No Result
View All Result
خطار أبو دياب –
على مشارف دخول الأزمة السورية عامها الثامن، ساد الانطباع بأن النظام في دمشق في طور تحقيق انتصار ناجز، وأن التطبيع العربي الذي بدأ مع زيارة الرئيس السوداني، عمر حسن البشير، سيتواصل وأن تركيا والقوى الغربية المناوئة لها ستسلك النهج نفسه. لكن؛ في موازاة القرار الأمريكي في كانون الثاني الماضي، بالانسحاب من سوريا وتفاعلاته، لجمت واشنطن الاندفاع العربي أو بعض الحماس الأوروبي باتجاه إعادة التواصل مع دمشق.
واليوم مع النهاية المنتظرة لدولة الخلافة المزعومة على الأرض، يبدو أن “الربع الساعة الأخيرة” للنزاع السوري يطرح بإلحاح وضع شرق الفرات المستقبلي وحالة إدلب ومشروع المنطقة الآمنة، وكل تلك قنابل موقوتة وسيناريوهات لتجدد صراعات، مما يؤشر إلى أن الوظيفة الجيوسياسية للحروب السورية التي لم تستنفذ غرضها بعد، وأن تصفية الحروب يمكن أن تتخللها حروب إذا لم يتوفر الحد الأدنى من الوفاق الروسي – الأمريكي في ذلك.
لم يكن وزير الخارجية الفرنسية، جان- إيف لودريان، مخطئاً في وصف قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في 19 كانون الثاني 2018، عن الانسحاب باللغز الذي يحتاج إلى تفكيك تداعياته وآفاقه، ولم يتردد الرئيس إيمانويل ماكرون في احتجاجه على قرار ترامب “يُنتظر من الحليف أن يكون محل ثقة”، وهي ليست الخيبة الأوروبية الأولى من سياسات البيت الأبيض، كما تقول مصادر بروكسل. ولذا؛ سعت المؤسسات الأمريكية، عبر البنتاغون ووزير الخارجية ومستشار الأمن القومي، إلى طمأنة الكرد نواة “قوات سوريا الديمقراطية” والحلفاء الإقليميين إزاء التخبط والتخوف من انعكاسات قرار الانسحاب.
بعد وعد الرئيس الأمريكي نظيره التركي حول إقامة منطقة آمنة، جرى تداول عدة سيناريوهات لملء الفراغ وتنفيذ مشروع المنطقة الآمنة على شكل اتفاق تركي- أمريكي، أو اتفاق تركي- روسي من أجل إقامة منطقة “آمنة” على الحدود التركية – السورية ابتداءً من منبج حتى ديرك عند نهر دجلة. لكن؛ ذلك تعذر لأن واشنطن طلبت من أنقرة قبول بقاء “قوات سوريا الديمقراطية” في المنطقة وتقديم ضمانات بعدم التعرض للكرد. من جهتها اقترحت موسكو تفعيل اتفاقية أضنة الموقعة عام 1998 من قبل الحكومتين التركية والسورية آنذاك، وهذا يستدعي المصالحة مع نظام دمشق وقد يكون ذلك بعيداً وهذا يفسر هجوم الرئيس بشار الأسد الحاد ضده في خطابه الأخير بدمشق.
