No Result
View All Result
دجوار أحمد آغا
منذ عقد من الزمن، شكّلت أحياء الشيخ مقصود والأشرفية وبني زيد في مدينة حلب واحدة من أكثر المناطق استهدافاً وتعقيداً في المشهد السوري، وتعتبر نموذجاً صارخاً لمقاومة وصمود المدنيين أمام دوامة من الحصار الخانق والاعتداءات المتكررة. منذ أيام نظام البعث البائد، مروراً بمرحلة المجموعات المسلحة، وصولاً إلى الهجمات الراهنة، بقيت هذه الأحياء محاصرة بين الجغرافية والسياسة والسلاح، فيما ظلّ سكانها يدفعون ثمن الصراع مع قوى لا تقبل إرادتهم الحرة.
هذه الأحياء تعكس حقيقة المشهد السوري المعقد، منذ حصار “الفرقة الرابعة” سيئة الصيت أيام النظام البائد، وصولاً إلى مرحلة العمشات والحمزات المنفلتة والغير منضبطة ضمن صفوف القوات التابعة للحكومة الانتقالية، حيث تحولت هذه الأحياء إلى حواضن للمقاومة والنضال من أجل الإرادة الحرة والتمسك بالعيش المشترك؛ الأمر الذي لم يرُق بأصحاب الأجندات الإقليمية التي تُريد ابتلاع حلب بالكامل.
إرث النظام البائد.. حصار ممنهج وهجمات متتالية
منذ بداية الانتفاضة ضد نظام بشار الأسد البائد، كانت أحياء الشيخ مقصود والأشرفية – ذات الغالبية الكردية والمختلطة – من بين المناطق التي تعرضت لضغوطٍ عسكرية وسياسية متواصلة، فقد شهدت هذه الأحياء حصارًا متقطعاً من قبل قوات النظام السوري خلال السنوات الماضية ومن ثم مِن قبل الفرقة الرابعة تحديداً، حيث منعت وصول المواد الأساسية مثل الخبز والوقود، ما أدى إلى أزماتٍ إنسانية حادة لسكانها. الآن تتكرر الوقائع التاريخية، سياسات حصار غير معلنة تمثلت في قطع الطرق، ومنع دخول المواد الغذائية والطبية، واستهداف البنية التحتية بالقصف المدفعي، في محاولة لكسر إرادة سكانها ودفعهم إلى الخضوع، أما حي بني زيد، فقد كان من أوائل الأحياء التي تحولت إلى ساحة عسكرية مفتوحة، حيث شهد دماراً واسعاً نتيجة المعارك وأدى إلى تهجير جزء كبير من سكانه، وتحوّل إلى خط تماس دائم.
هجمات مرتزقة الاحتلال التركي
لم تقتصر التحديات على النظام السابق؛ فقد تعرّضت هذه الأحياء لهجمات واسعة من المجموعات المسلحة والمدعومة من تركيا وخاصةً في فترات الحملة العسكرية على مناطق شمال سوريا، ففي عام 2016، شنّت عشرات المجموعات المسلحة هجوماً واسع النطاق على أحياء الشيخ مقصود وبني زيد والأشرفية، مستخدمةً أسلحة ثقيلة من دبابات ومدافع وهاون وصولاً إلى راجمات الصواريخ عبر قصف عشوائي، ما أدى إلى ارتقاء مئات المدنيين للشهادة وترويع السكان. وتشمل تلك المجموعات مثل أحرار الشام، جبهة النصرة ومجموعات مرتبطة بما يُسمى “الجيش الوطني” المدعوم من تركيا، وقد اتّسمت تلك المعارك بشراسة غير مسبوقة، وترافق معها استخدام أسلحة محظورة (غازات كيماوية) خلفت أوضاعاً إنسانية صعبة للغاية الأمر الذي أدى إلى نزوح وتهجير جزء من السكان والعيش في مخيمات التهجير تحت تهديد دائم.
حصار ما بعد الحرب… أدوات مختلفة ونتيجة واحدة
رغم تراجع العمليات العدوانية الكبرى، لم تنتهِ معاناة السكان. فخلال السنوات الأخيرة، فُرضت أشكال جديدة من الحصار: إغلاق المعابر، تعطيل الخدمات، التضييق على الحركة، وخلق أزمات معيشية متكررة، في ظل صمت دولي وتداخل سلطات الأمر الواقع. يرى سكان الأحياء أن هذه السياسات ليست سوى امتداد للحصار القديم بأساليب جديدة، هدفها إنهاك المجتمع المحلي، ودفعه للتنازل عن حقه في إدارة شؤونه بحرية. وهو أمر مرفوض قطعاً من جانب أهالي تلك الأحياء التي أصبحت نموذجاً حياً للمقاومة ولحرب الشعب الثورية.
اتفاق العاشر من آذار… الإطار السياسي العام
في هذا السياق المعقد، شكّل اتفاق 10 آذار بين قائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي ورئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع نقطة تحول سياسية. حيث نص الاتفاق على ثماني بنود عبارة عن مبادئ عامة تسير وفقها خارطة طريق الحل في سوريا. أبرز هذه البنود كانت:
ـ وقف التصعيد العسكري بين الأطراف.
