No Result
View All Result
أكرم بركات (صحفي)
عاد مصطلح “الاندماج” إلى واجهة الخطاب السياسي السوري، مع تصاعد الحديث عن تفاهمات محتملة بين الإدارة الذاتية في إقليم شمال وشرق سوريا والحكومة الانتقالية في دمشق. غير أن هذا المصطلح، الذي يبدو للوهلة الأولى جامعًا ووطنيًا، يُخفي خلفه تباينات عميقة في الرؤية والفلسفة السياسية، بل ويعكس صراعًا بنيويًا بين مشروعين متناقضين: مشروع ديمقراطي تعددي، وآخر أحادي إقصائي، هذا التناقض لا يجعل الاندماج مسألة تقنية أو إدارية فحسب، بل قضية مصيرية تتعلق بشكل الدولة، وطبيعة المجتمع، ومستقبل العيش المشترك في سوريا.
من منظور الإدارة الذاتية، لا يُفهم الاندماج بوصفه عملية ذوبان أو إلغاء للخصوصيات السياسية والاجتماعية، بل باعتباره توافقًا عضويًا بين المجتمع الديمقراطي والدولة، فالمجتمع، وفق هذا التصور، لا يُستوعَب قسرًا داخل بنية الدولة القومية المركزية، وإنما يندمج في جمهورية ديمقراطية بصفته مجتمعًا حرًا ومنظمًا، يحتفظ بتعدديته الثقافية والقومية والدينية، ويشارك في إدارة شؤونه عبر آليات ديمقراطية تشاركية. الاندماج هنا هو شراكة، وليس تبعية؛ هو اعتراف متبادل، لا إملاء من طرف واحد.
هذا الفهم يستند إلى تجربة عملية راكمتها الإدارة الذاتية خلال سنوات، حيث أُعيد تعريف العلاقة بين السلطة والمجتمع على أسس جديدة، تقوم على اللامركزية، وتمكين الشعوب، واحترام الخصوصيات المحلية، في محاولة لمعالجة جذور الأزمة السوريّة التي انفجرت أصلًا نتيجة احتكار السلطة وإنكار التنوع. وبالتالي، فإن الاندماج الذي تطرحه الإدارة الذاتية ليس خروجًا عن الدولة، بل إعادة صياغة لها، بحيث تصبح إطارًا جامعًا لمجتمع متعدد، لا أداة قسرية لإخضاعه.
في المقابل، تطرح السلطة المؤقتة في دمشق مفهومًا مغايرًا تمامًا للاندماج، يقوم في جوهره على الانحلال داخل النظام القائم. فالاندماج، وفق خطابها وممارساتها، يعني عودة جميع البنى السياسية والإدارية والعسكرية إلى مركز السلطة وهذه المرة سلطة ذات توجه آحادي ديني متطرف، دون أي اعتراف حقيقي بالتحولات التي فرضها الواقع السوري، أو بالخصوصيات التي نشأت بفعل سنوات الصراع. إنه اندماج مشروط بالتخلي الكامل عن أي نموذج مغاير، وعن أي تجربة لا تنسجم مع منطق الدولة القومية الأحادية الخشنة فجة.
هذا التصور ليس جديدًا، إنما هو امتداد لعقلية سلطوية راسخة، ترى في التعدد خطرًا، وفي اللامركزية تهديدًا، وفي المجتمع فاعلًا يجب إخضاعه لا شريكًا يجب التفاهم معه، وهو ما يجعل الاندماج، بهذا المعنى، أداة لإعادة إنتاج الإقصاء، لا وسيلة لتجاوز الانقسام. فبدل أن يكون جسرًا لردم الهوة بين السوريين، يتحول إلى آلية تعميق للشرخ، عبر فرض نموذج واحد للهوية والسياسة والحكم.
الخطورة في هذا التباين لا تكمن فقط في فشل مسار الاندماج المحتمل، بل في النتائج المجتمعية الكارثية التي قد تترتب عليه إذا فُرض منطق الانحلال القسري. فسوريا، التي تعاني أصلًا من تصدعات طائفية وقومية ومناطقية، لا تحتمل إعادة إنتاج سياسات الإنكار والإقصاء. وأي محاولة لدمج المجتمعات المحلية ضمن نظام أحادي راديكالي، دون ضمانات سياسية ودستورية، لن تؤدي إلا إلى مزيد من الاحتقان، وربما إلى جولات جديدة من العنف وعدم الاستقرار.
إن الحفاظ على النسيج السوري يتطلب مقاربة معاكسة تمامًا: مقاربة تعترف بأن المجتمع هو أساس الدولة، لا العكس؛ وأن الاندماج الحقيقي لا يكون بإلغاء الاختلاف، بل بتنظيمه ضمن عقد اجتماعي جديد. ومن دون ذلك، سيبقى مصطلح “الاندماج” مجرد شعار فضفاض، يُستخدم لتجميل سياسات قديمة، فيما تستمر الأزمة السورية في إعادة إنتاج نفسها بأشكال مختلفة.
خلاصة القول، إن جوهر الخلاف بين الإدارة الذاتية وسلطة دمشق ليس إداريًا أو أمنيًا، بل فلسفي – سياسي بامتياز. إنه خلاف حول معنى الدولة، ودور المجتمع، وحدود السلطة. وأي حديث جدي عن اندماج لا ينطلق من معالجة هذا الخلاف الجذري، سيكون محكومًا بالفشل، وقد يتحول من فرصة للحل إلى عامل جديد من عوامل تفكيك المجتمع السوري وتهديد وحدته.
No Result
View All Result