No Result
View All Result
أكرم بركات (صحفي)
لم تكن الهجمات على أحياء الشيخ مقصود والأشرفية وبني زيد في مدينة حلب في 6 كانون الثاني الجاري مجرد خرق أمني أو تجاوز ميداني عابر، بل شكّلت نموذجًا فاضحًا لطبيعة السلوك السياسي والعسكري الذي تنتهجه الحكومة المؤقتة في سوريا، وسقوطها الأخلاقي والسياسي في أول اختبار جدي لها كشريكٍ يُفترض به احترام الاتفاقات والالتزامات، فما جرى بعد اتفاق الأول من نيسان لا يمكن وصفه إلا بالغدر المنظم والخيانة العلنية.
بموجب الاتفاق المبرم في الأول من نيسان، انسحبت قوات سوريا الديمقراطية من حيي الشيخ مقصود والأشرفية، في خطوةٍ عكست حرصًا واضحًا على تجنيب المدنيين ويلات الحرب، وفتح المجال أمام تهدئة حقيقية، قائمة على التفاهم لا على منطق القوة. هذا الانسحاب لم يكن هزيمة عسكرية، بل قرارًا سياسيًا مسؤولًا، استند إلى تعهداتٍ صريحة من الطرف الآخر، ممثلًا بالحكومة المؤقتة، بضمان أمن الأحياء وسلامة سكانها، ومنع أي اعتداء أو انتقام.
غير أن ما حدث لاحقًا كشف أن الاتفاق لم يكن سوى غطاءً مرحلي، استخدمته الحكومة المؤقتة كأداة خديعة، بانتظار إخلاء المنطقة من قواتها الأساسية. فما إن تم الانسحاب، حتى شنت مجموعات مسلحة تابعة لما يُعرف بـ”وزارة الدفاع” في الحكومة المؤقتة هجمات عدوانية على الحيين، في خرقٍ واضح وصريح للاتفاق، وضرب سافر لكل الأعراف السياسية والعسكرية.
هذه المجموعات، التي يُفترض أنها تعمل ضمن هيكل “وطني”، لا تخضع في واقع الأمر إلا لأوامر الدولة التركية، وتتحرك وفق أجندتها الأمنية والتوسعية. فـ”وزارة الدفاع” في الحكومة المؤقتة ليست سوى مظلة شكلية لمرتزقة متعددي الولاءات، أثبتت الوقائع أنهم لا يملكون قرارهم، ولا يحترمون أي التزام لا ينسجم مع التعليمات القادمة من أنقرة.
إن هذا السلوك يُقدّم دليلًا دامغًا على أن الحكومة المؤقتة ليست طرفًا مستقلًا يمكن الوثوق به، بل أداة وظيفية بيد تركيا، تُستخدم لتنفيذ سياسات عدوانية تحت مسمى “الشرعية” و”المعارضة”. فلو كانت هذه الحكومة تمتلك ذرة سيادة أو قرار، لما سمحت بخرقٍ اتفاق وقّعته بنفسها، ولما غضّت الطرف عن اعتداءات موثقة استهدفت أحياء سكنية آهلة بالمدنيين.
الأخطر من ذلك، أن ما جرى في الشيخ مقصود والأشرفية لم يكن حادثًا معزولًا، بل يأتي في سياق نمط متكرر من السلوك، حيث تُستخدم الاتفاقات كتكتيكٍ مؤقت، لا كالتزامٍ سياسي. وهو ما يعكس عقلية غدر لا تؤمن بالشراكة، ولا تعترف بالآخر، ولا ترى في الحوار سوى وسيلة لكسب الوقت ثم الانقضاض.
لقد وجّهت الحكومة المؤقتة، من خلال هذا التصرف، رسالةً واضحة لكل السوريين: إنها غير مؤهلة لأن تكون شريكًا في أي مشروع وطني جامع، وأنها مستعدة للتضحية بالمدنيين والاستقرار المجتمعي مقابل إرضاء الداعم التركي وتنفيذ أجندته. كما أنها أحرقت ما تبقى من رصيدها السياسي، إن كان لها رصيد أصلًا، وأكدت إن خطابها عن “الدولة” و”القانون” لا يتجاوز كونه شعارات للاستهلاك الإعلامي.
في المقابل، أثبتت قوات سوريا الديمقراطية، رغم الاستهداف والغدر، أنها تعاملت مع الاتفاق من منطلق المسؤولية، لا الخداع، وأن انسحابها كان قرارًا أخلاقيًا قبل أن يكون سياسيًا، لكن هذا لا يُعفي الطرف الآخر من المساءلة، ولا يمكن القفز فوق حقيقة أن ما جرى هو خيانة موثقة لاتفاقٍ رسمي.
ختامًا، فإن أحداث الشيخ مقصود والأشرفية ستبقى شاهدًا على حقيقة الحكومة المؤقتة: سلطة بلا قرار، واتفاقات بلا قيمة، وخطاب “وطني” يُخفي وراءه ارتهانًا كاملاً للخارج. ومن لا يحترم عهده، لا يمكن أن يُؤتمن على مستقبل سوريا.
No Result
View All Result