No Result
View All Result
أحمد بيرهات
شكّل عام 2025 لحظة كاشفة في مسار النظام الدولي، ليس بوصفه عاماً حافلاً بالأزمات فحسب، بل باعتباره نقطة انعطاف بنيوية تكشف عن تفكك القواعد التي حكمت النظام العالمي منذ نهاية الحرب الباردة. فالنظام الذي تشكل عقب انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، والقائم على الهيمنة الأمريكية، لم يعد قادراً على إنتاج الاستقرار أو فرض قواعده، في وقت لم تنجح فيه القوى الصاعدة في بناء بديل متماسك.
لا يعيش العالم انتقالاً منظماً نحو تعددية قطبية مستقرة، بل حالة تفكك هيكلي تتراجع فيها مراكز الهيمنة دون أن تتبلور قيادة بديلة. وضمن هذا الفراغ، يدخل العالم مرحلة يمكن توصيفها بـ “الفوضى المنظمة”، تُدار فيها الصراعات دون أفق حسم، وتُستبدل القواعد بالمرونة، والقانون بالقوة.
في هذا السياق، لم تعد السياسة الدولية تُدار وفق توازنات القوة الكلاسيكية فقط، بل باتت ساحة لصراعات مركبة تتداخل فيها الجيوبوليتيك مع الهويات، والسرديات التاريخية، والانقسامات الثقافية.
سياسات الدول المؤثرة ومآلاتها خلال عام 2025 باقتضاب
الولايات المتحدة الأمريكية
تحركت في عام 2025 وفق منطق إدارة التناقض: خطاب قيمي يقابله سلوك براغماتي، انسحابات نسبية تترافق مع تصعيد بالوكالة، واحتفظت بتفوق عسكري ومالي وتكنولوجي. فهذا التناقض يخفي استراتيجية أعمق تقوم على ثلاثية ثابتة: احتواء الصين، إنهاك روسيا، وحماية إسرائيل. فالصعود الصيني يمثل التحدي البنيوي الأكبر، ما يدفع واشنطن إلى إعادة توجيه مواردها نحو آسيا، وتقليص انخراطها المباشر في نزاعاتٍ أخرى دون التخلي عن إدارتها. أما الحرب في أوكرانيا، فتمثل أداة لاستنزاف روسيا وإعادة ربط أوروبا بالمظلة الأمريكية، فيما تبقى إسرائيل ركيزة غير قابلة للمساومة، حتى على حساب الخطاب الحقوقي الغربي.
التقارب الروسي الصيني
لم ينجح التقارب الروسي – الصيني في تشكيل نواة لنظام بديل، فهو تحالف ضرورة أكثر منه شراكة استراتيجية. روسيا تدخل هذا المحور من موقع الإنهاك بفعل حرب أوكرانيا والعقوبات، ما قيّد استقلال قرارها ودفعها للاعتماد المتزايد على الصين. أما بكين، فتنظر إلى موسكو ببراغماتية حذرة، مستفيدة منها اقتصادياً وجيوسياسياً، دون استعداد لتحمل كلفة مواجهة مفتوحة مع الغرب، فهذا الاختلال يجعل التحالف هشاً وغير قادر على إنتاج قواعد جديدة للنظام الدولي.
الاتحاد الأوربي والحرب في أوكرانيا
الحرب في أوكرانيا شكّلت حدثاً تأسيسياً أعاد تعريف الصراع العالمي، مؤكداً نهاية مرحلة ما بعد الحرب الباردة. فقد كشفت هشاشة الأمن الأوروبي، وأعادت الطاقة إلى قلب الصراع الجيوسياسي، ودفعت دولاً عديدة للبحث عن بدائل للنظام المالي والسياسي الغربي، وفي الوقت نفسه، امتدت تداعياتها إلى الشرق الأوسط، مع توسيع هوامش المناورة الإقليمية، وتحول المنطقة إلى جزء لا يتجزأ من لعبة التوازنات الكبرى.
الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي
أما الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، فقد دخل بعد 7 تشرين الأول 2023 مرحلة جديدة، ولم يعد نزاعاً قابلاً للإدارة عبر مسارات تفاوضية مجمدة، بل تحول إلى اختبار أخلاقي وإنساني للنظام العالمي. الرد الإسرائيلي الواسع على غزة، وما رافقه من كلفة بشرية هائلة، كشف ازدواجية المعايير الغربية، وأعاد القضية الفلسطينية إلى صدارة الوعي العالمي، لكنه في الوقت ذاته عمق المأزق السياسي وفتح الباب أمام صراع طويل الأمد دون أفق حل واضح.
سقوط نظام الأسد ودور الحكومة السورية الانتقالية واتفاقية10 آذار
في سوريا، لم يؤدِ سقوط نظام الأسد نهاية 2024 إلى انتقال ديمقراطي، بل كشف عن عمق الأزمة البنيوية للدولة. إذ أعادت منظومات الاستبداد إنتاج نفسها بأشكال جديدة، وسط فراغ سلطوي، وتعدد مراكز القوة، وتصاعد الهويات الطائفية من قبل الحكومة السوريّة الانتقالية. وغياب العدالة الانتقالية والمحاسبة فتح الباب أمام منطق الثأر، وأعاد إنتاج العنف كوسيلة لتنظيم العلاقة بين السلطة والمجتمع، ما ينذر بتفكك النسيج الوطني على المدى الطويل.
