No Result
View All Result
محمد عيسى
منذ اللحظة الأولى التي أُعلن فيها صعود الحكومة السورية الانتقالية إلى السلطة، رُفعت شعارات “القطيعة مع الماضي”، و”بناء دولة المواطنة”، و”استعادة الأمن والاستقرار”. غير أن مسار العام الأول من حكم هذه السلطة، كما تكشفه الوقائع الميدانية المتراكمة بالأرقام والتواريخ والشهادات، سار في اتجاه معاكس تماماً. فبدل من أن يشكّل هذا العام نقطة انعطاف نحو الاستقرار، تحوّل إلى واحد من أكثر الفصول دموية واضطراباً في التاريخ السوري الحديث، حيث عادت المجازر، وتصاعد العنف الطائفي، واخترق “داعش” مفاصل الدولة نفسها، فيما اتسعت رقعة التدخلات الإقليمية والدولية، وعلى رأسها التدخل التركي، الذي لعب دوراً سلبياً ومزعزعاً لمسار الاستقرار الهش.
وعود كبيرة وأرض رخوة
مع الإعلان الرسمي عن تشكيل الحكومة السورية الانتقالية في أواخر عام 2024، ساد انطباع أولي لدى شريحة من السوريين والمجتمع الدولي بأن البلاد تقف على أعتاب مرحلة انتقالية قد تفتح الباب أمام إعادة بناء الدولة المنهكة بعد عقود من الحكم الأمني والحروب المتلاحقة. غير أن هذا المشهد، الذي بدا في ظاهره واعداً، كان يخفي تحت سطحه بنية هشة ومتناقضة، سرعان ما بدأت تتكشف ملامحها مع الأشهر الأولى للحكم الجديد. فالحكومة التي تشكّلت على عجل، وُلدت في فراغ مؤسساتي عميق، دون إعادة هيكلة حقيقية للأجهزة الأمنية، ودون صياغة عقيدة وطنية جامعة للمؤسسة العسكرية، ما جعلها تعتمد على حلول سريعة ذات كلفة عالية.
أبرز هذه الحلول تمثّل في إعادة تشكيل الجيش بدمج مجموعات مسلحة متباينة الخلفيات والانتماءات، بعضها نشأ في بيئات فوضوية، وبعضها الآخر يحمل سجلاً حافلاً بالانتهاكات، دون إخضاع هذه التشكيلات لآليات تدقيق أمني صارمة أو برامج تأهيل مهنية. هذا الدمج القسري لم يُنتج جيشاً وطنياً متماسكاً، بل خلق كياناً هجيناً تتداخل فيه الولاءات الشخصية والأيديولوجية مع الصفة الرسمية، ما فتح الباب أمام اختراقات خطيرة. وتحت شعار “الاستيعاب” أو ما عُرف بسياسة “التدجين”، تم إدخال مسلحين أجانب وسابقين في مجموعات متطرفة إلى الهياكل العسكرية والأمنية، في خطوة اعتُبرت لاحقاً أحد أكبر أخطاء المرحلة الانتقالية.
مع مطلع عام 2025، بدأت نتائج هذه السياسات بالظهور على الأرض. ففي البادية السورية ودير الزور، وهي مناطق لطالما شكّلت خاصرة رخوة أمنياً، عادت خلايا مرتزقة داعش إلى النشاط بشكل تدريجي، مستفيدة من هشاشة السيطرة الحكومية واتساع المساحات المفتوحة. وتقارير حقوقية وأمنية أشارت إلى تصاعد ملحوظ في الهجمات خلال الربع الأول من العام، شملت استهداف طرق دولية حيوية، ونقاط تفتيش، وحقول نفط وغاز، في مناطق يُفترض أنها خاضعة لسيطرة الدولة. هذه التطورات المبكرة لم تكن مجرد مؤشرات عابرة، بل إنذاراً واضحاً بأن الفوضى لم تكن استثناءً في عهد الحكومة الانتقالية، بل أحد ملامحها البنيوية.
الساحل السوري وذاكرة المجازر
لم يكد العام 2025 يدخل ربعه الأول، حتى انتقلت مؤشرات الفشل الأمني من أطراف البلاد الصحراوية إلى قلب الجغرافيا الأكثر حساسية سياسياً واجتماعياً. فبعد أسابيع من تصاعد هجمات مرتزقة داعش في البادية ودير الزور، جاء يوم السادس من آذار 2025 ليشكّل نقطة تحوّل دامية، عندما اندلع تصعيد دموي واسع في الساحل السوري، كاشفاً هشاشة الدولة الانتقالية التي لم تعد محصورة في المناطق الطرفية، بل باتت تضرب عمق “المناطق المحسوبة تاريخياً على الاستقرار”.
