No Result
View All Result
الحسكة/ رغد محمد ـ من الساحات والطرقات إلى البيوت التي تحولت ملاجئ، كتبت النساء الدرزيات فصلاً مهماً من تاريخ السويداء، عنوانه الصمود حين يغيب السلاح، والقوة حين يصبح الصوت أعلى من الرصاص، بالرغم من الانتهاكات التي واجهتهنَّ.
في تموز 2025، تعرّضت السويداء لهجومٍ عنيف هزّ أمنها ونسيجها الاجتماعي، لم تكن النساء على هامش الحدث، ولا في موقع الانتظار أو الخوف الصامت، بل برزن في قلب المشهد، قوة مقاومة مدنية واجتماعية، واجهت العنف بثبات، وحمت المجتمع حين تراجعت أشكال الأمان كله.
دور بارز من قلب العاصفة
في تموز 2025 شهدت السويداء واحدة من أكثر الفترات دموية في تاريخها الحديث، حين تحوّلت توترات متراكمة إلى اشتباكات مسلحة واسعة اجتاحت المدينة وريفها، بدأت الأحداث بحوادث خطف واعتداءات متبادلة، سرعان ما تصاعدت إلى مواجهات عنيفة وسط انفلات أمني وغياب فعلي للحماية.
وخلال أيام قليلة، سقط كثير من القتلى والجرحى، وتعرّض المدنيون لانتهاكات جسيمة، شملت القتل والخطف والنهب، ما أدى إلى نزوح واسع وانهيار الخدمات الأساسية، لم تقتصر المأساة على الخسائر البشرية، بل أصابت النسيج الاجتماعي في عمقه، وخلّفت جراحاً مفتوحة في ذاكرة الأهالي.
وكانت أحداث السويداء أكثر من اشتباكات عابرة، كانت امتحاناً قاسياً للمجتمع بأكمله، كشفت هشاشة الواقع الأمني، ووضعت المدنيين ولا سيما النساء والأطفال، في مواجهة مباشرة مع العنف، لتبقى تلك الأيام علامة فارقة في تاريخ السويداء، وجرس إنذار لما يمكن أن يجره غياب العدالة والأمان.
ومع اشتعال الأحداث الدامية في السويداء، وجدت المرأة نفسها في مواجهة مباشرة مع العنف، لا شاهدة من بعيد، بل هي جزء من المأساة اليومية، كانت أول من دفع الثمن فقدت أبناءها وأزواجها، وحملت خوف أطفالها في طرقات النزوح، وعاشت تحت تهديد السلاح وانعدام الأمان، في وقت انهارت فيه الخدمات وغابت الحماية.
انتهاكات ومعاناة مضاعفة
ووثقت شبكات ومنظمات حقوقية جرائم وانتهاكات ارتكبت بحق النساء في السويداء، منها توثيق سبع حالات اغتصاب، طالت نساء وفتيات، من بينها حادثة مروعة تعرضت لها فتاة قاصر، إلى جانب توثيق مقتل 47 امرأة أثناء الأحداث الدامية، التي شهدتها المدينة.
وعلى الرغم من ذلك، فإن هذه الأحداث والجرائم لم تكسر المرأة، بل أعادت تشكيل دورها وسط الفوضى والخوف، فخرجت نساء السويداء من دائرة الصمت، وتحولن إلى قوة صمود مجتمعي، وقفت الأمهات في الساحات مطالبات بالكشف عن مصير المختطفين، وفتحت النساء بيوتهن لإيواء النازحين، وتقدّمن الصفوف لحماية القرى ومنع المزيد من الدماء، مثبتات أن المقاومة لا تكون دائماً بالسلاح، بل بالموقف والشجاعة.
وتحمّلت المرأة عبئاً مضاعفاً أصبحت المعيل، والحامية، والمرمِّمة لما تكسّر في العائلة والمجتمع، وفي الوقت نفسه واجهت آثاراً نفسية قاسية، وضغوطاً اجتماعية كبيرة، في ظل غياب العدالة والمساءلة عن الجرائم المرتكبة، ونقص واضح في الدعم النفسي والاجتماعي.
وتعقيباً على ذلك، أوضحت ابنة السويداء الناشطة السياسية “راقيا مشعل الشاعر” خلال لقاء خاص لصحيفتنا “روناهي” إنّ: “المرأة عانت في مدينة السويداء بعد أحداث تموز الدامي لعام 2025 نتيجة الهجوم الهمجي على المدينة من سلطة الأمر الواقع، هذا الهجوم الذي كان هدفه إبادة جماعية ممنهجة للطائفة الدرزية”.
كما بينت أنّ المرأة هي أكثر من عانت من هذا الاعتداء الهمجي، من خلال ما تعرضت له من انتهاكات مختلفة تمثلت بالخطف والقتل والاغتصاب، مشددة على أنّ المرأة الدرزية دائماً قوية وقادرة على تحويل الكارثة لتحدٍّ، عادت ووقفت على قدميها واحتوت الكارثة، وانطلقت لتصنع من الدماء والانتهاكات قصة مقاومة جديدة تضاف إلى تاريخها النضالي ضد العنف والاضطهاد الذي تعرضت له.
وبناء على ما سلف، فإن واقع المرأة الدرزية بعد أحداث تموز 2025 يعكس صورة مجتمع جريح، تقف نساؤه في خط الدفاع الأخير عن الحياة والكرامة، فهي لم تكن ضحية فقط، بل كانت صوتاً في وجه العنف، ويداً تمسك المجتمع من السقوط، وذاكرة حيّة ترفض النسيان.
