No Result
View All Result
عبد الرحمن ربوع
لا امتياز لـ 2026 عن 2025 إلا أن يكون تقويم التاريخ فرصة لتقويم السياسة. السياسة التي قادت سوريا خلال 2025، وأصابت كثيرًا من السوريين بخيبات أمل وصلت بهم حدود اليأس والغضب، وأن تكون هذه السنة فرصة لإعادة صياغة الاستراتيجيات وفق الواقع والمتغيرات، ووفق تصويب الأخطاء والتكفير عن الخطايا.
في 2026 لا أحد يريد رؤية المزيد من الاقتتال أو الدماء، وهي سنة يُتوقع أو يُفترض أن تكون سنة الإدماج السياسي عبر المصالحة الوطنية. والاستقرار الاقتصادي عبر ضبط الفساد الذي عاد للتفشي في حاشية السلطة، والشروع بإعادة الإعمار، وتوفير بنية تحتية لعودة الملايين بين لاجئ ونازح.
إجراءات سياسية وأمنية
ما أشبه اليوم بالبارحة… منذ خمسة عشر سنة وأنا أكرر هذه الفقرة في العديد من مقالاتي ومنشوراتي: “توسيع نطاق السلطة” أو “توسيع الائتلاف الحاكم” ليشمل فئات أوسع من الكفاءات المتاحة في مختلف القطاعات والوزارات، وتشجيع سوريي الشتات على العودة، فمن شأن ذلك أن يُسهم في بناء الثقة بين مختلف الشعوب والأطياف، ويسرّع الخطى على طريق التعافي.
كذلك تسيير وتيسير الحوار الوطني، والمشاركة في الحوارات المحلية وتكثيف جهود المصالحة لإعادة بناء النسيج الاجتماعي، ومعالجة الاحتياجات والتوترات الخاصة بكل مجتمع، ثم إعطاء الأولوية للعدالة الانتقالية، وتطبيق آليات وأدوات شفافة وخاضعة للمساءلة، تشمل تدابير قضائية وتدابير عُرفية، لمعالجة انتهاكات حقوق الإنسان وجرائم الحرب السابقة واللاحقة، فبدون ذلك لن يكون هناك تعافي وطني أو سلام مجتمعي.
أيضًا العمل على دمج مختلف وكل الفصائل في المؤسستين العسكرية والأمنية، وبناء منظومة عسكرية وأمنية موحدة على أسس علمية ووطنية لمنع تجدد الصراعات والمناوشات والاستفزازات، وتوطيد سيطرة الدولة على كل أراضيها.
إجراءات اقتصادية
استقرار الاقتصاد لبنة أساسية في استقرار الدولة وسكون المجتمع، لكن هل إصدار عملة وطنية جديدة في مطلع 2026 يحقق استقرار الاقتصاد ويبسّط المعاملات؟ ربما، لكن ذلك بحاجة إلى إجراءات أخرى موازية وداعمة تتركز في مكافحة الفساد الذي بدأ يستشري في القطاعات الاقتصادية، ودعم الصناعة المحلية وحمايتها، وقبلها دعم الزراعة وحمايتها أيضًا، باعتبارهما مصدرا دخل أساسي للبلد، وسينعكس كذلك على برامج الحكومة ومؤسسات الدولة بأضعاف مضاعفة عما تشغل بالها فيه من موارد الثروات الباطنية وعوائد المنافذ البرية والبحرية، فالأساس في الاقتصاد هو الثروة البشرية لا الطبيعية، والقيمة المضافة المستمرة هي الجهد الإنساني لا الموارد المعرضة للنضوب.
كما ينبغي على المصرف المركزي والوزارات المعنية الالتزام باستراتيجية واضحة تتسم بالانضباط المالي، والتوجيه بدعم الاستثمار المحلي بكافة مستوياته وقطاعاته، والعمل على إقناع السوريين بالعودة كمستثمرين ومطورين بالتوازي، وربما أولى، من إقناع الآخرين. فما لدى السوريين من قدرات وإمكانات مالية أو يمكن تقييمها بالمال يكفي لإعادة إعمار بلدهم وزيادة.
التركيز على إعادة الإعمار
أولوية إعادة إعمار البنية التحتية الأساسية، بما في ذلك شبكات المياه، وأنظمة الكهرباء، وطرق النقل، ومرافق الرعاية الصحية، هي أولوية كل الأولويات. تتعاون فيها كل المؤسسات بما فيها مؤسسات المجتمع المدني والمحلي. كما تعتبر قطاعات الطاقة والزراعة والنقل من المجالات الواعدة للتعافي الفوري وجذب الاستثمارات الوطنية والأجنبية إليها.