وعلى غرار البلبلة ضمن ثالوث مسار أستانة، يسود التخبط “التحالف الدولي ضد داعش” لأن الجانب الأوروبي رفض طرحا أمريكيا يقضي بالبقاء إلى جانب “قوات سوريا الديمقراطية” ولعب دور أساسي في الفصل بين الأتراك والكرد أو في تكوين المنطقة الآمنة. ويبدو أن طلب واشنطن جاء بعد عدم التأكد من تمرير أفكار بديلة مثل إشراك البيشمركة من باشور كردستان أو قوات تابعة لرئيس الائتلاف المعارض الأسبق أحمد الجربا أو للتيقن من صعوبة التوسط بين أنقرة والكرد السوريين؛ لأن تركيا تعتبرهم العدو رقم واحد لهم. كذلك سقطت عملياً كل الأفكار حول دورٍ لمنظمة الأمم المتحدة من أجل إقامة منطقة عازلة على طول الحدود مع تركيا على غرار قوى حفظ السلام حول العالم المنتشرة، وتراجع سيناريو مصالحة الكرد مع النظام برعاية روسية نظرا لشروط النظام التعجيزية، ولعدم حماسة طهران من جهة، ورفض واشنطن القاطع من جهة أخرى
من الواضح بعد كل المناورات أن واشنطن رفضت التنازل لأنقرة لأنها تريد الاحتفاظ بالورقة الكردية السورية أو بجزء منها، وهذا ما يفسر تصريح جيمس جيفري، المبعوث الأمريكي المختص بالملف السوري، بأن اتفاق الكرد مع دمشق أو موسكو يعني سحب الدعم الأمريكي للكرد. لكنه في الوقت نفسه يبين سيناريو آخر وهو فرض “منطقة آمنة” نسبيا للكرد ولو من دون أي اتفاق مسبق مع أنقرة أو غيرها، وذلك عبر فرض منطقة حظر جوي في شرق الفرات السوري في مرحلة ما بعد 30 نيسان 2019 كما فعلت واشنطن في شمال العراق بين عامي 1991 و2003 . ويأخذ هذا السيناريو الأرجحية مع إعلان البيت الأبيض، في 22 شباط الحالي، عن قراره ترك “مجموعة صغيرة لحفظ السلام” من 200 جندي أمريكي في سوريا لفترة من الوقت بعد انسحابها. وهذا يؤكد أن بقاء قاعدة التنف في الجنوب السوري بالإضافة إلى هذا التواجد في شرق الفرات، يعني أننا أمام إعادة انتشار للقوات واستمرار الاهتمام بالملف السوري.
قبل صدور القرار الأمريكي الأخير، كان التشكيك الروسي في ذروته ووصل الأمر بوزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف إلى اتهام واشنطن بالعمل على إنشاء “دويلة في شرق الفرات”، وهذا ما سيزيد أيضاً في حيرة رجب طيب أردوغان وخياراته على المدى القصير، سواء إزاء الوضع في إدلب أو حيال شرق الفرات والمسألة الكردية. وهذه الحالة من التخبط تسري أيضاً على اللاعبين الآخرين لتحديد أولوياتهم، من اللافت أنه بالرغم من النهج الدعائي لكل من واشنطن وموسكو في الحرب ضد الإرهاب، يكتنف الغموض لمرحلة ما بعد “داعش” وما بعد “النصرة”، ومن الصعب تفكيك أسرار وألغاز مسألة إعادة المرتزقة الأوروبيين أو تركهم في التيه أو الأسر، وكذلك مصير من هم من أصول آسيوية أو عربية مقابل الالتباس حول أولويات واشنطن وخططها الفعلية، تحاول موسكو من خلال ورقة إدلب استمرار انتزاع إدارة الصراع السوري. لكن؛ ليس من الأكيد أن يحبذ الرئيس فلاديمير بوتين القطيعة مع تركيا، ويفضل المساومة معها عبر ربط مصير إدلب بمصالحها المفترضة في شرق الفرات. وبالطبع لا يسهل وجود “النصرة” المهمّة، ولذا تزداد الشائعات والتسريبات عن مصرع أبو محمد الجولاني أو إصابته بجروح خطرة في انفجار هز المنطقة الأمنية في إدلب خلال الأسبوع الماضي. وما يزيد التعقيد ما يقال أيضا عن إبلاغ واشنطن أنقرة والرياض وبعض محاوريها من السوريين بأن “سيطرة الروس والإيرانيين والنظام على إدلب وشمال شرقي سوريا من شأنها أن تنهي عمليا الحل السياسي، هكذا تحتدم اختبارات القوة في شمال سوريا وشرقها في هذه المرحلة إبان “ربع الساعة الأخير” من الرقصة الجهنمية على الركام السوري، ومن المنتظر أن يتبلور شكلها في الجنوب بعد الانتخابات الإسرائيلية.
خلال ثماني سنوات، انقلبت كل المقاييس في بلاد الشام وكانت التغريبة السورية عنوان تغيير وجه الإقليم، وصولاً إلى التوازنات المهتزة بين الولايات المتحدة المتخبطة والمنهكة وروسيا القلقة والمصممة وأوروبا الضعيفة والضائعة. وأما الخسارة الصافية فكانت للحصانة العربية ولسوريا دولة وشعباً، قبل الربع الساعة الأخيرة وبعده وحتى إشعار آخر.
No Result
View All Result