No Result
View All Result
محمد أرسلان علي
لا يختلف العقلاء في الجوهر على أن الوظيفة الأساسية للدين هي خدمة الإنسان، والارتقاء به نحو التجرد المعنوي وإعلاء القيم الروحية التي تؤسس لاحترام الآخر والعيش المشترك وفق مبدأ “إن أكرمكم عند الله أتقاكم”. وبالمثل، فإن القومية في أصلها ليست إلا وعاءً للهوية واعتزازاً بالانتماء، وسيلةً للتناغم داخل التنوع البشري مصداقاً لقوله تعالى “ومن آياته اختلاف ألسنتكم”. كِلا المفهومين (الدين والقومية) لم يوجدا ليكون سيفاً مسلطاً، بل هما “حتمية اجتماعية” لضبط إيقاع الحياة بمعناها الإنساني الأسمى.
لكن المشكلة تكمن حين يتحول هذان المفهومان من “وسيلة” لخدمة المجتمع إلى “غاية” تبرر الاستبداد. إن التعصب والتطرف، سواء كان دينياً أو قومياً، يُخرج الإنسان من طبيعته المدنية التي هي أساس الحضارة، ليعيده إلى “شريعة الغاب” والتوحش، حيث البقاء للأقوى، وهي النظرية التي شكلت الحجر الأساس لبناء عقليات الإقصاء.
بإسقاط هذه الرؤية الفلسفية على الواقع السوري، نجد أننا أمام وجهين لعملة واحدة من الاستبداد الذي يمزق النسيج المجتمعي، استبداد المركزية القومية (النموذج السلطوي السابق)، حيث عانت سوريا لعقودٍ من “التعنت القوموي” الذي مارسه النظام السياسي، حيث تم اختزال الدولة في “الحزب القائد” واختزال القومية في لونٍ واحد يطمس التنوع الثقافي والإثني السوري الغني، هذا النموذج استند إلى فكرة هيغلية مشوهة ترى في الحاكم “ظل الله على الأرض” أو الممثل الأوحد للدولة، مما حول الدولة من مؤسسة لخدمة المجتمع إلى أداة لقمعه ونهب مقدراته لصالح فئة رأسمالية سلطوية.
وكذلك استبداد المركزية الدينية (نموذج “الجولاني” وسلطات الأمر الواقع). في المقابل، ومع انحسار السلطة المركزية، برز نموذج جديد لا يختلف في جوهره الإقصائي عن سابقه، ويتمثل في “الإصرار الطائفي” أو الأيديولوجي المتشدد (كما نراه في مرحلة الجولاني وغيرها). هنا، تم استبدال الشعار القوموي بشعارٍ ديني متطرف، وبات الحاكم بأمره يدّعي احتكار الحقيقة الإلهية، وهذا ما رأيناه في خطبة تثبيت الأركان بعد مرور عام على سقوط دمشق ودخول “الساقطين” فيها. حيث كان خطابه في الجامع الأموي الذي يذكرنا بحقبة الخلافة وهي في أوج تشتتها وقسوتها، وقال؛ “أطيعوني ما أطعت الله فيكم”. فلسان حال الاستبداد والمستبدين لا يختلفان البتة، إن كان الخطاب دينياً أو قومجياً، فهما بحدِ ذاتهما لا يؤمنون بما يقولونه، ولكن هي السلطة التي تفرض عليهم بأن يتلونوا بألف لون ولون من أجل النفوذ والسلطة والمال.
الذي نراه الآن في سوريا إن الذي كان يدّعي المظلومية تحول إلى جلادٍ وتقمّص عقلية ومنطق النظام السابق بكل تفاصيله ولربما أسوء منه أيضاً. نفس الأدوار مع تغيير الأسلوب فقط ولكن الهدف هو نفسه، إذلال الشعب السوري بشخص رموزها أو رجالها. فما نراه من ترهيب ووعيد للأخوة في الساحل السوري وكذلك الجنوب السوري، ما هو إلا محاولة لإعادة نفس العقلية ولكن هذه المرة بلبوس ديني وعمامة سماوية. وبنفس الوقت التهديد الذي يتم على مناطق روج آفا (شمال وشرق سوريا)، بشكلٍ ممنهج من الذباب الإلكتروني وكذلك بعض “بعوض” الفضائيات الخليجية، في تضليل الرأي العام ونشر الأكاذيب، حتى لو عاد كوبلز الألماني لتبرئ من أسلوبه في التضليل ولأخذ دورة تدريبية عند من يدعون التحرير.
