No Result
View All Result
روشن مسلم
لا يمكن قراءة الأحداث الجارية في حيي الشيخ مقصود والأشرفية بمعزلٍ عن السياق التاريخي والسياسي الذي تشكلت ضمنه. فما يبدو ظاهرياً كحوادث أمنية متفرقة، هو في جوهره نتاج تراكم طويل من السياسات القمعية التي استهدفت الإنسان والمكان معاً. فالقتل والحصار والتهجير الذي تشهده هذه الأحياء الكردية اليوم يُمثل امتداداً لنمط ممنهج في إدارة الصراع، حيث تُوظَّف الجغرافية كأداة لإعادة هندسة المجتمع وإعادة ضبطه قسرياً. يشكّل الوجود الكردي في سوريا مثالاً واضحاً على العلاقة الإشكالية بين الدولة المركزية والهويات غير المهيمنة. فمنذ تأسيس الدولة السورية الحديثة، خضعت مناطق شمال وشرق سوريا لسياسات هدفت إلى ضبط الهوية أكثر من إدماجها، عبر الإنكار القانوني، والتهميش الاقتصادي، والإقصاء السياسي. وقد أفرز هذا السياق البنيوي وضعاً جعل المجتمع الكردي عرضة لاستراتيجيات الدولة في لحظات الصراع، حيث يتحول “الاختلاف” إلى مبرر لإعادة الضبط القسري، لا سيما عند بروز نماذج تنظيم محلي أو إدارة ذاتية خارج سيطرة المركز.
ورغم هذه السياسات، ظل الكرد جزءاً أصيلاً من النسيج الاجتماعي السوري، وتمكنوا، في فترات تراجع سلطة الدولة المركزية، من تطوير أشكال من التنظيم المجتمعي والاستقرار النسبي. إلا أن هذه التجارب تحولت لاحقاً إلى أهداف مباشرة لقوى تسعى إلى تقويض أي نموذج إداري أو سياسي بديل، عبر العنف أو التفكيك القسري.
إن عمليات القتل والتهجير التي يتعرض لها الكرد في أحياء حلب لا يمكن فهمها بوصفها حالة استثنائية، بل باعتبارها جزءاً من سياسة أوسع طالت مختلف الشعوب السوريّة، بما في ذلك الدروز والعلويين، وتشير هذه الوقائع إلى نمط متكرر من العنف المنظم، يهدف إلى تفريغ المناطق من سكانها الأصليين، وتفكيك الروابط الاجتماعية، وفرض واقع ديمغرافي جديد يخدم مصالح داخل النظام.
يتحمل النظام السوري مسؤولية مركزية في ترسيخ سياسات التغيير الديمغرافي بالقوة، من خلال اعتماد أدوات متعددة شملت القتل، والاعتقال التعسفي، والحصار طويل الأمد، وصولاً إلى التهجير القسري. ولم تكن هذه السياسات وليدة ظرف طارئ، بل جاءت ضمن رؤية أمنية تعتبر المجتمع ذاته عنصراً قابلاً لإعادة التشكيل، بما يضمن إعادة إنتاج السلطة على أسس سكانية موالية أو خاضعة.
في هذا السياق، أصدرت قوات سوريا الديمقراطية عدة بيانات أكدت فيها التزامها بحماية المدنيين ورفضها لممارسات القتل والتهجير، ودعت إلى تبني الحلول السياسية والحوار. تجسد هذه السياسات جدية قسد في حماية السكان المدنيين وحرصها على تعزيز الأمن والاستقرار، وهو ما يجعلها شريكاً موثوقاً للمجتمع المحلي في مواجهة تحديات الصراع.
إن استمرار سياسات العنف والتغيير الديمغرافي في سوريا ينذر بتكريس انقسامات بنيوية طويلة الأمد، تهدد وحدة البلاد ومستقبلها السياسي والاجتماعي. فالصراع القائم لم يعد يقتصر على التنافس على السلطة، بل بات صراعاً على تعريف الدولة ذاتها: هل هي كيان جامع قائم على المواطنة، أم جهاز قسري لإدارة المجتمع عبر العنف؟
إن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في فقدان السيطرة على الأرض، بل في تآكل فكرة الوطن والانتماء الوطني. وعليه، فإن مستقبل سوريا يبقى مرهوناً بالانتقال من منطق العنف والهندسة القسرية، إلى منطق الاعتراف بالتعدد، والمشاركة السياسية، وإعادة بناء الدولة على أسس مدنية تضمن الكرامة والأمن لجميع السوريين.
No Result
View All Result