إسحاق الشعير
لقد كانت فنزويلا، في ليلة الثالث من كانون الثاني عام 2026، أكثر من مجرد مسرح لعملية عسكرية خاطفة؛ لقد كانت نقطة تحول في تاريخ النظام الدولي. فبينما كان العالم يغطُ في سباتٍ، استيقظ على وقع غارة أمريكية واسعة النطاق في كاراكاس، لم تستهدف موقعاً عسكرياً أو بنية تحتية، بل استهدفت رمز السيادة الوطنية ذاته: رئيس البلاد، نيكولاس مادورو، الذي اُقتيد مع زوجته من “غرفة نومهما” ليجد نفسه في مركز احتجاز ببروكلين، مواجهاً اتهامات أمريكية محلية بـ “الإرهاب المرتبط بالمخدرات”.
هذا المشهد، الذي تجاوز حدود الخيال السياسي ليلامس أدبيات قانون الغاب، لم يكن مجرد إجراء قانوني أو عملية استخباراتية، بل كان بياناً سياسياً مدوياً صاغته القوة العسكرية، رسالته الضمنية واضحة لا لبس فيها: لقد انتهى عصر السيادة الوطنية بالمعنى التقليدي، وبدأ عهد القطب الأوحد الذي يشرّع لنفسه حق تنفيذ قوانينه المحلية فوق أي أرض يشاء.
الإعلان الصريح عن “الاستثناء الأمريكي”
لقد جاءت التصريحات الرسمية الأمريكية لتؤكد هذه الرسالة بفظاظة غير مسبوقة. فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم يكتفِ بالإعلان عن نجاح العملية، بل وصفها بـ “الاستعراض للقوة” وأكد أن الولايات المتحدة “ستقوم بإدارة فنزويلا”.
هذا الإعلان ليس مجرد تصريح عابر، بل هو تفكيك منهجي لمبدأ عدم التدخّل في الشؤون الداخلية للدول، وهو حجر الزاوية في القانون الدولي منذ معاهدة وستفاليا.
إن واشنطن، بهذا الفعل، تمنح لنفسها “الاستثناء الأمريكي” الذي يسمح لها بتجاوز كل الأعراف والقوانين الدولية متى تعارضت مع مصالحها، محولةً القضاء المحلي إلى أداة جيوسياسية لتصفية الخصوم السياسيين.
صمت المؤسسات وعجزها الهيكلي
في المقابل كان رد فعل المؤسسات الدولية المعنية بمثابة شهادة وفاة على فعاليتها. فبينما سارعت قوى دولية كبرى مثل روسيا وكوبا إلى إدانة العملية باعتبارها “انتهاكاً صارخاً للسيادة” و”سابقة خطيرة”، اكتفت المؤسسات التي أُسست لحفظ السلم والأمن الدوليين بـالهمس الخجول.
الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، أعرب عن “قلقه العميق” واقترح أن العملية قد تكون انتهكت القانون الدولي. هذا “القلق العميق” لا يعدو كونه عجزاً هيكلياً؛ فالمؤسسة الدولية، التي كان يُفترض أن تكون حامية لميثاقها، تحولت إلى مجرد منتدى للخطابة لا يملك سلطة فعلية أمام القوة الخشنة. إن هذا الصمت، أو هذا الرد الباهت، هو الذي يمنح القطب الأوحد الشرعية الصامتة للمضي قدماً في مشروعه. الرسالة التي ترسلها واشنطن، وتؤكدها المؤسسات الدولية بصمتها، هي أن العالم أصبح بالفعل ذو طابع قطب منفرد.
لم يعد هناك توازن قوى يمكن الركون إليه، بل هناك قوة واحدة تفرض إرادتها، وتحدد من هو الرئيس الشرعي ومن هو “الإرهابي” الذي يجب اعتقاله، حتى لو كان ذلك في عقر داره.
شبح المعتقل المستقبلي في الشرق الأوسط
هنا، يبرز السؤال الأكثر إلحاحاً والأشد قسوة، خاصةً في منطقة الشرق الأوسط التي طالما كانت مسرحاً لتصفية الحسابات الدولية: من هو المعتقل المستقبلي من رؤساء الشرق الأوسط؟
السابقة الفنزويلية هي سيف مسلط على رقاب جميع الزعماء الذين يخرجون عن “بيت الطاعة” الأمريكي، أو الذين يمتلكون ثروات طبيعية أو مواقع استراتيجية تجعلهم هدفاً. والأسماء كثيرة لا داعي لذكرهم. ففي منطقة تعجُّ بالتوترات، حيث يواجه العديد من القادة اتهامات أمريكية سابقة أو عقوبات اقتصادية، تصبح عملية مادورو بمثابة خريطة طريق جديدة للتدخّل. الرسالة التحذيرية تصل بوضوح إلى كل عاصمة: “لا حصانة لأحد، حتى في غرفة نومه”.
لقد أثبتت العملية أن الليل لم يعد يستر أحداً، وأن السيادة الوطنية، التي طالما تغنى بها الخطاب السياسي، قد ذابت تحت حرارة الصواريخ الذكية وطائرات الدرون.
إنها لحظة تاريخية فارقة تدعو إلى إعادة النظر في كل التحالفات والموازين، وتؤكد أن الأمن الوحيد المتبقي هو القوة الذاتية التي لا تركن إلى حماية مؤسسات أثبتت عجزها.