No Result
View All Result
محمد عيسى
بعد سقوط نظام بشار الأسد، لم تدخل سوريا المرحلة التي وُعِد بها السوريون بوصفها “انتقالية” بقدر ما دخلت طورًا أكثر التباسًا وخطورة، حيث تداخلت حسابات الخارج مع بقايا الداخل، وأُعيد ترتيب المشهد السياسي والعسكري بطريقة عكست استمرار البنية القديمة بأسماء جديدة، ففي 30 كانون الثاني 2025، تولّى أحمد الشرع رئاسة سوريا المؤقتة في لحظة مفصلية، قُدّمت للرأي العام بوصفها بداية عهد جديد، لكن الوقائع التي تلت هذا التاريخ سرعان ما كشفت أن ما جرى لم يكن قطيعة مع الماضي، بل إعادة تدوير له ضمن ثلاث مراحل متعاقبة، شكّلت بمجملها صدمة واسعة للسوريين الذين كانوا ينتظرون العدالة والمحاسبة لا “طيّ الصفحة”.
منذ الأيام الأولى لسقوط الأسد وفراره في 8 كانون الأول 2024، بدا أن البلاد تدخل مرحلة رمادية، تتراجع فيها لغة الثورة لصالح خطاب “الاستقرار” و”حقن الدماء”، وهي عناوين استخدمت سابقًا لتبرير القمع ذاته. ومع إعلان الحكومة السورية المؤقتة، تصاعدت الأسئلة في المجتمع السوري: من يحكم؟ ولمصلحة من؟ وأي مستقبل يُراد لهذا البلد بعد أكثر من عقد من الدم والدمار؟
واجهة سياسية جديدة بخيوطٍ قديمة
جاء تعيين أحمد الشرع رئيسًا للحكومة المؤقتة في 29 كانون الثاني 2025 ضمن مشهد سياسي صُنع بعناية إعلامية واضحة، هدفت إلى تقديمه بوصفه رجل المرحلة القادر على إدارة توازنات معقّدة خلّفها انهيار نظام بشار الأسد، فقد جرى تسويق هذا التعيين على أنه خطوة تأسيسية لعهد جديد، يقوم على التوافق وتجاوز الانقسامات، في وقتٍ كانت البلاد تعيش فراغًا سياسيًا وأمنيًا عميقًا. وفي السياق ذاته، برز اسم أسعد الشيباني وزيرًا للخارجية، في محاولة لإضفاء مسحة تكنوقراطية على الحكومة الوليدة، وتوجيه رسائل تطمين إلى العواصم الإقليمية والدولية بأن دمشق تدخل مرحلة “عقلانية” أكثر براغماتية في إدارة علاقاتها الخارجية.
غير أن هذه الصورة سرعان ما بدأت تتآكل مع تكشّف ملامح التشكيلة الحكومية ومراكز القرار الفعلية داخل الدولة، فبعيدًا عن الخطاب الرسمي، أظهرت التعيينات المفصلية في المؤسسات الأمنية والعسكرية والإدارية استمرار النفوذ ذاته الذي حكم سوريا لعقودٍ، سواء عبر شخصيات مرتبطة مباشرة بالنظام السابق، أو من خلال شبكات مصالح تشكّلت وتوسّعت خلال سنوات الحرب. لم يطرأ تغيير بنيوي على آليات الحكم، بل اقتصر الأمر على إعادة ترتيب الوجوه وتدوير المواقع، فيما بقيت السلطة مركّزة في دائرة ضيقة تتحكم بمفاصل القرار، بعيدًا عن أي مشاركة حقيقية للقوى الاجتماعية والسياسية التي تحملت العبء الأكبر من القمع والدمار.
في هذه المرحلة، جرى الترويج المكثف لما سُمّي بـ”الواقعية السياسية”، باعتبارها الخيار الوحيد المتاح أمام بلد أنهكته الحرب والعقوبات والانقسامات. وقد استُخدم هذا المفهوم لتبرير الإبقاء على أدوات الحكم القديمة، بذريعة تجنّب الفوضى ومنع الانهيار. إلا أن هذا الطرح اصطدم بتناقضه الداخلي منذ اللحظة الأولى، إذ كيف يمكن الحديث عن بناء دولة جديدة دون تفكيك البنية السلطوية التي أنتجت الصراع؟ وكيف يمكن إقناع السوريين بجدية مسار المصالحة الوطنية في ظل تغييب كامل لملف العدالة الانتقالية، واستبعاد أي نقاش حقيقي حول المحاسبة والمسؤولية؟
هكذا، بدت المرحلة الأولى من “ما بعد الأسد” أقرب إلى إدارة انتقال شكلي، لا إلى انتقال فعلي، حيث طغت اعتبارات الاستقرار السريع على متطلبات التغيير العميق، ما زرع بذور شك مبكر في المجتمع السوري تجاه مستقبل العملية السياسية برمّتها.