خلال الفترة الممتدة بين السادس والعاشر من آذار 2025، وثّقت منظمات حقوقية محلية، إلى جانب تقارير صادرة عن جهات دولية، مقتل عشرات المدنيين من أبناء الطائفة العلوية في مدينة اللاذقية وريفها الشمالي والشرقي، ولا سيما في مناطق جبلة، والقرداحة، وبعض القرى المحيطة. الأرقام الأولية أشارت إلى مقتل ما لا يقل عن 45 مدنياً خلال الأيام الأربعة الأولى، وسط شهادات متقاطعة عن عمليات إعدام ميدانية، ومداهمات ليلية، وعمليات تصفية جماعية اتخذت طابعاً طائفياً واضحاً، أعادت إلى الأذهان ذاكرة مجازر لم تندمل منذ سنوات الحرب الأولى.
في مواجهة هذه الوقائع، سارعت السلطات الانتقالية في دمشق إلى تبنّي خطاب دفاعي، مُرجِعةً ما جرى إلى “عصابات مسلحة غير منضبطة” قالت إنها لا تخضع لسلطة الدولة. غير أن هذا الخطاب لم يصمد طويلاً. فخلال أيام، انتشرت عشرات المقاطع المصوّرة التي تُظهر مسلحين يرتدون الزي الرسمي للقوات الحكومية، يستخدمون آليات عسكرية نظامية، وينفّذون عمليات اعتقال وإعدام ميداني في وضح النهار، ما نسف رواية “الانفلات الفردي” وأعاد طرح سؤال المسؤولية المباشرة.
ما جرى في الساحل لم يكن حادثاً معزولاً عن السياق العام الذي سبقَه. بل شكّل امتداداً منطقياً لسياسات الدمج القسري و”التدجين” التي اعتمدتها الحكومة الانتقالية منذ تشكيلها أواخر 2024، والتي سمحت بدخول تشكيلات مسلحة غير منضبطة، بعضها مشبع بخطاب أيديولوجي متطرف، إلى مؤسسات الدولة دون رقابة أو محاسبة. وبينما كشفت هجمات داعش في البادية عن هشاشة السيطرة الأمنية، جاءت مجازر الساحل لتفضح فشلاً أخطر: عجز الدولة عن ضبط أدوات العنف داخل مناطقها الأكثر حساسية، أو تغاضيها الضمني عن مناخ تحريض طائفي بدأ يتسلل إلى خطاب بعض الجهات المحسوبة عليها.
دمشق في مرمى الإرهاب
لم يكن ما جرى في الساحل السوري في آذار 2025 سوى مقدّمة لانتقال العنف من الأطراف المتوترة إلى قلب الدولة المفترض. فبعد مجازر اللاذقية وريفها، وما رافقها من انكشاف خطير لعجز الحكومة الانتقالية عن ضبط التشكيلات المسلحة العاملة تحت رايتها، جاء 22 حزيران 2025 ليؤكد أن دائرة الاستهداف لم تعد محصورة بجغرافيا أو بطائفة بعينها، بل باتت تهدد النسيج السوري برمّته، وصولاً إلى العاصمة دمشق نفسها.
في ذلك اليوم، وخلال قداس ديني داخل كنيسة مار إلياس في حي دويلعة شرقي دمشق، نفّذ انتحاري هجوماً دموياً أدى إلى مقتل 25 مصلياً وإصابة نحو 60 آخرين بجروح متفاوتة، فضلاً عن أضرار مادية واسعة طالت الكنيسة والمباني السكنية المجاورة. الهجوم، الذي وقع في وضح النهار وفي منطقة مأهولة، شكّل أحد أكثر الاعتداءات دموية داخل العاصمة منذ سقوط النظام، ونسف عملياً رواية “استعادة الأمن” التي روّجت لها السلطة الانتقالية منذ تشكيلها أواخر 2024.
ورغم أن أصابع الاتهام اتجهت فوراً نحو خلايا مرتزقة داعش النائمة، إلا أن المرتزقة لم تُصدر، حتى أيام بعد العملية، أي بيان رسمي تتبنى فيه الهجوم، على غير عادتها في العمليات ذات الرمزية العالية. هذا الغموض فتح الباب أمام تساؤلات خطيرة، ليس فقط حول قدرة الأجهزة الأمنية الحكومية على تفكيك الشبكات الإرهابية داخل العاصمة، بل حول احتمال تغلغل عناصر متطرفة داخل هذه الأجهزة نفسها، في ظل سياسات الدمج غير المنضبط التي اتُّبعت خلال المرحلة الانتقالية.