المقاومة والصمود
في تلك الأيام الثقيلة، خرجت نساء السويداء من أدوارهن التقليدية، فكنّ أمهات يبحثن عن المفقودين، وجدّات يحمين القرى، وناشطات يوثّقن الانتهاكات، ونساءً وقفن بأجسادهن العارية من السلاح في وجه الرصاص، لم تكن مقاومتهن صاخبة، لكنها كانت عميقة الأثر، متجذّرة في الأرض وفي الإحساس بالمسؤولية الجماعية تجاه الحياة والكرامة.
ومن بين قصص النساء ومقاومتهن في مدينة السويداء بعد تعرضهن لشتى أنواع الانتهاكات والجرائم، برزت قصة الأم “فوزية” كرمز للصمود والمقاومة، الأم التي فقدت ابنها في الفوضى الأولى للاشتباكات، ولم تعرف عنه شيئاً، لكن بدل أن تستسلم للحزن أو الخوف، حولت ألمها قوة تحرك المجتمع من حولها، خرجت إلى الشوارع، رفعت صور ابنها وصور المختطفين، وفتحت بيتها مأوى للأمهات المفجوعات، لتصبح حلقة وصل بين من فقدن أولادهن، وواجهة صمود مدني عميق الأثر.
لتصبح قصتها أكثر من مأساة شخصية؛ إنها شهادة على أن المرأة في السويداء لم تكن ضحية فقط، بل كانت صانعة للأمان، ودرعاً للمجتمع، وصوتاً يكسر الصمت في لحظات الظلام، وبقيت مثالاً حياً على القوة التي تولد من الألم، والصمود الذي ينبع من الحب والإصرار على حماية ما تبقى من الحياة والكرامة.
قالت راقيا الشاعر إنّ: “المرأة عادت لتلملم الجراح، وتلملم شتات نفسها لتجمع ما تفرق من نفسها وباقي أفراد أسرتها، محاولة الوقوف على قدميها حتى تكون سنداً يتكئ عليه المجتمع، لأنها تدرك أنها لا تملك خيار الانهيار أو التخاذل، لأنها تمثل عماد المجتمع رغم جراحها، واستطاعت أن تخلق قصصاً للبطولة سطرها التاريخ”.
وأفادت، إن المرأة في السويداء، تحولت من مقاتلة شاركت بالقتال والدفاع عن نفسها وعن أسرتها جنباً إلى جنب مع الرجل، إلى امرأة منتجة تحاول أن تكفي نفسها وأسرتها، وأيضاً قاومت المرأة المتعلمة والمثقفة من خلال علمها وثقافتها بشتى المجالات.
بناء المستقبل بسواعد النساء
إنّ صمود نساء السويداء اليوم، هو وعد للمستقبل من أجل مجتمع يُبنى على العدالة والمساواة، وقوة نسائية قادرة على قيادة التغيير الاجتماعي والسياسي، وإعادة الأمان لكل أسرة وقرية في المدينة وما حولها بعد عام مليء بالجرائم والانتهاكات والاعتداءات الوحشية، التي حولت الألم قوة ونضالاً مستمراً للحماية والدفاع عن الحقوق.
واليوم أصبحت النساء عنصراً حاسماً في بناء المستقبل وحماية المجتمع، فهنّ لم يواجهنَ العنف والدمار فحسب، بل أظهرنَ قدرة هائلة على الصمود والتنظيم، وحمَلنَ على عاتقهنَّ مسؤوليات لم تعد مقتصرة على الأسرة أو البيت، بل امتدت لتشمل القرية، والمدينة، والمجتمع بأسره.
ففي المستقبل، ستقف نساء السويداء أمام تحديات جسام، لإعادة بناء ما تهدم، وحماية الأجيال القادمة، وضمان العدالة والمساءلة عن الانتهاكات، والمساهمة الفاعلة في إدارة المجتمع وصنع القرار، سيكون دورهن في حفظ النسيج الاجتماعي، وتقديم نموذج للمجتمع المدني القوي، والعمل على تعزيز حقوق المرأة والأمان المدني، وحجر الأساس لمرحلة جديدة من السلام والاستقرار.
وإنّ المسؤولية التي تقع على عاتق نساء السويداء هي امتداد لمقاومتهن السابقة، وصياغة مستقبلٍ لا يُبنى على الخوف أو الانقسام، بل على العزيمة، والكرامة، والمشاركة الفاعلة في كل تفاصيل الحياة المجتمعية، فكل خطوة يقمن بها اليوم ضمانة لمستقبل أكثر أماناً وعدالة، وللأجيال القادمة التي ستتذكر صمودهن ومبادراتهن.
وفيما يخص ذلك، وجهت راقيا الشاعر رسالة لنساء السويداء: “المرحلة الحالية تتطلب من المرأة في السويداء أن تأخذ دورها الفعال والحقيقي، حتى تكون شريكة فعلية بتجاوز الكارثة التي حلت بالسويداء، وأن تخرج من الإطار الذي يضعها المجتمع فيه وتضع هي نفسها فيه”.
وفي الختام، شددت الناشطة السياسية “راقيا مشعل الشاعر“، على أنّ النساء في السويداء لهن دور ريادي في مرحلة التعافي والبناء إلى جانب دورهنَّ في بناء الأسرة والمشاركة بالمجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية كلها.
No Result
View All Result