
فمثلا نذكر بعضاً – كما ورد في كتاب “أخلاق الأدباء” لإبراهيم الكيلاني- من هذه السجالات والمعارك النقدية على صفحات الجرائد- فقد قال محمد عبد المطلب في نقد كتاب (في الشعر الجاهلي) لطه حسين، أحد ممثلي التيار الأدبي الحديث التجديدي المنفتح على حضارة الغرب: (سخِطتُ وازوررتُ.. لأني أجد ضعفاً في أسلوبه العربي، وضعف تأليف وخطأ في اللغة وقواعد الإعراب) ويضيف (أما ضعف الأسلوب فانه يجيئك بالمعنى القليل الهزيل في اللفظ الكثير والتركيب المملول)، وهذه هي المطية التي يركبها كل أحد (اللغة والأسلوب التعبيري) وهما في حد ذاتهما شيء واحد، ويضيف الكيلاني في كتابه الآنف الذكر: إن الحركة النقدية التي أثارها كتاب “الشعر الجاهلي” تصدى له كبار الكتاب والباحثين مركزين على ضعف المؤلف وتهافت أسلوبه).
وقال الناقد محمد غلاب عن طه حسين وأسلوبه: “إن كلاماً نشره في خمس صفحات كان يمكن وضعه في بضعة أسطر” واعترف طه حسين بذلك وعَقب: “هكذا طريقتي والتكرار لا أستطيع أن أتركه”.. وعن هذه النقطة رد الرافعي وهو الذي يترصد طه حسين، فيقول عن أسلوبه الجديد هذا: “كان من استعمال الركاكة في أسلوب التكرار، كأنه يمضغ الكلام مضغاً، وابتلى العربية فيه بالمكروه” وأضاف: “فلا يأتي –أي طه- بالجملة الواحدة إلا انتزع منها الانتزاعات المختلفة، ودار بها تعسفاً وضعفاً وإخلالاً بشروط الفصاحة وقوانين العربية.. والآفة الكبرى أنه يحتسب ذلك أبداً منه في الأسلوب وإحكاماً في السبك وطريقة بين المنطق والبلاغة”.
وعن الأسلوبية وأصول الكتابة رد طه حسين أنه فوق النقد والفن وأصولهما، فخاطب نقاد كتابه “المعذبون في الأرض”: “لا أضع قصة فأخضعها لأصول الفن، ولو كنت أضع قصة لما التزمت إخضاعها لهذه الأصول لأنني لا أومن بها، ولا أذعن لها، ولا أعرف بان للنقاد مهما يكونوا-أن يرسموا لي القواعد مهما تكن، ولا أقبل من القارئ مهما ترتفع منزلته أن يدخل بيني وبين ما أحب أن أسوق من الحديث، وإنما هو يخطر لي ما أمليه ثم أذيعه، فمن شاء أن يقرأ فليقرأ، ومن ضاق بقراءته فلينصرف عنه”.ص26.
فمثلاً؛ ها هو زكي مبارك يذم الأسلوب الكتابي التقليدي لدى عبد العزيز البشري: “كاتب يذكرك كل سطر بأنه أديب يتصيد الأوابد من مجاهيل القاموس واللسان والأساس”، ويضيف: “يندر في نثره صفحة تخلو من التكلف”، وجاء من يرد على مبارك: “بل استحدث البشري في أساليب العربية أسلوباً أضفى عليه من روحه المرحة وعلمه الواسع وذوقه السليم ما تفرد به”.
وقال عن أحمد أمين: يدرس ماضي اللغة العربية بلا تحرز ولا رفق.. كما انتقد مصطفى صادق الرافعي زكي مبارك وأحصى غلطاته في كتاب حققه: “إنه غلط مائتي غلطة، منها غلطات في الجهل، وهدم الآراء الأدبية والأسلوبية لديه”، وهذا “الرافعي” الذي كان ينتقد المعاني والألفاظ من ناحية مستوى تأليفها والابتكار فيها، وينقد التكرار الفج في الألفاظ والمعاني، كما كان ينقد اضطراب القوافي وثقل الألفاظ، وكان له حرص على اللغة كجهة الحرص على الدين.