الهجوم على كنيسة مار إلياس لم يكن حدثاً معزولاً، بل حلقة متقدمة في سلسلة انحدار أمني بدأت في البادية مع عودة نشاط داعش مطلع 2025، وتفاقمت في الساحل مع مجازر ذات طابع طائفي في آذار، لتصل أخيراً إلى دمشق. والأخطر من ذلك، أن استهداف مكان عبادة مسيحي حمل رسالة مزدوجة: ضرب فكرة “السيطرة الأمنية”، وتوجيه إنذار مباشر للأقليات الدينية في مناخ يتسم بتصاعد خطاب الكراهية والتحريض، سواء في الشارع أو عبر بعض المنابر السياسية والإعلامية المحسوبة على السلطة الجديدة.
هكذا، بدت دمشق، كما الساحل قبلها، مكشوفة أمام عنفٍ لم يعد طارئاً، بل نتيجة مباشرة لأرض رخوة بُنيت عليها دولة انتقالية بلا مؤسسات راسخة ولا عقد اجتماعي جامع.
بين التاريخ والذبح العلني
إذا كان ما جرى في الساحل السوري في آذار 2025 قد فتح جرحاً عميقاً في الذاكرة الجماعية، فإن ما شهدته مدينة السويداء في تموز 2025 شكّل صدمة وجودية بكل ما للكلمة من معنى. المدينة التي لطالما كانت على امتداد عقود نموذجاً للتماسك الاجتماعي والموقف الوطني المناهض للتطرف، وجدت نفسها خلال أسابيع قليلة تتحول إلى مسرح مفتوح لجرائم مروّعة أعادت السوريين إلى أكثر مراحل الحرب ظلاماً. إعدامات ميدانية في الشوارع، وقطع رؤوس، وتوثيق الجرائم عبر تسجيلات مصوّرة بُثّت علناً، وظهور رايات سوداء رفعتها مجموعات مسلحة، في مشاهد استحضرت بلا مواربة ذاكرة تمدد داعش بين عامي 2014 و2016.
لكن ما جعل أحداث السويداء أكثر خطورة من حيث الدلالة، لم يكن مستوى العنف وحده، بل هوية المنفذين. وشهادات محلية متقاطعة وتقارير ميدانية أشارت إلى مشاركة مسلحين أجانب في هذه الجرائم، يرتدون الزي الرسمي لوزارة الدفاع التابعة للحكومة السورية الانتقالية. هذا التفصيل، الذي بدا صادماً حتى لمراقبين اعتادوا مشاهد الفوضى، كشف عن ولادة جديدة لعقيدة التكفير، لا من خارج الدولة كما في السابق، بل من داخل مؤسساتها، في نتيجة مباشرة لسياسات الدمج غير المنضبط التي رافقت تشكيل الحكومة أواخر 2024. لم تشهد السويداء “اشتباكاً” بالمعنى العسكري التقليدي، بل تعرّضت لما يشبه عملية إخضاع رمزي منظّم، هدفت إلى كسر نموذج الرفض الشعبي للتطرف، وإعادة رسم الخريطة الاجتماعية بالقوة والعنف المفرط.
المنعطف الأخطر في هذا المسار جاء لاحقاً، في 13 كانون الأول 2025، حين نفّذ عنصر من جهاز الأمن العام التابع للحكومة الانتقالية، تبيّن لاحقاً انتماؤه لداعش، هجوماً مسلحاً في مدينة تدمر، أسفر عن مقتل ثلاثة أميركيين، بينهم جنديان. الهجوم أحدث صدمة واسعة في واشنطن، ليس فقط بسبب استهداف مواطنين أميركيين، بل لأن العملية نُفّذت بهويّة رسمية، ما كشف خللاً بنيوياً عميقاً في مفهوم “المؤسسة الوطنية” الذي روّجت له السلطة الجديدة. ورداً على ذلك، شنّت الولايات المتحدة ضربات جوية استهدفت نحو 70 موقعاً مرتبطاً بداعش داخل سوريا، في رسالة مباشرة مفادها أن الغطاء الرسمي لن يشكّل حماية للإرهابيين، وأن أي تواطؤ أو فشل في ضبطهم سيقابَل بردّ عسكري مباشر.