ـ دمج المؤسسات العسكرية والمدنية ضمن إطار الدولة.
ـ ضمان الحقوق السياسية والثقافية لجميع المكونات.
ـ فتح الطريق أمام حلول محلية مستدامة.
اعتُبر الاتفاق محاولة لتفكيك الصراع المزمن بين المركز والأطراف، ووضع أساس لحلول تدريجية، خاصةً في المناطق الحساسة مثل حلب.
اتفاق الأول من نيسان… ترجمة محلية للتفاهمات
استناداً إلى اتفاق 10 آذار، تم في الأول في نيسان توقيع اتفاق خاص بين مجلس أحياء الشيخ مقصود والأشرفية ومحافظ حلب، بوصفه خطوة تنفيذية على الأرض. تضمّن الاتفاق جملة من البنود، أبرزها:
ـ إنهاء المظاهر المسلحة داخل الأحياء. تنظيم الملف الأمني بما يضمن حماية السكان دون عسكرة الحياة اليومية.
ـ إعادة فتح الطرق وفك الحصار بشكلٍ كامل.
ـ ضمان استمرار المؤسسات الخدمية والتعليمية دون تدخّل سياسي.
ـ احترام الخصوصية الاجتماعية والثقافية للأحياء.
رحّب الأهالي بالاتفاق بحذر، معتبرين إياه فرصة لالتقاط الأنفاس، لكنه في الوقت ذاته اختبار حقيقي لصدق النوايا.
الحصار الجديد والهجمات المتكررة مؤخراً
فرضت المجموعات التابعة للحكومة الانتقالية حصاراً كاملاً على هذه الأحياء، مغلقة سبع طرق رئيسية ودون تفسير واضح، ما أثار احتجاجات شعبية ومطالبات لرفع الحصار. كما أنها قامت بقطع الكهرباء والإنترنت بصورةٍ متعمدة، إنشاء حواجز ترابية تعرقل حركة السكان وتمنع دخول المواد الأساسية، عمليات اعتقال تعسفي واستمرار إطلاق النار حول الحواجز. وعلى الرغم من بيانات الاستنكار ونداءات للداخل والخارج من جانب مجلس عشائر الأحياء لوقف الهجمات والانتهاكات، إلا أن المجموعات “الغير منضبطة” وهي التسمية التي كانت تطلقها الحكومة الانتقالية على فرق عسكرية تابعة لها من مرتزقة ما يُسمى الجيش الوطني التابع فعلياً لتركيا ومتزعميها (أبو عمشة، وأبو حاتم شقرا، وفهيم عيسى، وغيرهم) الذين قاموا بالهجوم على هذه الأحياء لكنهم واجهوا مقاومة شرسة من جانب قوى الأمن الداخلي “الأسايش” وأهالي الأحياء الأمر الذي دفعهم الى وقف الهجمات مؤقتاً دون فك الحصار.
تحديات التنفيذ ومخاوف الأهالي
تلقى الأحياء دعماً محلياً وإدارياً من الإدارة الذاتية الديمقراطية لإقليم شمال وشرق سوريا وقوات سوريا الديمقراطية، في مقابل ازدواجية التعامل مع الحكومة الانتقالية والمجموعات المدعومة من تركيا. وقد أدّت هذه الانقسامات إلى استمرار النزاعات، رغم دعوات متعددة لتطبيق وقف إطلاق النار والتوصل إلى حلولٍ سياسية تحفظ حقوق الأهالي. لكن؛ في حقيقة الأمر بدلاً من ضمان حرية التنقل بين هذه الأحياء وبقية أحياء حلب واحترام حقهم في الإرادة الحرة بعيداً عن الاملاءات الخارجية الإقليمية والدولية. تحديات كثيرة تواجه تنفيذ التفاهمات التي جرت مؤخراً ومخاوف الأهالي تزداد في ظل غياب أفق واضح للحل المستدام. 
صراع على الحياة قبل السياسة
قضية أحياء الشيخ مقصود، الأشرفية، وبني زيد، ليست مجرد ملف أمني، بل حكاية ارادة حرة ترفض الخنوع والاستسلام، صمدت أمام الحصار والقصف والتجويع، ورفضت أن تكون ورقة في صراع الآخرين. من النظام البائد، إلى المجموعات المرتزقة المدعومة من تركيا، وصولاً إلى تعقيدات المرحلة الراهنة، يبقى مطلب السكان واحد، ألا وهو العيش بكرامة، دون حصار، دون تجويع، دون وصاية، وبإرادة حرة حقيقية.
على الرغم من سنوات الحرب الطويلة، بقيت هذه الأحياء رمزاً للمقاومة المدنية والصمود في مواجهة الحصار الممنهج والهجمات العاتية. ظل سكانها يناضلون من أجل حياتهم اليومية وحقهم في حرية اختيار مستقبلهم بعيداً عن الهيمنة الخارجية وسياسات الحصار والعنف العرقي أو الطائفي والمذهبي.
No Result
View All Result