No Result
View All Result
قامشلو/ دعاء يوسف – شكّلت شهيدات سد تشرين جزءاً من قصة أوسع عن احتجاج مدني، وموقع حيوي وصراع مفتوح، فوراء كل اسم، حياة بدأت بعيداً عن الكاميرات، وانتهت تحتها، تبقى قصص هؤلاء النساء شاهداً على أنّ النزاعات لا تقتل فقط من يحمل السلاح، بل تطال أيضاً من خرجوا دفاعاً عمّا اعتبروه أساس الحياة.
تحوّل سد تشرين، خلال الأسابيع الأولى من عام 2025، من منشأة مائية حيوية إلى رمزٍ حيّ للمقاومة الشعبية، فهناك، عند ضفاف الفرات، التقت إرادة الكرد والعرب، النساء والرجال، الشباب والشيوخ، في لوحة نادرة من الوحدة المجتمعية والتكامل، وسط هدير الطائرات وأصوات القصف.
لم يتعامل أهالي المنطقة مع السد بوصفه بنية تحتية فحسب، بل عنوان للحق في الحياة، ورغم القصف والخطر الدائم، وقف المدنيون بثبات، محتفلين بهويتهم الثقافية، مرددين أهازيجهم الشعبية، ومؤدين دبكاتهم التراثية، في مشهد تحدّى آلة الحرب وحوّل المكان إلى ساحة صمود جماعي.
فلم يكن هذا الحضور الشعبي مقتصراً على أبناء المنطقة وحدهم، إذ أصرّ مهجرو عفرين، الذين ذاقوا مرارة التهجير القسري مرتين، على المشاركة في هذه الملحمة، فجاؤوا بجراحهم المفتوحة وذاكرتهم المثقلة، ووقفوا في خندق المقاومة إلى جانب إخوانهم، مؤكدين أنّ التهجير لم ينجح في اقتلاعهم من الأرض.
المرأة في قلب المقاومة المجتمعية
وبين تلك القوافل المحتجة، برزت المرأة في شمال وشرق سوريا بوصفها ركناً أساسياً في ملحمة سد تشرين، وقوة فاعلة في قلب الحدث فقد تقدّمت النساء الصفوف الأولى، وتحملت مسؤوليات متعددة، من التنظيم والدعم، إلى الحضور الميداني وصناعة القرار، وصولاً إلى المشاركة المباشرة في المقاومة. ففي القرى والمدن المحيطة بالسد، نظمت النساء أنفسهن في هيئات ولجان متخصصة لدعم الصمود. فتولت بعضهن إدارة المشافي والنقاط الطبية الميدانية، وقدمن الإسعافات الأولية للمصابين في ظروف شديدة الخطورة، وسط شح الإمكانات والاستهداف المستمر، وفي الوقت ذاته، انخرطت أخريات في تأمين المؤن والإمدادات الغذائية واللوجستية، محافظات على استمرارية الاعتصامات والتجمعات المدنية.
ولم يقتصر دور المرأة على الجانب الإنساني والتنظيمي، بل امتد إلى المشاركة العسكرية المباشرة، فقد تشكلت مجموعات ووحدات نسائية تولت مهام حماية السد والتصدي لمحاولات الاقتحام.
من الحياة اليومية إلى ذاكرة الشهادة
ورغم أنّ الحضور في موقع السد كان سلميّاً ومدنيّاً بامتياز، لكن طائرات الاحتلال التركيّ كانت لهم على موعد من القصف، فتعرضت القافلة الأولى لقصف همجي، ذهب ضحيته أرواح سبعة من المدنيين، كان من بينهم زوزان حمو، وكرم أحمد الشهاب الحمد، عضوة تجمع نساء زنوبيا.
