No Result
View All Result
دجوار أحمد آغا
منذ أكثر من عقد، شكّلت أحياء الشيخ مقصود، والأشرفية، وبني زيد، في مدينة حلب، واحدة من أكثر المناطق استهدافاً وتعقيداً في المشهد السوري، وتعدُّ نموذجاً حياً لمقاومة ونضال وصمود المدنيين، أمام دوامة الحصار الخانق والاعتداءات والهجمات، التي لم تتوقف، منذ عهد نظام البعث البائد، مروراً بمرحلة المجموعات المرتزقة المسلحة، وصولاً إلى الهجمات الراهنة، بقيت هذه الأحياء محاصرة بين الجغرافيا، والسياسة، والسلاح، فيما ظلّ سكانها من المدنيين العزل، يدفعون ثمن الصراع مع قوى لا تقبل بإرادتهم الحرة.
هذه الأحياء تعكس حقيقة المشهد السوري المعقد، منذ حصار “الفرقة الرابعة” سيئة الصيت أيام النظام البائد، وصولاً الى مرحلة مرتزقة العمشات والحمزات المنفلتة، والغير منضبطة، ضمن صفوف القوات التابعة للحكومة المؤقتة، تحولت هذه الأحياء حواضن للمقاومة والنضال، وأثبتت أن الإرادة الحرة، والتمسك بالعيش المشترك، وأخوة الشعوب، لا يمكن قهرها، الأمر الذي لم يرق لأصحاب الأجندات الإقليمية التي تُريد ابتلاع حلب بالكامل.
حصار ممنهج وهجمات متتالية
منذ بداية الأزمة السورية في العام 2011، والانتفاضة، ضد نظام بشار الأسد البائد، كانت أحياء الشيخ مقصود والأشرفية، ذات الغالبية الكردية، مع وجود شعوب ومكونات أخرى، من بين المناطق التي تعرضت لضغوط عسكرية، وسياسية، متواصلة، فقد شهدت هذه الأحياء حصارًا متقطعاً من قوات النظام السوري خلال السنوات الماضية، بالفرقة الرابعة من الحرس الجمهوري تحديداً؛ فمنعت وصول المواد الأساسية مثل الخبز، والوقود، والأدوية ومستلزمات الأطفال، والمواد الغذائية، ما أدى إلى أزمات إنسانية حادة للسكان، الآن تتكرر الوقائع التاريخية، سياسات حصار غير معلنة، تمثلت في قطع الطرق، ومنع دخول المواد الغذائية والطبية، واستهداف البنية التحتية، بالقصف المدفعي، والطائرات المسيرة، في محاولة لكسر إرادة السكان ودفعهم للخضوع، أما حي بني زيد، فقد كان من أوائل الأحياء التي تحولت إلى ساحة عسكرية مفتوحة، فشهد دماراً واسعاً في المعارك، ما أدى الى إلى تهجير جزء كبير من سكانه، وتحوّله خط تماس.
هجمات المرتزقة الموالية لتركيا
لم تقتصر التحديات على النظام البعثي السابق، فقد تعرّضت هذه الأحياء لهجمات واسعة من المجموعات المرتزقة المسلحة، والمدعومة من تركيا، وخاصة في فترات الهجمات العسكرية على مناطق شمال وشرق سوريا، ففي عام 2016، شنّت عشرات المجموعات المرتزقة المسلحة، هجوماً واسع النطاق على أحياء الشيخ مقصود، وبني زيد، والأشرفية، مستخدمة صنوف الأسلحة الحديثة الثقيلة، من دبابات ومدافع وهاون، وصولاً الى راجمات الصواريخ بقصف عشوائي؛ ما أدى إلى استشهاد المئات من المدنيين وترويع السكان.
وكان من أبرز تلك المجموعات المرتزقة، أحرار الشام، وجبهة النصرة، والعديد من المجموعات المرتزقة، التي كانت تنتمي لما سمي “الجيش الوطني” المدعوم من تركيا، واتّسمت تلك المعارك بشراسة غير مسبوقة، وترافق معها استخدام أسلحة محظورة ومحرمة دولياً، (غازات كيماوية) خلفت أوضاعاً إنسانية صعبة للغاية، الأمر الذي أدى إلى تهجير الآلاف من السكان، والعيش في مخيمات التهجير تحت تهديد دائم.
اتفاق العاشر من آذار
على الرغم من تراجع الهجمات العسكرية الكبرى، لم تنتهِ معاناة السكان في تلك الأحياء، فخلال السنوات الأخيرة، فُرضت أشكال جديدة ومتنوعة من الحصار، إغلاق المعابر، وتعطيل الخدمات، والتضييق على الحركة، وخلق أزمات معيشية متكررة، في ظل صمت دولي، وعدم قيام الحكومة المؤقتة في دمشق، بمسؤولياتها تجاه أهالي الأحياء المذكورة، ويرى سكان الأحياء الثلاثة، أن هذه السياسات ليست سوى امتداد للحصار القديم الذي مارسته حكومة البعث السابقة، ولكن، بأساليب جديدة، هدفها إنهاك المجتمع المحلي، ودفعه للتنازل عن حقه في إدارة شؤونه بحرية، وإجباره على الهجرة، وهو أمر مرفوض قطعاً من جانب أهالي تلك الأحياء، التي أصبحت نموذجاً حياً للمقاومة ولحرب الشعب الثورية.