وكذلك قال زكي مبارك في مساجلة عن كتاب عبد الله عفيفي “زهور منثورة”: “الكتاب يقع في 192 صفحة وفيه هفوات عددها 27 هفوة، منها هفوات بسيطة ومنها هفوات جوهرية. فرد عليه عفيفي أهنئك على نجاحك، وما أتيت به أعتقد إنه يرخص النقد الأدبي حتى يكون تصحيحاً مدرسياً يحاسب فيه على حرف نافر أو نقطة طائرة، فرد زكي مبارك مشيراً إلى الغلطات النحوية هازئاً: من كان يظن أننا سنلقي درساً في النحو على فضيلته، فهو أستاذ يلبس عمامة، وهو مدرس في الأزهر معقل العربية، ومثل الأستاذ عفيفي إذا دخل الأزهر، وقفت لقدومه قواعد النحو صفاً صفاً، فكانت المنصوبات في جانب والمرفوعات في جانب وقد تصدمه المجرورات. فرد عفيفي مكرراً قوله: أنك يا دكتور زكي أرخصت النقد وأهزلته، لأنك فهمته مراجعة مطبعية، وزعمته تصحيحاً مدرسياً، ويضيف محتداً: “تريد أن تعلمني النحو يا دكتور زكي، اسمع يا بابا، اسمع يا شاطر، واعلم أن لتلاميذك حقاً… الخ. وقال طه حسين عن أحد الشعراء: “هو شاعر مجيد حقاً، ولكنه ما زال مبتدئاً، فهو بحاجة إلى العناية باللغة وأصولها وأسرارها ودقائقها”. وقال أيضاً عن لويس عوض: “دعي، وأسلوبه ممل ولغته ركيكة”.
نرى أن جل المعارك الكبرى هذه جرت في محرابي اللغة والأسلوب: وهي مطية وسيف مشهر جاهز لجز رقبة الآخر، وهذا ما كان عندما كان طه حسين يتعقب هفوات المنفلوطي اللغوية والصرفية والنحوية متهمه بالجهل والسرقة والتغرير بالقراء وتضليلهم، رغم أن طه حسين فيما بعد تراجع عن رأيه هذا بعد وفاة المنفلوطي قائلاً: إنه فعل ذلك بعد أن تحول في أسلوب النقد الذي يتصل بالألفاظ والعبارات إلى النقد الموضوعي.
وها هو طه حسين يقول عن لغة مسرحية شهرزاد لتوفيق الحكيم: “فيها عيبان أحدهما يسوؤني حقاً، وهو هذا الخطأ المنكر في اللغة، وهذا لا ينبغي لكاتب فضلاً عن كاتب كالأستاذ توفيق الحكيم، وأطلب في شدة أن يلغي طبعة هذه القصة، وأن يعيد طبعها مرة أخرى بعد أن يصلح ما فيها من الأغلاط. والثاني يتصل بالتمثيل فقد أطال في بعض المواضع وكان يجب أن يوجز، وفصل في بعض المواضع وكان يجب أن يجمل”.. ص61. ثم يعطيه درساً كيف يكتب فينصحه الاعتناء بفنه والتكميل لما ينقصه من الأدوات، وهو في حاجة إلى أن يعنى باللغة ويتقنها ليستقيم التعبير عما يعرض من الخواطر والآراء. رغم أن الحكيم رد على قوله هذا: “إني أعرف ما أصنع، ولقد أنفقت الأعوام أراجع ما أكتب، كما أني لست في حاجة إلى من يملي علي ناقداً قراءة بعينها”.
رغم النقد والهجوم فقد عرف الواحد قدر الآخر فيما بعد، إنما هي سجالات ومناوشات أدبية أتت ردات صياح الديكة لإرهاصات المرحلة الآتية لا ريب.. للتهيؤ لصلاة الفجر والنهضة.