“زوزان حمو” شهيدة من مدينة عفرين، نشأت في بيئة ريفية بسيطة، ارتبطت منذ طفولتها بالأرض والعائلة. لم تُعرف بنشاط سياسي علني، لكنها كانت جزءاً من النسيج الاجتماعي اليومي، تؤمن بأنّ الخدمات الأساسية والاستقرار حق لا يمكن التفريط به. والشهيدة “كرم أحمد الشهاب الحمد” ولدت عام 1994 في دير الزور، نشأت في أسرة كبيرة اعتمدت على عمل الوالد في هندسة البترول، ووالدتها مدرّسة اللغة العربية. بعد وفاة والدها عام 2009، تحملت كرم مع إخوتها مسؤوليات الحياة مبكراً، فعملت في مجالات متعددة لتأمين المعيشة، بالتوازي مع سعيها لإكمال تعليمها.
مع اندلاع الأحداث في سوريا عام 2011، اضطرت العائلة للنزوح إلى الرقة، فواجهت ظروفاً قاسية سكنياً واقتصادياً. تابعت كرم تعليمها وحصلت على الشهادة الثانوية، ثم التحقت بجامعة الفرات، لكن سيطرة مرتزقة داعش على المنطقة حالت دون استكمال دراستها. خلال تلك الفترة، عانت الأسرة من ضغوط شديدة، وفقدت والدتها عام 2016 نتيجة تدهور وضعها الصحي وغياب العلاج.
نجحت كرم وعائلتها في الهروب من مناطق سيطرة داعش والوصول إلى الطبقة، فالتحق أخوتها بقوات سوريا الديمقراطية عام 2017. شاركت كرم في أنشطة مجتمعية ودعم نفسي للأطفال والنساء، ثم عملت لإعالة أسرتها بعد تحرير المنطقة، متنقلة بين أعمال مختلفة رغم محدودية الدخل.
لاحقاً، انضمت إلى تجمّع نساء زنوبيا، فوجدت بيئة داعمة أسهمت في تطوير وعيها وتعزيز دورها المجتمعي، وكانت التجربة محطة تحرر فكري ونفسي، ورسالة أمل وقدوة للنساء في الاعتماد على الذات ومواجهة الظلم. إلا أنّه في الثامن من كانون الثاني 2025، التحقت زوزان وكرم بالقافلة المدنية الأولى المتجهة إلى سد تشرين، مدفوعتين بقناعة أخلاقية، أنّ الصمت لم يعد خياراً، وكانتا من السباقات للدفاع عن حق كاد يسلب منهما، فاستهدفتا، فكانتا أول امرأتين يُعلَن استشهادهما في مقاومة السد.
استمرار المجازر
وبعد أيام، عاد القصف مرة أخرى، فارتقت الشهيدة “هيزا محمد” زوجة أدهم مصطفى علي، وقد عاشت حياة عائلية بسيطة، ولم تكن ناشطة سياسية، لكنها كانت تتابع ما يجري حولها بحسّ عالٍ من المسؤولية.
رافقت هـيزا زوجها إلى سد تشرين، معتبرة الدفاع عن السد دفاعاً عن مستقبل العائلة والأطفال. في 15 كانون الثاني 2025، استُهدف تجمع المدنيين بقصف مباشر، أسفر عن استشهاد هـيزا وزوجها معاً، في مشهد اختصر قسوة الاستهداف الذي طال المدنيين العزّل.
وفي اليوم ذاته أصيبت الطالبة الجامعية “رونيز محمد علي”، وارتقت إلى مرتبة الشهادة في 22 كانون الثاني في مشفى كوباني، وقد كانت تحلم بإنهاء دراستها في كلية الهندسة.
وفي مجزرة أخرى، استشهد ستة أشخاص وأصيب العشرات ومنهم الشهيدة “منيجة حاجو حيدر” من الأسماء المعروفة في العمل السياسي والمجتمعي. وُلدت في سبعينات القرن الماضي، وكرّست جزءاً كبيراً من حياتها للعمل التنظيمي في حزب الاتحاد الديمقراطي، وشاركت في المجالس والهيئات المحلية. آمنت منيجة بدور المرأة الريادي في بناء المجتمع، وكان حضورها في مقاومة سد تشرين امتداداً طبيعياً لمسارها النضالي. في 18 كانون الثاني 2025، التحقت بركب الشهداء؛ فكانت خسارة كبيرة للحركة النسوية والسياسية في المنطقة.