إن كلا النموذجين يشتركان في “الذهنية الإقصائية”؛ فالأول يقصي باسم العروبة، والثاني يقصي باسم الدين. النتيجة الحتمية هي استمرار التوحش، القتل، والاعتقال، لأن كلاهما يرفض “الآخر” ويرفض الشراكة. وفي خضم الصراع، برزت مقولة خطيرة يتم تسويقها لتشريع الاستبداد الجديد وهي: “من يحرر الأرض هو من يقرر مصيرها”. هذه المقولة هي الجذر الفكري للديكتاتورية العسكرية ولا علاقة لها بالديمقراطية.
إن شرعية الحكم لا تنبع من البندقية أو القدرة على السيطرة العسكرية، بل تنبع من “العقد الاجتماعي”. إن السماح لمن يملك القوة العسكرية باحتكار القرار السياسي والاقتصادي يعيد إنتاج نفس منظومة الاستبداد القديمة، ولكن بوجوه جديدة. التحرير الحقيقي هو تحرير العقول والإرادة، وليس مجرد تغيير السيطرة الجغرافية من فصيلٍ لآخر.
وللخروج من عنق الزجاجة، لا يكفي الحديث عن “تجديد الخطاب الديني” بمعزل عن “تجديد الخطاب القوموي”. إن أية محاولة للإصلاح ستكون “عرجاء” ما لم يتم تفكيك الارتباط العضوي بين الدولة (كجهازٍ إداري وأمني) وبين الأيديولوجيا (سواء كانت دينية أو قومية). حيث ينبغي دينياً استعادة الدين كقيم أخلاقية وروحية بعيداً عن التوظيف السياسي السلطوي، وكذلك من الناحية القومية ينبغي إعادة تعريف القومية كحالة ثقافية لغوية تُغني المجتمع، وليست كأداة سياسية للهيمنة على الآخرين.
إن الفشل الذريع للقوميات المتعصبة (العربية، التركية، الفارسية، وغيرها) في جلب الاستقرار للمنطقة، يدفعنا لتبني حلول خلاقة. هنا تبرز أهمية الانتقال إلى نموذج “دولة المواطنة الديمقراطية اللامركزية”، حيث يمكن الاستفادة من الطروحات الفلسفية المعاصرة، كفلسفة “الأمة الديمقراطية” (التي طرحها المفكر أوجلان)، كإطار نظري للحل هذه الفلسفة التي تقوم على؛ اللامركزية، والتي من خلالها يتم منح المجتمعات المحلية القدرة على إدارة شؤونها، مما يقطع الطريق على عودة الديكتاتورية المركزية، وكذلك تقوم على أخوّة الشعوب والعيش المشترك القائم على التعددية وليس الصهر القسري، والنقطة الثالثة هي فصل السلطة عن الهوية. حيث ينبغي على الدولة أن تحمي الجميع، لكنها لا تتبنى هوية قومية أو دينية واحدة تفرضها على الجميع.
إن التجربة في مناطق شمال وشرق سوريا، رغم التحديات، تقدّم نموذجاً يستحق الدراسة والمراقبة كبديل محتمل لدولة المركزية القومية أو الإمارات الدينية المتطرفة.
إن سوريا اليوم أمام مفترق طرق تاريخي؛ فإما إعادة إنتاج الاستبداد عبر ثنائية (القومية الشمولية) أو (الدين السياسي المتطرف)، وإما الذهاب نحو عقد اجتماعي جديد، هذا العقد يتطلب شجاعة فكرية لنسف أسس التعصب، والإيمان بأن قوة المجتمع تكمن في تنوعه، وإن الدولة وسيلة لرفاه الإنسان وليست سوطاً لجلده. الخلاص يكمن في نظام لا مركزي ديمقراطي، يقرر فيه الشعب مصيره، بعيداً عن وصاية “المحرر العسكري” أو “الزعيم الملهم”.
No Result
View All Result