No Result
View All Result
أكرم بركات (صحفي)
حين حاول العدوان أن يفتّت الأرض ويكسر إرادة شعبها، نهضت الجماهير لتكتب بدمائها وأصواتها ملحمةً جماعية لا تُنسى. لم تكن المقاومة الشعبية مجرد ردّ فعل على أطماع الاحتلال، بل كانت إعلاناً صريحاً بأن الكرامة لا تُشترى، والسيادة لا تُساوم، والوحدة الوطنية لا تُجزّأ. هناك، على ضفاف الفرات وفي كل بيت وقرية، ارتسمت لوحة الصمود التي جمعت الفلاح والعامل والطالب والفنان والمرأة والشيخ في جبهةٍ واحدة، ليؤكدوا أن الدفاع عن الأرض ليس خياراً، بل عهدٌ جماعي لا ينكسر.
وفي لحظةٍ مفصلية من تاريخ سوريا المعاصر، لم تكن معركة سدّ تشرين مجرّد مواجهة عسكرية عابرة، بل تحوّلت إلى اختبارٍ حقيقي لإرادة الشعوب، ومعيارٍ صارخ لقدرة المقاومة الشعبية على كسر شوكة الاحتلال التركي ومخططاته الهادفة إلى تفتيت النسيج السوري وضرب أسس العيش المشترك. لقد أثبتت هذه المحطة أن وحدة الصف والتكاتف الشعبي، حين يقترنان بإرادة الدفاع عن الأرض والكرامة، يشكّلان قوةً لا تقل شأناً عن أي سلاح ثقيل. تزامنت التطورات الميدانية أواخر عام 2024 مع تحولات سياسية وأمنية عاصفة. فبينما شنّت “هيئة تحرير الشام” هجوماً خاطفاً في 27 تشرين الثاني، انتهى بسيطرتها على مدينة حلب خلال أيام، كانت دولة الاحتلال التركي تصعّد هجماتها على مناطق الشهباء، مستهدفةً مُهجّري عفرين في محاولةٍ واضحة لإعادة إنتاج سياسة الإبادة والتهجير. أمام هذا الخطر الداهم، اتخذت الإدارة الذاتية الديمقراطية وقوات سوريا الديمقراطية قراراً صعباً، لكنه مسؤول، بنقل المهجّرين إلى مناطق أكثر أمناً في شمال وشرق سوريا، تفادياً لمجازر محتملة. غير أن هذا الخيار الإنساني لم يوقف آلة العدوان التركي، بل قابله الاحتلال بمزيد من القصف والتصعيد.
في الثامن من كانون الأول، وبينما كان جزء من السوريين يحتفل بسقوط نظام البعث، كشفت تركيا عن وجهها الحقيقي، بشنِّ هجمات واسعة على منبج ومحيط جسر قرقوزاق وسدّ تشرين، مستخدمةً الطيران الحربي والمسيّرات والدبابات. كان الهدف واضحاً: السيطرة على نقاط استراتيجية تمثّل شرايين حياة لملايين المدنيين، لكن ما لم يحسب له الاحتلال حساباً، هو صلابة المقاتلين والمقاتلات في قوات سوريا الديمقراطية ووحدات حماية المرأة، الذين تصدّوا للهجوم رغم اختلال موازين القوة، وأفشلوا محاولات التقدّم واحدة تلو الأخرى.
ومع فشل الرهان العسكري، لجأت أنقرة إلى سلاحها المكمّل: الحرب الإعلامية. في 14 كانون الأول، روّجت وسائل إعلامها لادعاءات كاذبة عن السيطرة على سدِّ تشرين. غير أن الحقيقة سرعان ما انكشفت بفضل الصحفيين جيهان بلكين وناظم داشتان، اللذين نقلا صورة الميدان كما هي. لم يحتمل الاحتلال هذه الفضيحة، فاستهدفهما بطائرةٍ مسيّرة في 19 كانون الأول، ليرتقيَا شهداء الكلمة والحقيقة. كانت رسالته واضحة: إسكات الشهود. لكن النتيجة جاءت معاكسة، إذ تحوّلت دماؤهما إلى وقودٍ إضافي للمقاومة.