في هذا السياق والتحديات الكبيرة الموجودة، شكّل اتفاق العاشر من آذار، بين القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي، ورئيس المرحلة المؤقتة أحمد الشرع، نقطة تحول سياسية هامة للغاية، فنص الاتفاق على ثمانية بنود، هي مبادئ عامة، تسير وفقها خارطة طريق الحل في سوريا عامةً، وأبرز هذه البنود: “وقف التصعيد العسكري بين الأطراف، ودمج المؤسسات العسكرية والمدنية، في إطار الدولة، وضمان الحقوق السياسية والثقافية للشعوب والمكونات في سوريا، وعودة المهجرين قسراً إلى مدنهم بشكل أمن، وفتح الطريق أمام حلول محلية مستدامة”؛ هذا الاتفاق محاولة جادة لإنهاء الحرب والصراع المزمن بين المركز والأطراف، ووضع أساس لحلول تدريجية، خاصة في المناطق الحساسة مثل حلب.
اتفاق الأول من نيسان
استناداً إلى اتفاق العاشر من آذار، وكخطوة عملية لتنفيذ بنوده، تم في الأول من نيسان 2025، توقيع اتفاق خاص بين مجلس أحياء الشيخ مقصود، والأشرفية، ومحافظ حلب، وتضمن الاتفاق جملة من البنود، أهمها:
“إنهاء المظاهر المسلحة داخل الأحياء المدنية، وتنظيم الملف الأمني، بما يضمن حماية السكان دون عسكرة الحياة اليومية، وإعادة فتح الطرق المغلقة، وفك الحصار عن الحيين بشكل كامل، وضمان استمرار المؤسسات الخدمية والتعليمية دون استخدامها للضغط سياسياً، واحترام الخصوصية الاجتماعية والثقافية للحيين”.
الاتفاق كان محل ترحيب، من أهالي الحيين وعموم حلب، والسوريين، الذي هو فرصة لالتقاط الأنفاس، لكنه في الوقت ذاته اختبار حقيقي لصدق النوايا، ولكن لم تلتزم الحكومة المؤقتة بتنفيذ الاتفاقية.
حصار وهجمات ومخاوف الأهالي
فرضت المجموعات المسلحة التابعة للحكومة المؤقتة، حصارا مشدداً على أحياء الشيخ مقصود والأشرفية، مغلقة سبعة طرق رئيسية، دون تفسير واضح، ما أثار احتجاجات شعبية عارمة، ومطالبات لرفع الحصار، وقامت الحكومة المؤقتة، بقطع الكهرباء والإنترنت بصورة متعمدة، وتم إنشاء حواجز ترابية بهدف عرقلة السير وحركة السكان، ومنع دخول المواد الأساسية، وقامت بعمليات اعتقال تعسفي، وأطلقت النار على حواجز قوى الأمن الداخلي في الحيين.
وعلى الرغم من بيانات الاستنكار، ونداءات وقف التصعيد والهجمات من الداخل، والخارج، إلا أن المجموعات المسلحة الغير منضبطة، وهي التسمية التي كانت تطلقها الحكومة المؤقتة على فرق عسكرية تابعة لها، من مرتزقة ما يُسمى الجيش الوطني التابع لتركيا، وقادتها (أبو عمشة، وأبو شقرا، وفهيم عيسى، وغيرهم) الذين قاموا بالهجوم على هذه الأحياء، لكنهم واجهوا مقاومة شرسة من قوى الأمن الداخلي (الأسايش) وأهالي الحيين، الأمر الذي دفعهم للتراجع ووقف الهجمات مؤقتاً، لكن دون فك الحصار.
تتلقى أحياء الشيخ مقصود والأشرفية، دعماً محلياً من الإدارة الذاتية الديمقراطية لإقليم شمال وشرق سوريا، وقوات سوريا الديمقراطية، وفي المقابل هناك ازدواجية التعامل للحكومة المؤقتة، والمجموعات المرتزقة المدعومة من تركيا، مع أهالي الحيين، إلى جانب ذلك هناك انقسامات بين المرتزقة أنفسهم، وبين مسلحي الحكومة المؤقتة، وتلك المشاكل أدت لاستمرار الهجمات.
ورغم وجود دعوات كثيرة لتطبيق وقف إطلاق النار، والتوصل إلى حلول سياسية تحفظ حقوق الأهالي، لكن الهجمات والحصار زادا على الحيين، فبدلاً من ضمان حرية التنقل بين الشيخ مقصود والأشرفية، وبقية أحياء حلب، واحترام حقهم في الإرادة الحرة، بعيداً عن الإملاءات الخارجية الإقليمية والدولية، قامت المجموعات المرتزقة، بتشديد الحصار والقيام بهجمات واسعة استهدفت المدنيين العزل، وازدادت مخاوف الأهالي في ظل غياب أفق واضح للحل المستدام.
قضية أحياء الشيخ مقصود، الأشرفية، وبني زيد، حكاية إرادة حرة ترفض الخنوع والاستسلام، صمدت أمام الحصار والقصف والتجويع، ورفضت أن تكون ورقة في صراع الآخرين، من النظام البائد، إلى المجموعات المدعومة تركياً، وصولاً إلى تعقيدات المرحلة الراهنة، يبقى مطلب السكان واحداً، العيش بكرامة، دون حصار، وتجويع، ووصاية خارجية، وبإرادة حرة حقيقية.
على الرغم من سنوات الحرب الطويلة، بقيت هذه الأحياء رمزاً للمقاومة والصمود، في مواجهة الحصار الممنهج والهجمات المستمرة، وبقي سكانها شامخين يدافعون عن بيوتهم، من أجل استمرار الحياة، وحقهم في حرية اختيار مستقبلهم، بعيداً عن الهيمنة الخارجية، وسياسات الحصار، والعنف العرقي، أو الطائفي والمذهبي.
No Result
View All Result