No Result
View All Result
أكرم بركات (صحفي)
في قلب مدينة حلب، حيث تتشابك الأزقة الضيقة مع أنفاس التاريخ، وحيث تختلط ضحكات الأطفال بوقع الخطوات الثقيلة للحصار، وُلدت ملحمة لا تقل عظمة عن أعظم ما خَلّدته الذاكرة البشرية من بطولات. هناك، في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية، وقف ثلاثمئة عضو وعضوة من قوى الأمن الداخلي، لا كقوة عسكرية تقليدية، بل كسورٍ أخير يحمي الحياة من السقوط، والكرامة من الدهس، والإنسان من الإبادة.
لم يكن هؤلاء مجرد مقاتلين يحملون السلاح، بل كانوا أبناء الحي وبناته، خرجوا من البيوت ذاتها التي كانوا يدافعون عنها، يحملون في صدورهم وصايا الأمهات، وقلق الآباء، ودموع الأطفال. كانوا يعلمون، دون أن يُقال لهم، أن خلف ظهورهم يقف ما يزيد عن أربعمئة ألف إنسان، ينتظرون منهم أكثر من الحماية… ينتظرون الأمان، والكرامة، وحق البقاء.
حين يصبح الصمود قدرًا
بقيادة القائد زياد حلب، الذي قالها بوضوح لا يحتمل التأويل: “لن نتراجع… سنحمي أهلنا مهما كان الثمن”، تحولت هذه القوة الصغيرة إلى أسطورة حيّة. لم يكن في قاموسهم انسحاب، ولا في خياراتهم استسلام. كان القرار واحدًا، قاطعًا، نهائيًا: الصمود حتى آخر نَفَس. واجهوا الموت بصدور عارية وإرادة صلبة، وأقسموا أن لا يُترك حيّهم فريسة للقصف والتهجير والتنكيل. كل طلقة أطلقوها كانت بيانًا أخلاقيًا، وكل خطوة صمود كانت إعلانًا واضحًا أن الكرامة لا تُشترى، وأن الحرية لا تُقايَض، وأن الأرض التي تُروى بدم أبنائها لا تُسلَّم.
مواجهة غير متكافئة… لكن عادلة
تكشف المعطيات الميدانية حجم المفارقة الصادمة في هذه المعركة:
42 ألف مرتزق شاركوا في الهجوم. 110 دبابات، و4 طائرات بيرقدار تركيّة، و67 طائرة مُسيّرة انتحارية.
مدفعيات بعيدة المدى قصفت الأحياء من الحمدانية، ومدرسة المشاة، وريف المسلمية. أكثر من 50 مدرعة وعشرات راجمات الصواريخ.
في مواجهة هذا الطوفان الحديدي، وقف ثلاثمئة رجل وامرأة فقط، ليعيدوا إلى الذاكرة صورة أولئك الثلاثمئة الذين وقفوا في ترموبيل قبل آلاف السنين. لكن؛ الفارق هنا لم يكن في العدد وحده، بل في المعنى: أولئك هاجموا بأوامر خارجية، وهؤلاء قاتلوا بدافع الحب، والواجب، والانتماء، والكرامة.
كما خَلّد التاريخ سبارطة، سيخلّد الشيخ مقصود. فهؤلاء لم يدافعوا عن جغرافيا فقط، بل عن فكرة: فكرة أن الإنسان يستحق أن يعيش حرًا، وأن المدينة ليست مجرد أبنية، بل ذاكرة وهوية وروح.
واجهوا تشكيلات مرتزقة مرتبطة بالدولة التركية، عُرفت في ذاكرة السوريين بالدم والتهجير، من بينها:
الفرقة 62 (سليمان شاه ـ العمشات)
الفرقة 72 (السلطان مراد)
الفرقة 76 (الحمزات)
الفرقة 80 (نور الدين الزنكي)
الفرقة 86 (أحرار الشرقية)
كل اسم من هذه التشكيلات ارتبط في وعي الناس بالخراب، بينما ارتبط اسم الشيخ مقصود بالصمود.
ملحمة الشيخ مقصود ليست حدثًا عسكريًا عابرًا، بل شهادة إنسانية على أن الإرادة الحرة قادرة على الوقوف في وجه أعتى الجيوش. هي قصة ستُروى للأجيال القادمة، لتقول لهم:
هنا، في حلب، وقف ثلاثمئة بوجه أربعين ألفًا، وكتبوا بدمائهم أن الكرامة لا تُقهر.
كان المشهد أقرب إلى لوحةٍ أسطورية: نساء يقدمن الماء للمقاتلين، أطفال يرفعون أصواتهم بالدعاء، شيوخ يرددون كلمات الصبر، ومقاتلون يواجهون الموت بابتسامة واثقة.
كل بيت كان جبهة، وكل حجر شاهدًا، وكل زقاق سجلًا حيًا لحقيقة واحدة: الحرية لا تُمنَح… بل تُنتزع.
قد يسأل البعض: ما الذي يدفع ثلاثمئة إنسان لمواجهة جيوش مدججة بالسلاح؟
الجواب بسيط وعميق في آنٍ: الانتماء.
هؤلاء لم يقاتلوا من أجل سلطة أو منصب، بل من أجل أن يبقى الحي حيًا، أن يذهب الأطفال إلى مدارسهم، أن تبقى النساء حرائر، أن يختار الناس مصيرهم دون وصاية أو احتلال.
إن ملحمة الشيخ مقصود ليست صفحة في حرب، بل درس عالمي في معنى المقاومة. رسالة تقول إن الشعوب، مهما كانت صغيرة، تستطيع أن تقف في وجه الطغيان إذا امتلكت الإرادة.
سيبقى اسم الشيخ مقصود محفورًا في الذاكرة الجمعية، لا كحي في حلب، بل كرمزٍ عالمي للصمود. وسيظل اسم زياد حلب، ومعه أسماء الثلاثمئة من أعضاء وعضوات قوى الأمن الداخلي، علامة فارقة في تاريخ المقاومة، كما بقي اسم ليونيداس ورفاقه.
لقد أثبتت هذه الملحمة أن البطولة لا تُقاس بالعدد ولا بالسلاح، إنما بالإرادة، وأن الكرامة، حين تُمس، تُحوّل الإنسان إلى جبل لا تهزه العواصف. وهكذا، لم يكن الشيخ مقصود مجرد حي… بل كان سبارطة العصر.
No Result
View All Result