من ساحات المجازر إلى قاعات القرار
لكن ما لبث الغموض الذي أحاط بالمرحلة الأولى من تشكيل السلطة الانتقالية والمؤقتة أن تحوّل إلى قلقٍ عميق، مع اتضاح المسار الذي اختير لإعادة بناء المؤسسة العسكرية والأمنية، فبعد أن جرى الإبقاء على بنية القرار السياسي ضمن دائرة ضيقة، انتقلت السلطة خطوة أبعد، تمثلت في إدخال شخصيات متورطة بانتهاكات جسيمة في صلب المنظومة الرسمية الجديدة. عند هذه النقطة، لم يعد الحديث يدور حول تسويات ظرفية فرضتها موازين القوة، بل عن خيار سياسي واعي يقوم على شرعنة العنف وتحويله إلى مصدر مشروعي داخل الدولة.
في هذا السياق، برز اسم أحمد إحسان فياض الهايس، المعروف بـ”أبو حاتم شقرا”، بوصفه أحد أكثر النماذج إثارة للجدل. فالرجل، الذي قاد مجموعة “أحرار الشرقية” المصنّف على لوائح العقوبات الأميركية، ارتبط بسلسلة طويلة من الانتهاكات، من القتل والتهجير القسري إلى تصفية الخصوم، فضلًا عن تورطه في اغتيال الأمين العام لحزب سوريا المستقبل السياسية الكردية هفرين خلف في تشرين الأول 2019، وهي جريمة شكّلت آنذاك صدمةً للرأي العام وأثارت إدانات دولية واسعة. ومع ذلك، لم يُفتح أي مسار قضائي بحقه، بل جرى التعامل معه كأحد “رموز النصر”، وظهر في دمشق مشاركًا في فعاليات رسمية، في مشهدٍ عكس بوضوح طبيعة التوازنات التي تحكم المرحلة الجديدة.
إلى جانب شقرا، صعد محمد الجاسم، المعروف بـ”أبو عمشة”، في مسار لا يقل دلالة. فمن عامل زراعي وسائق آليات في الريف السوري، انتقل خلال سنوات الحرب إلى قيادة مجموعات مسلحة مدعومة من تركيا، قبل أن يتولى قيادة الفرقة 25 في الجيش السوري الجديد. مسيرته ارتبطت بشكل وثيق بفرقة السلطان سليمان شاه، وبانتهاكات واسعة شهدتها مناطق عفرين منذ عملية ما تسمى بـ “غصن الزيتون” عام 2018، شملت مصادرة الممتلكات، والاعتقالات التعسفية، والانتهاكات بحق المدنيين. ورغم ذلك، جرى دمجه وترقيته ضمن المؤسسة العسكرية الرسمية، في رسالةٍ صريحة مفادها أن سجل الانتهاكات لا يشكّل عائقًا ما دام صاحبه جزءًا من منظومة الولاءات الجديدة.
تكشف هذه التعيينات عن نهج متكامل، لا عن حالات فردية معزولة، فبدل إعادة بناء جيش وطني على أسس مهنية وقانونية، اختارت السلطة المؤقتة استيعاب المجموعات المسلحة كما هي، دون مساءلة أو تفكيك، ما حوّل المؤسسة العسكرية إلى فضاء تتقاطع فيه شبكات النفوذ والسلاح، ويُستبدل فيه منطق الدولة بمنطق القوة، في استمرار مباشر للأزمة التي ادّعت المرحلة الانتقالية تجاوزها.
العفو عن رموز المال والقتل
ولم يتوقف مسار إعادة تدوير السلطة عند حدود المؤسسة العسكرية، بل امتدَّ بالتوازي إلى المجال الاقتصادي والأمني، في خطوةٍ كشفت عن اكتمال ملامح المرحلة الثالثة من “ما بعد الأسد”. فبعد دمج قادة المجموعات المسلحة في مواقع رسمية، فتحت الحكومة السورية المؤقتة باب ما سمّته “التسويات الاقتصادية”، تحت لافتة مكافحة الكسب غير المشروع واستعادة الأموال المنهوبة. غير أن التطبيق العملي لهذا المسار سرعان ما أظهر أنه أقرب إلى تسويات سياسية مقنّعة، أعادت إنتاج شبكة المصالح ذاتها التي شكّلت العمود الفقري لاقتصاد النظام السابق.
في هذا الإطار، عاد اسم محمد حمشو إلى الواجهة بوصفه أحد أبرز المستفيدين من هذه السياسة. فالرجل، المعروف بصلاته الوثيقة ببشار الأسد وشقيقه ماهر، لم يكن مجرد واجهة اقتصادية عادية، بل أحد أهم ممولي النظام خلال سنوات القمع والحصار، ورغم أن وزارة الخزانة الأميركية فرضت عليه عقوبات منذ آب 2011، وتبعها إدراجه على لوائح الاتحاد الأوروبي، ثم في الرزمة الأولى من عقوبات قانون قيصر عام 2020، وقّعت الحكومة المؤقتة معه تسوية رسمية دون أي مسار محاسبة علني أو قضائي، هذا التطور قُدّم بوصفه خطوة في طريق “العدالة الاقتصادية”، لكنه قوبِل برفض واسع في المجتمع السوري، الذي رأى فيه تكريسًا صارخًا لسياسة “طيّ الصفحة” على حساب حقوق الضحايا.
