د. شفيق عامر
كيف تحوّل المواطن السوري إلى شاهد زور على هذا الكم الهائل من المجازر، وعلى سنوات طويلة من الاستبداد، وعلى نفاقٍ حكوميٍّ مفضوح، وأفعالٍ تمارسها سلطة الأمر الواقع بلا خجل؟ كيف أصبح الصمت موقفًا، والتجاهل خيارًا، والتبرير فضيلة، أمام جرائم تُرتكب على مرأى من الجميع وبتحريضٍ علنيٍّ من أجهزة مخابراتٍ خارجية لا يعنيها لا سوريا ولا السوريون، بل همّها الوحيد سرقة ما أمكن من الهوية السورية، والاقتصاد السوري، والمدن السورية؟
كيف يُدار النظر عن عقلية التكفير، وعن السبي والغدر والإرهاب والقتل، وكأنّ ما يحدث شأنٌ عابر أو تفصيلٌ مؤسف في نشرة أخبار؟ مَنْ المسؤول عمّا نحن فيه؟ أهي الحرب وحدها؟ أم ذاك الإرث المسموم والمشوَّه الذي يرفض الآخر المختلف، ويكفّره، ثم يستبيح دمه باسم الدين؟ أم هي الأحقاد العثمانية والدينية المكبوتة التي طفت على السطح مع سكرة انتصارٍ وهميٍّ لم يجلب سوى الخراب؟
لماذا نرفض الاعتراف بالأحداث وتسميتها بأسمائها الحقيقية؟ لماذا نعجز عن الوقوف وقفةً صادقة مع الضمير، والأخلاق، والمبادئ؟ لماذا هذا الانسياق الأعمى خلف “كبش” يقود القطيع إلى الهاوية، بينما يُطلب من الجميع التصفيق أو الصمت؟ متى أصبح التفكير جريمة، والسؤال خيانة، والاعتراض كفرًا؟
ألم نتعلّم شيئًا من دروس التاريخ وفلسفتها؟ ألم تخبرنا التجارب إن الاستبداد، أيًّا كان لونه أو شعاره، لا يبني أوطانًا، وأنّ العنف لا يولّد إلا عنفًا، وأنّ تديين السياسة لا ينتج إلا دمًا وانقسامًا؟ لماذا نُستعمَر بالأموال والولاءات العمياء، وتستهوينا السلطة مهما كانت قمعية، ونبرّر قمع الآخر طالما لا يطالنا اليوم؟
أسئلةٌ كثيرة لماذا تتكاثر بلا إجابة. لكن؛ السؤال الأهم يبقى متى نصحو؟ متى نكسر صمت شاهد الزور، ونستعيد إنسانيتنا، ونقول إنّ الجريمة جريمة مهما كان فاعلها، وإنّ الضحية إنسان مهما كانت هويته، وإنّ سوريا لا تُبنى على التكفير ولا على الغدر ولا على التبعية؟
الصحوة لا تبدأ بانتصارٍ عسكري ولا بشعارٍ رنّان، بل تبدأ باعترافٍ شجاع، وبموقفٍ أخلاقيٍّ واضح، وبكلمة حق تُقال في وجه الظلم. فإمّا أن نكون شهود حقٍّ على تاريخنا، أو نبقى شهود زورٍ على خراب وطن.