No Result
View All Result
د. علي طه أحمد
تشهد إيران منذ سنوات موجات متكررة من الاحتجاجات الشعبية، تتفاوت في حدّتها واتساعها، لكنها تتشابه في دلالتها العميقة؛ كونها تنبع من أزمةٍ بنيوية في علاقة الدولة بالمجتمع. ورُغم أن الشرارة المباشرة لهذه الاحتجاجات غالبًا ما تكون اقتصادية أو اجتماعية أو حقوقية، فإن تكرارها، واتساع رقعتها الجغرافية، وانخراط القوميات غير الفارسية فيها بقوة، يكشف أن ما يجري يتجاوز لحظة غضب عابر، ليعبّر عن مأزقٍ أعمق يتعلق بفشل الاندماج الوطني في الدولة الإيرانية الحديثة.
فمن كردستان إلى بلوشستان، ومن الأحواز إلى أذربيجان، تتقاطع مطالب المحتجين حول قضايا مشتركة: التهميش، غياب العدالة، القمع الأمني، واحتكار الدولة للهوية والقرار. ولا يمكن فهم هذه الاحتجاجات بوصفها مجرد رفضٍ لسياسات اقتصادية أو لممارساتٍ أمنية، بل بوصفها تمرّدًا على نموذج دولة مركزية مغلقة لم تنجح في بناء عقد اجتماعي جامع، يعترف بالتعدد القومي والثقافي، ويحوّله إلى عنصر استقرار بدل أن يراه تهديدًا.
أزمة الاندماج لا أزمة الولاء
تُصرُّ الرواية الرسمية في إيران على تفسير الاحتجاجات، خصوصًا في مناطق القوميات، بوصفها مؤامرات خارجية أو نزعات انفصالية. غير أن هذا التفسير يتجاهل حقيقة تاريخية واضحة؛ أن معظم الحركات الاحتجاجية في إيران، بما فيها تلك التي انطلقت من مناطق كردية، لم ترفع شعار الانفصال، بل طالبت بالكرامة، والمساواة، والاعتراف، والمشاركة العادلة في الدولة.
المشكلة إذن ليست في “رفض الشعوب للدولة”، بل في نموذج الاندماج الذي فرضته الدولة. فمنذ العهد البهلوي، ثم في ظل الجمهورية الإسلامية، بُنيت الهوية الوطنية الإيرانية على تصورٍ أحادي، يربط المواطنة بالانتماء الثقافي واللغوي والأيديولوجي السائد، ويُقصي الهويات الأخرى إلى هامش المجال العام. وبدل أن يكون الاندماج عملية طوعية قائمة على الاعتراف المتبادل، تحوّل إلى استيعابٍ قسري يُطلب فيه من القوميات أن تذوب كي تُعترف بها.
وقد أنتج هذا النموذج دولة قوية أمنيًا، لكنها ضعيفة اجتماعيًا، قادرة على القمع، لكنها عاجزة عن توليد الولاء الطوعي. ومع كل موجة احتجاج، يتضح أن القمع لا يعالج جذور الأزمة، بل يؤجل انفجارها فقط.
الاحتجاجات الراهنة: عودة السؤال الوطني
ما يميز الاحتجاجات الجارية حاليًا في إيران ليس فقط اتساعها، بل طابعها العابر للهويات الضيقة، فالشعارات التي ترفع في الشارع الإيراني لم تعد محصورة في مطالب فئوية أو قومية، بل باتت تتحدث عن الحرية، والعدالة، وكرامة الإنسان. ومع ذلك، فإن المناطق القومية – وعلى رأسها كردستان – غالبًا ما تتحول إلى بؤر أكثر توترًا، بسبب تراكم تاريخي من التهميش الأمني والاقتصادي والثقافي.
هذا التداخل بين الاحتجاج الوطني العام، والخصوصية القومية، يعيد طرح السؤال المؤجل في إيران: كيف يمكن بناء دولة مستقرة دون حل عادل لمسألة التعدد القومي؟ وكيف يمكن الحديث عن وحدة وطنية حقيقية في ظل إنكار التنوع؟
الأمة الديمقراطية كأفقٍ للخروج من المأزق
في هذا السياق، يبرز طرح “الأمة الديمقراطية” الذي يقدمه المفكر عبد الله أوجلان بوصفه أحد البدائل الفكرية والسياسية القادرة على تفكيك هذا المأزق، دون الوقوع في ثنائية قاتلة: إما الدولة القومية الصلبة، أو التفكك والانفصال، فالأمة الديمقراطية لا تقوم على نفي الدولة، ولا على إنكار الهوية الوطنية، بل على إعادة تعريفها بوصفها فضاءً جامعًا للتعدد، لا قالبًا قسريًا للتماثل.
يقترح هذا النموذج الانتقال من منطق “الدولة التي تملك الأمة” إلى منطق “المجتمع الذي يشارك في الدولة”، حيث تُعترف القوميات والهويات المختلفة بحقوقها الثقافية واللغوية والسياسية ضمن إطار واحد، قائم على اللامركزية، والمواطنة المتساوية، والمشاركة القاعدية. وبدل أن تُدار الدولة عبر الخوف والأمن، تُدار عبر الثقة والتفاوض والتمثيل الحقيقي. وفي الحالة الإيرانية، لا يعني هذا النموذج تقسيم البلاد أو إضعافها، بل على العكس، يمكن أن يشكل الضمانة الوحيدة لوحدتها طويلة الأمد، فالدول لا تتفكك بسبب الاعتراف بالتنوع، بل بسبب إنكاره.
من القمع إلى الحل السياسي
تكشف الاحتجاجات الراهنة أن إيران وصلت إلى لحظة مفصلية، إما الاستمرار في إدارة الأزمة بالأدوات نفسها – القمع، التخوين، الأمننة– وإما الشروع في نقاش جدي حول إعادة بناء العقد الاجتماعي، وهذا النقاش لا يمكن أن يتجاهل القوميات، ولا أن يؤجل سؤال الاندماج الوطني مرةً أخرى. إن الاعتراف بالحقوق الثقافية، واعتماد اللامركزية الإدارية، وفتح المجال أمام التنظيم السياسي السلمي، وبناء دولة قانون مدنية، ليست تنازلات تحت الضغط، بل شروط بقاء للدولة نفسها، أما الإصرار على إنكار التعدد، فسيُبقي إيران في دائرة الاحتجاج الدائم، والانفجار الدوري، دون أفق للاستقرار. بشكلٍ عام، فإن ما تشهده إيران اليوم ليس مجرد أزمة حكم، بل أزمة تعريف: تعريف الدولة، والهوية، والمواطنة. والاحتجاجات الجارية، بكل تنوعها، ليست خطرًا على إيران، بل إنذارًا مبكرًا بضرورة التغيير. إن الأمة الديمقراطية، بوصفها مشروعًا للاندماج الديمقراطي الطوعي والتعدد المعترف به، تفتح أفقًا ثالثًا بين القمع والانفصال، وتقدّم إمكانية حقيقية للخروج من المأزق التاريخي الذي تعيشه الدولة الإيرانية. فإما أن تُعاد صياغة الوحدة الوطنية على أسس ديمقراطية تعددية، أو تستمر الأزمة في إعادة إنتاج نفسها، احتجاجًا بعد احتجاج.
No Result
View All Result