ولم يقتصر هذا النهج على رجال المال، بل شمل شخصيات أمنية وعسكرية ارتبطت أسماؤها بجرائم موثقة. من أبرزها فادي صقر، المتزعم السابق لقوات ما تسمى بـ “الدفاع الوطني” في حي التضامن بدمشق، والذي ارتبط اسمه مباشرة بمجزرة التضامن عام 2013، حيث قُتل 288 مدنيًا، وفق تحقيقات صحفية دولية نشرتها مجلتا “نيو لاينز” وصحيفة “الغارديان”. ورغم خطورة هذه الوقائع، كُشف لاحقًا أن صقر مُنح “أمانًا” من قبل رئيس الحكومة المؤقتة أحمد الشرع، بحسب ما أعلنه عضو لجنة السلم الأهلي حسن صوفان، ليعود بعدها إلى الواجهة وسيطًا وفاعلًا في ترتيبات المرحلة الجديدة. كما امتدت سياسة التساهل لتشمل شخصيات أخرى، من بينها عبد العزيز المدلول، ممن ارتبطت أسماؤهم بملفات أمنية وانتهاكات جسيمة خلال سنوات الحرب والأزمة. جميع هؤلاء أعيد إدماجهم تحت عناوين فضفاضة مثل المصالحة الوطنية والسلم الأهلي، دون أي آليات قضائية شفافة أو اعتراف بالمسؤولية. وهكذا، اكتمل مشهد ثلاثي الأبعاد: سلطة سياسية معاد تدويرها، مؤسسة عسكرية مُشبعة بسجل الانتهاكات، واقتصاد يُدار بذات الوجوه، في معادلة جعلت العدالة آخر ما يُفكَّر به في سوريا ما بعد الأسد.
وعود مؤجلة بلا مضمون
منذ تشكيل الحكومة المؤقتة، تكررت تصريحات رسمية تؤكد الالتزام بمحاسبة المتورطين بجرائم الحرب. غير أن الوقائع على الأرض ذهبت في الاتجاه المعاكس تمامًا. فلا محاكمات، ولا لجان تحقيق مستقلة، ولا حتى اعتراف رسمي بحجم الجرائم المرتكبة.
تحوّل مفهوم “المرحلة الانتقالية” إلى غطاء سياسي لإعادة ترتيب السلطة، لا لإعادة بناء الثقة. ومع كل تعيين مثير للجدل، كانت الهوة تتسع بين السلطة والمجتمع، خصوصًا بين عائلات الضحايا والمفقودين.
في مواجهة هذه السياسات، لم يقف المجتمع السوري صامتًا. من دمشق إلى حلب، ومن درعا إلى الساحل للسويداء والجنوب السوري، تصاعدت الأصوات المطالبة بالمحاسبة. خرجت احتجاجات في حي التضامن رفضًا لظهور فادي صقر، وامتلأت وسائل التواصل الافتراضي بحملات تندد بتعيين مجرمي الحرب في مناصب رسمية.
هذا الغضب لم يكن مجرد رد فعل عاطفي، بل تعبير عن وعي جمعي تشكّل خلال سنوات الثورة والحرب. فالسوريون الذين فقدوا أبناءهم ومنازلهم، لا يرون في “الاستقرار” الذي يُبنى على الإفلات من العقاب سوى وصفة لإعادة إنتاج العنف.
ما بعد سقوط الأسد لم يكن نهاية المأساة، بل بداية اختبار أخلاقي وسياسي جديد. ثلاث مراحل تكشّفت تباعًا: واجهة سياسية بلا قطيعة حقيقية، دمج لمجرمي الحرب في الدولة، وعفو واسع عن رموز المال والقتل. في المحصلة، وُضعت العدالة جانبًا، وتقدّم منطق الصفقات.
اليوم، تقف سوريا أمام مفترق طرق حاسم: إما الاستمرار في هذا المسار الذي يكرّس الظلم ويؤجل الانفجار، أو العودة إلى جوهر مطالب السوريين الأولى: الحرية، الكرامة، والمحاسبة. فالدول لا تُبنى بالنسيان القسري، ولا بالتصالح مع الجريمة، بل بالاعتراف والمساءلة. وما لم تدرك الحكومة المؤقتة هذه الحقيقة، فإن “ما بعد الأسد” سيبقى مجرد فصل جديد من كتاب لم يُغلق بعد.
No Result
View All Result