وبالتوازي مع إعادة إعمار المباني والمنشآت يجب إعادة بناء الإنسان الذي شوهته الحرب، وتركت في وجدانه نُدبًا، وخلّفت في شخصيته إعاقات، وهذا يحتاج برنامجًا وطنيًا موازيًا لبرنامج نزع الألغام والتخلص من مُخلّفات الحرب التي تملأ الجغرافيا السوريّة. ويجب التركيز عليه من قبل مؤسسات عامة وخاصة تعمل بالتوازي والتكامل على العلاج والتأهيل لقطاعات واسعة أهمها شباب الجامعات وموظفي الدوائر والمؤسسات الحكومية ومنتسبي الأجهزة الأمنية والعسكرية.
إقليميًا ودوليًا
لم تنجح الحكومة المؤقتة في ملف العلاقات الإقليمية والدولية، وإذا استثنينا إزالة العقوبات الأمريكية والأوروبية التي تمت بدعمٍ سعودي، وتحقيقًا لحاجة الدول الأخرى لا لتحقيق حاجة الدولة السورية؛ فإن الحكومة المؤقتة لم تحقق شيئًا، اللهم إلا فتح أبواب سوريا على مصاريعها أمام تركيا لتتحول إلى شريكٍ استراتيجي وداعم لها على غرار ما كانت عليه إيران في حقبة النظام البائد.
ومرةً أخرى نكرر أن ذلك لا يصب في صالح السوريين بقدر ما يحقق مصالح الأتراك بجعل سوريا حائط صد وبرج حراسة لحدودها الجنوبية، وسوقًا وممرًا لمنتجاتها وبضائعها، أما الأردن فرغم الانفتاح والتعاون الذي تبديه في تعاملها مع سوريا إلا أنه ينطلق من حماية حدودها وفق مبدأ “الاحتواء”. في حين مازالت علاقات سوريا ببقية دول الجوار (العراق ولبنان) غير ودية وغير موثوقة، وبحاجة لمزيد من العمل والتصويب.
أما دول الخليج فهي على ما كانت عليه منذ ستة أو سبعة عقود، تستثمر في علاقاتها مع دمشق أيًا كان حاكمها. من منطلق ما يربطها بسوريا من علاقات إنسانية واقتصادية وأمنية. في علاقة غير متوازنة، ولكنها دائمًا لصالح سوريا ماديًا ومعنويًا. أي أن الحكومة المؤقتة لم تحقق في هذا الملف أي نجاح، لأنه ملف ناجح سلفًا. ويكفي فيه أن تبادل دمشق الخليج الود بالود، والانفتاح بالانفتاح، والإخلاص بالإخلاص، وعدم الابتزاز كما كان يفعل النظام السابق، الذي كان يبتز الخليج بعلاقاته مع إيران وبدعم الإرهاب؛ ليكون لسوريا الحظوة والمكانة والمساعدة التي تريد وفوق ما تريد.
أما الولايات المتحدة وروسيا فالعلاقة معهما سارت وتسير بالإملاء والضرورة. ولا يمكن لدمشق أيا كانت حكومتها إلا أن تتعامل مع هذين الملفين كما تتعامل الحكومة المؤقتة، وواضح أن الكفة تُرجح لواشنطن وموسكو للإبقاء على قواعدهما العسكرية في سوريا. وهذا وإن كان لا يحقق أي مصلحة للشعب السوري لكنه يحقق مصلحة للحكومة أو أي حكومة تريد الاحتفاظ بسدة الحكم.
إذًا ما المأمول في 2026 خارجيًا ودبلوماسيًا؟ أولًا تصويب العلاقة مع بغداد وبيروت. والعمل على الحد من التدخّلات التركية والتدخّلات الإسرائيلية (لم نذكرها آنفًا لأنها بحاجة لإسهاب خاص)، وإدارة التوترات الإقليمية عبر القنوات الدبلوماسية لتجنب التدخّلات الخارجية التي قد تزيد من زعزعة استقرار البلاد، وتحول دون جذب الاستثمارات الأجنبية اللازمة للتعافي والتنمية.
القوى الفاعلة
كل ما يحتاجه السوريون اليوم وغدًا لن يحققه لهم أحد. لا الحكومة ولا الدول المتدخلة ولا الداعمين ولا الأشقاء ولا الأصدقاء.. ما يحتاجه السوريون سيحققونه بأنفسهم عبر العمل والعمل معًا، واستعادة الهوية الجامعة، وتحييد خطاب الكراهية، والإجهاز على سياسة الإقصاء، والضغط على الحكومة وعلى القوى الأخرى للسير بالبلد نحو المصالحة والتوافق، وإنجاز التعافي.
No Result
View All Result