قامشلو/ دعاء يوسف ـ شهدت مناطق إقليم شمال وشرق سوريا، انطلاق قوافل شعبية من مقاطعاتعدة تجاه حلب استجابة لنداء النفير العام ودعماً لمقاومة الشيخ مقصود والأشرفية، ورفضاً لاستهداف المدنيين، فأكد المشاركون أن هذه المساندة تأتي في إطار حماية الأهالي ومنع فرض الاستسلام بالقوة، في ظل استمرار التصعيد وصمت المجتمع الدولي.
شهدت مناطق واسعة من إقليم شمال وشرق سوريا خلال اليومين الماضيين تحركات شعبية متصاعدة، تمثّلت بانطلاق قوافل دعم متتالية باتجاه مدينة حلب، استجابة لنداء أطلقه أهالي حيي الشيخ مقصود والأشرفية في ظل الهجمات المستمرة، وجاءت هذه التحركات في سياق دعم المقاومة القائمة في الحيين، ورفض الضغوط المفروضة على السكان، وسط مشاركة واسعة من أهالي عدة مقاطعات، في مشهد يعكس حجم التفاعل الشعبي مع التطورات الميدانية.
الدفاع عن الحيين مسؤولية جماعية
ومن كركي لكي، جاءت “عبير سليمان محمود” 60 عاماً إلى قامشلو للمشاركة في التحرك الشعبي، مؤكدةً، أن دافعها الأساسي يتمثل فيما وصفته بالواجب الإنساني تجاه أهالي الشيخ مقصود والأشرفية.
فعبير التي بدت ملامحها مشبعة بتجارب سنوات طويلة من الصمود: “مشاركتها في هذا التحرك نابعة من قناعة راسخة بأن الدفاع عن الشيخ مقصود والأشرفية دفاع عن الكرامة الإنسانية جمعاء”. وأشارت، إلى أن ما تشهده الأحياء من قصف وحصار يضع الشعوب أمام مسؤولية جماعية للدفاع عن المدنيين.
وربطت عبير، بين ما يحدث في الشيخ مقصود والأشرفية، وبين سلسلة من المجازر التي شهدتها مناطق سورية أخرى: “بات استهداف المدنيين نهجاً متكرراً، والمقاومة، في هذا السياق، لم تعد خياراً سياسياً، بل ضرورة لوقف مسلسل الانتهاكات وحماية السكان من محاولات التفريغ القسري والإبادة الجماعية”. وأضافت: “نحن مشاريع شهادة، كباراً وصغاراً، من أجل الحرية والسلام، فلا يمكننا أن ننام في بيوتنا وأهلنا يُبادون”.
وأكدت: “التضامن الشعبي سيستمر، مستنداً إلى تجارب سابقة، مثل مقاومة كوباني وسد تشرين، فلعب التكاتف المجتمعي دوراً أساسياً في الصمود”. ولفتت “عبير سليمان محمود” في ختام حديثها، إلى أن هذه التجارب عززت قناعة الأهالي بضرورة الاستجابة لأي نداء يهدف لحماية المدنيين.
دعم المقاومة
وفي السياق ذاته، خرجت “بروين جميل“، في العقد الخامس من عمرها، في ساعات الصباح الأولى، لتكون ضمن القافلة المتجهة من مدينة قامشلو نحو مدينة حلب، حيث شاركت في التضامن الشعبي رافعة شارة النصر، مرددةً شعارات داعمة للمقاومة، ومؤكدةً، إن ما يجري في الشيخ مقصود والأشرفية يتجاوز كونه استهدافاً جغرافياً محدوداً.
وترى بروين، أن القصف الذي طال الأحياء السكنية يشكل انتهاكاً مباشراً لحياة المدنيين، معتبرةً استهداف المنازل يعكس طبيعة الهجوم القائم. وأوضحت: “الممارسات تضع السكان أمام واقع يفرض عليهم الدفاع عن أنفسهم في ظل غياب ضمانات للحماية”.
وأشارت، إلى أن صمت المجتمع الدولي تجاه ما يحدث، يساهم في استمرار الانتهاكات، ويشجع على تصعيدها: “تأتي المقاومة في الشيخ مقصود والأشرفية، في إطار حماية المدنيين ومنع تهجيرهم القسري، وهذه المشاركة الشعبية الواسعة تعكس رفضاً عاماً لمحاولات فرض واقع جديد بالقوة”.
نمط ممنهج من العنف ضد المدنيين
وفي إطار الإدانات الشعبية المتصاعدة، تحدث المواطن “معصوم حسن” من مدينة قامشلو، عن الجرائم المرتكبة بحق المدنيين في الشيخ مقصود والأشرفية ودير حافر: “إن ما يجري لم يعد حوادث معزولة، بل يعكس نمطاً ممنهجاً من العنف”.
وأوضح، أن استهداف الأطفال والنساء داخل الأحياء السكنية يكشف غياب القوانين الإنسانية أو الأعراف الدولية: “استشهاد الأطفال يختصر حجم المأساة الإنسانية التي تعيشها المنطقة”.
مؤكداً، المدنيون باتوا الضحية الأولى في صراع تُستخدم فيه القوة المفرطة دون تمييز: “يخلق استمرار هذه الجرائم حالة من الخوف وعدم الاستقرار بين الأهالي، ويعمّق معاناتهم اليومية، وبدورنا لن نتخلى عن أرضنا ومكسبات ثورتنا”.