هنا، انتقلت المعركة من إطارها العسكري إلى فضاءٍ أوسع: المقاومة الشعبية. عشرات الآلاف من أهالي شمال وشرق سوريا، من الكرد والعرب والسريان والتركمان والشركس، شدّوا الرحال إلى سدّ تشرين، لا ليحملوا السلاح، بل ليشكّلوا بأجسادهم درعاً يحميه. منذ الثامن من كانون الثاني، بدأت القوافل الشعبية بالوصول من كوباني والطبقة والرقة ودير الزور والحسكة وقامشلو وعامودا وديرك وغيرها، في مشهدٍ غير مسبوق لوحدة الشعوب السوريّة حول هدفاً واحداً.
قوبلت هذه القوافل السلمية بالقصف المباشر، وارتقى الشهداء تباعاً: مسعفون، طلاب، فنانين، سياسيون، وصحفيون. لم يميّز الاحتلال بين مدني وأكاديمي أو بين امرأة ورجل. ومع ذلك، لم تتراجع الجموع، بل ازداد إصرارها. خلال 118 يوماً من المناوبة، ارتقى 25 شهيداً وأُصيب نحو 240 آخرين، بينهم عشرات الصحفيين، هذه الأرقام، رغم قسوتها، لم تكن دليلاً على الضعف، بل شهادة على حجم التضحيات التي قُدّمت دفاعاً عن موردٍ حيوي ورمزٍ للسيادة الشعبية.
تحوّل سدّ تشرين إلى ساحة رمزية جامعة. رغم البرد القارس، احتفل المحتجون فيه بالمناسبات الوطنية والدولية: ذكرى المؤامرة الدولية على القائد عبد الله أوجلان، اليوم العالمي للمرأة، ذكرى انطلاق الثورة السوريّة، عيد نوروز، شهر رمضان، وعيد الفطر. كان المشهد يقول بوضوحٍ: نحن هنا، نحيا ونقاوم في آنٍ معاً، ونرفض أن نُختزل بدور الضحية الصامتة.
إن ما جرى في سدِّ تشرين لا يمكن فصله عن السياق الأوسع لسياسة الاحتلال التركي، الذي دأب منذ عام 2022 على استهداف البنى التحتية في شمال وشرق سوريا: محطات كهرباء ومياه، منشآت خدمية، وحقول نفط. إنها حرب ممنهجة على الحياة اليومية، تهدف إلى كسر إرادة المجتمع ودفعه نحو الفوضى. غير أن تجربة سد تشرين أثبتت أن هذا المجتمع، حين يتوحّد، قادر على إفشال أخطر المخططات.
ملحمة جماعية
لقد تحوّل التكاتف الشعبي مع قوات سوريا الديمقراطية إلى ملحمة جماعية، حيث امتزجت أصوات الفلاحين والعمّال والطلاب والفنانين والصحفيين والسياسيين والنساء مع صدى البنادق في الجبهات، ليشكّلوا معاً جداراً منيعاً أمام أطماع الاحتلال ومرتزقته. لم تكن القوة في السلاح وحده، بل في وحدة الصف، وفي الإيمان الراسخ بأن الدفاع عن الأرض مسؤولية جماعية لا يتهرّب منها أحد.
المقاومة الشعبية لم تكتفِ بصدّ العدوان، بل كسرت شوكة الاحتلال التركي، وقدّمت نموذجاً سورياً أصيلاً للصمود، نموذجاً يُثبت أن حماية النسيج الوطني لا تتحقق بالشعارات، بل بالفعل الجماعي والتضحية المشتركة. لقد صار كل بيت خندقاً، وكل قرية حصناً، وكل صوت هتافاً يردّد أن سوريا لا تُجزّأ ما دام أبناؤها متكاتفين في وجه العدوان.
سدّ تشرين لم يعد مجرد منشأة مائية، بل غدا رمزاً لكرامة شعب، وعنواناً لإرادة لا تُكسر، ورسالة واضحة بأن الأرض التي ارتوت بدماء أبنائها لن تُسلَّم للغزاة. هناك، عند ضفاف الفرات، ارتسمت لوحة المقاومة الشعبية: رجال ونساء يحمون مستقبلهم، أطفال يرفعون شعارات الحرية، وشيوخ يباركون تضحيات الأجيال.
بهذا التكاتف، تحوّلت المقاومة إلى فعل يومي، إلى ثقافة حياة، وإلى عهدٍ جماعي بأن العدوان لن يمرّ، وأن سوريا ستبقى موحّدة بدماء أبنائها، وبإصرار شعبها الذي جعل من التضحية المشتركة طريقاً للكرامة والسيادة.
No Result
View All Result