ولم تمضِ سوى أيام، حتى اتسعت دائرة الدم مجدداً. ففي 26 كانون الأول 2025، وقع انفجار داخل مسجد الإمام علي بن أبي طالب في مدينة حمص أثناء صلاة الجمعة، ما أدى إلى مقتل ثمانية أشخاص وإصابة 18 آخرين بجروح، وفق حصيلة أولية أعلنتها وزارة الصحة السورية عبر وكالة “سانا”. التفجير تبنّته جماعة “سرايا أنصار السنة” المتطرفة، مهددة بمزيد من الهجمات. هذه المجموعة، التي أُسِّست بعد عام واحد من الإطاحة بحكم الأسد السابق، قدّمت نموذجاً جديداً لتنظيمات سلفية عنيفة تنمو في ظل الفراغ الأمني. ولم يكن اختيار حمص، المدينة ذات التركيبة الطائفية الحساسة، تفصيلاً عابراً، إذ كانت قد شهدت قبل أسابيع توترات وجرائم ذات طابع طائفي، ما جعل التفجير يُقرأ كحلقة في تصعيد ممنهج، لا كحادث معزول، ضمن مشهد سوري يتداعى أمنياً بوتيرة متسارعة.
عودة “دولة الظل”
بالتوازي مع المجازر والتفجيرات التي ضربت الساحل ودمشق والسويداء وحمص، كان داعش يعيد ترتيب حضوره بهدوء في الجغرافيا التي لطالما شكّلت مجاله الحيوي: البادية السورية ودير الزور. ففي الوقت الذي انشغلت فيه الحكومة الانتقالية بإدارة أزماتها السياسية والأمنية المتلاحقة، تصاعدت عمليات داعش على نحو لافت خلال الأسبوع الأخير من كانون الأول 2025، في مؤشر واضح على عودة ما يمكن وصفه بـ”دولة الظل” التي تعمل تحت السطح، مستفيدة من الفوضى وانعدام التنسيق الأمني.
هذه الوقائع لم تعد تشير إلى خلايا مشتتة أو هجمات معزولة، بل إلى شبكة منظمة قادرة على التنسيق والحركة، تستثمر هشاشة الأمن وتفكك المؤسسات، وتتحرك في الفراغ الذي خلّفته سياسات الدمج غير المنضبط داخل الأجهزة العسكرية والأمنية. غير أن هذا المشهد لا يمكن قراءته بمعزل عن العامل الإقليمي، وتحديداً الدور التركي. فأنقرة، التي وسّعت تدخلها العسكري والسياسي خلال العام الأول من حكم الحكومة الانتقالية (2024 ـ 2025)، قدّمت نفسها بوصفها “ضامناً للاستقرار”، لكنها عملياً ساهمت في تعميق الفوضى عبر دعم مجموعات مسلحة ذات خلفيات متشددة، وفرض وقائع ميدانية تخدم مصالحها الاستراتيجية على حساب بناء دولة سورية ذات سيادة.
هذا التدخل لم يفتح فقط الباب أمام صراعات جديدة بين المجموعات، بل أضعف قدرة السوريين على بلورة مسار وطني مستقل، وزاد من تعقيد العلاقة بين الحكومة الانتقالية وشركائها الدوليين، الذين باتوا ينظرون بعين الشك إلى قدرتها على ضبط الأرض ومواجهة التنظيمات المتطرفة بجدية.
بعد مرور عام كامل على صعود الحكومة السورية الانتقالية إلى السلطة أواخر 2024، تبدو الحصيلة ثقيلة ومفتوحة على احتمالات أكثر قتامة: مجازر طائفية موثقة بالأسماء والتواريخ، تفجيرات استهدفت كنائس في دمشق ومساجد في حمص، اختراقات مؤكدة لمرتزقة داعش داخل مؤسسات أمنية رسمية، توسّع غير مسبوق للتدخلات الخارجية، وتآكل متسارع للثقة الدولية. السؤال الذي يفرض نفسه اليوم لم يعد محصوراً في عجز الحكومة عن تحقيق الاستقرار، بل في طبيعة المشروع الذي تحمله، وحدود قدرتها أو رغبتها في مواجهة الإرهاب بوصفه خطراً وجودياً، لا ورقة سياسية قابلة للتوظيف. وفي ظل هذا الواقع، تبدو سوريا وكأنها دخلت مرحلة جديدة من التيه، حيث تُرفع شعارات الدولة، بينما تُدار الأرض بمنطق الميليشيا، ويُترك المدنيون وحدهم في مواجهة مستقبل مفتوح على كل الاحتمالات.
No Result
View All Result