ضمن هذا المشهد، شكلت اتفاقية 10 آذار 2025 بين الحكومة السوريّة الانتقالية وقوات سوريا الديمقراطية فرصة نادرة لإعادة تعريف السيادة على أساس اللامركزية، غير أن العقلية المركزية في دمشق، والضغوط الإقليمية، وغياب إرادة دولية ضاغطة، أفشلت ترجمة الاتفاق إلى مسار فعلي، حتى الآن على الأقل. ومع ذلك، تظلُّ تجربة الإدارة الذاتية الديمقراطية نموذجاً عملياً (رغم تحدياته) لإمكانية كسر منطق الدولة الأمنية وبناء إدارة مجتمعية تشاركية.
دعوة القائد عبد الله أوجلان في 27 شباط وحل القضية الكرديّة
تتداخل القضية الكردية بدورها مع أزمة الدولة القومية في المنطقة، وفي هذا السياق، اكتسبت دعوة عبد الله أوجلان في شباط 2025 لإنهاء الكفاح المسلح وبدء مرحلة الكفاح السياسي دلالة استراتيجية عميقة، تنقل الصراع من منطق العنف إلى أساس السياسة الديمقراطية المجتمعية. هذه الدعوة، إن جرى التعامل معها بجدية، تفتح أفقاً لإعادة تعريف العلاقة بين الكرد والدول القائمة على أساس الشراكة والحقوق، لا الإنكار والقسر.
دور الدول الإقليمية
إقليمياً، تتحرك القوى الرئيسية ضمن هامش ضيق بين الطموح والارتباك، فتركيا تسعى لتكريس نفوذها لكنها تبقى أسيرة عقدتها الكردية. وإيران تواجه تراجعاً في مشروعها الإقليمي تحت وطأة الضغوط والعقوبات بينما تعتمد دول الخليج براغماتية قائمة على الاقتصاد والوساطة. غير أن القاسم المشترك بينها جميعاً هو غياب رؤية إقليمية جماعية للأمن، ما يُبقي المنطقة رهينة دورات متكررة من عدم الاستقرار.
مقاومة حيي الشيخ مقصود والأشرفية
اُستهدِف حيا الشيخ مقصود والأشرفية، من خلال الهجمات التي شنتها المجموعات المنضوية في وزارة الدفاع السورية، والمدعومة من أنقرة تحديداً لم تكن صدفة، بالتوازي مع تشديد الحصار الذي تفرضه حكومة دمشق الانتقالية على سكانهما. لكن؛ النتائج جاءت عكس ما أرادته أنقرة، فقد أظهرت أبناء حيي الشيخ مقصود والأشرفية تماسكاً مجتمعياً نادراً، حيث توحدت ثالوث الإدارة والقوة الدفاعية، والأهالي في مواجهة الحصار والهجمات، واستعادوا روح المقاومة التي عرفها العالم في سنوات 2013 ـ 2016 عندما تصدوا للمجموعات الإرهابية ودافعوا عن الحيين ومدينتهم العريقة حلب في شهر 6 تشرين الأول و22 كانون الأول 2025.
خلاصة أحداث 2025
كشف عام 2025 عن أزمة نظام عالمي عميقة، ليست أزمة توازن قوى فقط، بل أزمة معنى وشرعية، فالشرق الأوسط بات إحدى العقد المركزية في هذه الأزمة، حيث تتقاطع الصراعات المحلية مع التحولات الدولية. وفي مقابل فشل المقاربات الأمنية والعسكرية، تبرز اللامركزية، والكونفدرالية الديمقراطية المجتمعية، والاعتراف بالتعددية، كمساراتٍ واقعية لإعادة بناء الاستقرار. وبين استمرار إدارة الأزمات، أو انبثاق مسارات سياسية جديدة تفرضها الوقائع المجتمعية، تتحدد ملامح المرحلة المقبلة.
جميع هذه التطورات، من فلسطين وسوريا واليمن إلى كردستان، ومن طهران إلى نيودلهي، إلى صراعات آسيا الوسطى وروسيا وأوكرانيا، تتقاطع جميعها عند نقطتين مركزيتين وهما:
ـ ذهنية السلطة، وعقلية الاستحواذ، ونموذج الدولة القومية بوصفه أصل الداء.
– الحلول العسكرية أثبتت فشلها، والتحالفات الدولية فقدت أخلاقيتها، ولم يتبقَ سوى خيار واحد وهو: العودة إلى الكومونالية (المجتمعية)، وتحقيق العدالة والديمقراطية المطروحة من قبل عالم علم الاجتماع الحديث القائد عبد الله أوجلان في كتابه الأخير مانيفستو “السلام والمجتمع الديمقراطي”.
No Result
View All Result