كما دعا، إلى تحرك دولي جاد يضع حداً لاستهداف المدنيين، فحمايتهم أولوية إنسانية غير قابلة للتسييس أو المساومة، محذراً من أن استمرار الصمت الدولي يساهم في تكرار الانتهاكات.
واختتم المواطن “معصوم حسن” حديثه: “أطفالنا كانوا شهداء هذا الوطن، وما زال أولادنا في الحيين يقاومون ويرفضون الاستسلام ونحن سنذهب لدعمهم بكل ما أوتينا من قوة”.
الاستهداف لا يقتل المقاومة
ومن بلدة عرعور، جاءت المواطنة “وجدار الحسو” متجهة نحو حلب فحدثتنا عن الأثر المباشر للهجمات الاحتلالية على حياة المدنيين: “تحولت الحياة اليومية إلى صراع مستمر من أجل البقاء، فتعرض الأبرياء والعزل والأطفال لاستهداف مباشر”.
وأكدت “وجدار الحسو”، أهالي المنطقة يرفضون هذه الانتهاكات، ويطالبون بتوفير الحماية للمدنيين ووقف الأعمال، التي تهدد حياتهم، وإيصال صوت السكان إلى الجهات المعنية بات ضرورة ملحة، “وإن صمتت الدول؛ أهالي إقليم شمال وشرق سوريا لن يتوانوا لتلبية النداء الوطني والإنساني، فالقصف والقتل لا يميز شعباً عن الآخر، ونحن نتضامن مع الشعوب، واستمرار الانتهاكات والتهديدات لن يقتل المقاومة التي في داخلنا”.
المقاومة ضرورة لمنع الإبادة الكردية
كما أكدت “شيرين خليل“، بدورها: “أهالي عفرين، بحكم ما عاشوه سابقاً من حصار وانتهاكات، يدركون جيداً خطورة ما تتعرض له اليوم مناطق الشيخ مقصود والأشرفية”. وأشارت، إلى أن هذا الوعي يدفعهم للوقوف إلى جانب المقاومة، باعتبارها وسيلة لحماية المدنيين ومنع تفريغ المناطق من سكانها والإبادة العرقية لشعوبها الأصليين.
ولفتت، أن الأهالي هناك محاصرون ويتعرضون للقصف والضغط المستمر، ومع ذلك يصرّون على الصمود وعدم التخلي عن حقهم في الحياة والكرامة: “المقاومة في مثل هذه الظروف ليست خياراً، بل ضرورة فرضها الواقع الميداني، ونحن كما صمدنا اليوم رغم التهجير والعنف والانتهاكات سنبقى صامدين”.
استجابة الشعوب النفير العام
هذا وانطلقت القافلة الأولى من مقاطعة الفرات الجمعة 9/1/2026، حيث وصلت إلى مقاطعة الطبقة، ضمن سلسلة المساندة الشعبية الداعمة للمقاومة في الشيخ مقصود والأشرفية، كما انطلقت مجموعات أخرى من مدن مقاطعتي الجزيرة والرقة، للالتحاق بالحشود المتجهة نحو مدينة حلب.
والسبت العاشر من شهر كانون الثاني الجاري؛ توجّه المئات من أهالي مدن ديرك وكركي لكي، وتل كوجر، وتل حميس، وجل آغا وتربه سبيه، وقامشلو وعامودا في مقاطعة الجزيرة، باتجاه حلب، في تضامن شعبي واسع يعكس حجم الاستجابة لنداء النفير العام. والتقى المواطنون المنطلقون من هذه المدن بالحشود المتجمعة عند دوار الشهيد “يوسف كلو” في مدينة قامشلو، فانضموا إلى موكب ضم نحو 100 حافلة، قبل أن ينطلق الموكب باتجاه مدينة الحسكة، وسط رفع شعارات داعمة للمقاومة. كما غادرت حشود أخرى مدن تل حميس وتل كوجر، وعامودا في ساعات الصباح الباكر، متجهة نحو الحسكة، في إطار تنسيق شعبي متواصل يهدف إلى توسيع نطاق المشاركة في القوافل الداعمة.
وجاء هذا التضامن الشعبي، عقب البيان الصادر عن المجلس العام لحيي الشيخ مقصود والأشرفية في التاسع من كانون الثاني الجاري، والذي أكد فيه رفضه القاطع للضغوط المفروضة على الأهالي، ومحاولات فرض التسليم أو الاستسلام، مشدداً، على عدم ثقته بتسليم أمن الحيين لأي جهة، ومؤكداً تمسّك السكان بالبقاء في أحيائهم والدفاع عنها.
وتأتي هذه المساندات في سياق نضالي متكرر، حيث سبق أن شهدت مناطق إقليم شمال وشرق سوريا حشوداً شعبية واسعة خلال مقاومة العصر في عفرين عام 2018، ومقاومة كوباني، ومقاومة سد تشرين في كانون الثاني 2025، في تأكيد على استمرار ثقافة الدعم الشعبي للمقاومة بوصفها وسيلة لحماية المدنيين في ظل غياب الحلول الضامنة لأمنهم.