في 21 كانون الثاني 2025، استُشهدت “حزنه عبدي” التي كانت تساهم في توزيع الطعام على المناوبين بقصف استهدف المدنيين، لتكون آخر امرأة يُعلن اسمها ضمن شهيدات مقاومة السد في تلك المرحلة، لا تتوفر معلومات موسعة عن حياة الشهيدة حزنه عبدي، وهو ما يعكس واقع شريحة واسعة من النساء اللواتي يعشن بعيداً عن الأضواء. عاشت حياة مدنية بسيطة، وشاركت في الاعتصامات الأخيرة قرب سد تشرين ممثلةً بصمتها آلاف النساء غير المرئيات في زمن الحرب.
الكاميرا في مواجهة القصف
في موازاة الميدان، لعبت المرأة دوراً محورياً في كسر الحصار الإعلامي، هذا وقد برزت صحفيات ومراسلات نقلن حقيقة ما يجري في سد تشرين بإمكانات متواضعة، ووثّقن القصف وصمود المدنيين، متحديات الخطر المباشر، بعضهن استشهدن وهنّ يحملن الكاميرا، ليؤكدن أنّ الكلمة والصورة شكلٌ آخر من أشكال المقاومة، فيما أصيبت العديد منهن، واستمرين في التغطية الإعلامية كاشفات الانتهاكات التي تطال المدنيين وروح المقاومة التي تتأجج مع كل استهداف.
ومنهن الشهيدة “جيهان بلكين”، صحفية ميدانية في وكالة أنباء هاوار، كرّست عملها لتغطية قضايا الناس والهجمات التي طالت مناطق شمال وشرق سوريا، وعُرفت بشجاعتها وحضورها الدائم في ميادين الخطر دفاعاً عن الحقيقة وحرية الصحافة. استُشهدت في 19 كانون الأول 2024 أثناء أداء واجبها الصحفي، لتبقى رمزاً للإعلام الحر وتضحيات الصحفيات في مناطق النزاع.
ثم انقضى الزمن بطيئاً، تتعاقب الأيام ولا يبرد الجمر، ويمضي السد شاهداً على وجوهٍ لم تعرف التراجع. كانت الليالي أطول من قدرتها على الاحتمال، يتناوب فيها الساهرون بين الدعاء والحراسة، وبين الخوف والأمل. ورغم دويّ القذائف، ظلّت الأقدام ثابتة، والعيون شاخصة نحو الأفق، كأنها تحرس المستقبل قبل أن تحرس المكان.
ومع توالي الشهور، لم تخفت العزيمة، بل ازدادت صلابة. فكان السد مساحة تختلط فيه دموع الأمهات بزغاريد الصمود، وتتعانق فيه أصوات الأطفال مع هتافات الحرية. لم تكن المناوبة وجوداً جسدياً، بل عهداً متجدداً على البقاء، ورسالة تقول إنّ الأرض تُحمى بالإرادة قبل السلاح. هكذا استمرّت الحكاية، مقاومةً لا تنكسر، ونبضاً حيّاً يواجه النار بالثبات، والغياب بالحضور.
إلى جانب كل ذلك، اضطلعت النساء بدور أساسي في حماية النسيج الاجتماعي والموروث الثقافي. ففي أحلك الأيام، روت الأمهات والجدات للأطفال حكايات الصمود والكرامة، وفي فترات الهدوء النسبي، تحولت ساحات الاعتصام إلى فضاءات ثقافية، تعالت فيها الأهازيج والدبكات التي شدّت من عزيمة الجميع.
وبذلك كتبت نساء شمال وشرق سوريا فصلاً استثنائياً من المقاومة المجتمعية، فلم تكن مشاركتهن طارئة، ولا تضحياتهن عابرة، بل امتداداً لمسار طويل من النضال من أجل الأرض والكرامة والحياة.
No Result
View All Result