No Result
View All Result
بدرخان نوري
لا تجري الرياحُ الإقليميّة كما تشتهي سفنُ أنقرة، فتفرضُ المتغيراتُ التي تشهدها منطقةُ الشرق الأوسط والسياساتُ الدوليّة على أردوغان مراجعةَ جيدةً لخريطةِ الأنواءِ وضبط بوصلةَ حراكه السياسيّ، فالمركبُ التركيّ المثقلُ بالأزماتِ الاقتصاديّةِ وارتفاعِ معدلِ التضخم وزيادة التذمر الشعبيّ لا يمكنه مواجهةَ أمواجِ الرفض الدوليّ والإقليميّ العاتية، ولن يتجاوز دوره في سوريا، فتحرك المجموعات المرتزقة لتفتعلَ اشتباكاتٍ محدودةً. وإذ أدرك دولت بهجلي المتغيرات فبادر لإعلان مبادرة سلامٍ لإنقاذِ تركيا الدولة. لكنّ؛ أردوغان يعاند متمسكاً بطموحاتٍ شخصيّة وحزبيّة لضمانِ بقاءِ النظام.
من يعطل اتفاق آذار
لا يمكن وصف الاشتباكات التي اندلعت في حيي الأشرفية والشيخ مقصود في مدينة حلب مساء الاثنين، 22/12/2025، بأنّها حادثٌ أمنيّ طارئ على خط التماس، بل كانت رسالة سياسيّة بلغةِ التصعيد الميدانيّ، إذ تزامنت مع زيارة وفد تركيّ رفيع المستوى إلى دمشق، ضم وزيري الخارجية والدفاع ومسؤول الاستخبارات، وطرحت الزيارة أسئلة مباشرة حول مستقبل سوريا والتوازنات الميدانيّة في الشمال السوريّ.
ما جرى في حلب لا يمكن اختزاله بخلافٍ ميدانيّ عابر بين قياداتٍ محليّة. بل هو محطة اختبار فعليّة لإعادة ضبط الدولة، وبالوقت نفسه محاولة من الداخل لكسر هذا الضبط عبر أدواتٍ مرتهنة لإرادة الاحتلال التركيّ. وهناك خلافٌ بين القيادات العسكريّة المسؤولة عن حلب حول سحب السلاح الثقيل من محيط حيي الشيخ مقصود والأشرفية، والالتزام الكامل ببنود الهدنة، انطلاقاً من إدراك أنّ أيّ انفلاتٍ في هذه الجبهة ستتم قراءته دوليّاً على أنّه خرقٌ مباشرٌ للجهدِ الدوليّ الذي تُوّج باتفاق العاشر من آذار وقبل ذلك بمسار طويلٍ أفضى إلى إسقاط النظام.
من الغريب أن يتداول معظم السوريين الحديثَ عن مساعي التوصل إلى اتفاقٍ سياسيّ بين قسد وسلطات دمشق الانتقاليّة، فيما الحقيقة أنّ الاتفاقَ تمَ بصورةٍ مثاليّةٍ في العاشر من آذار، ونذكر الاحتفال العارم الذي اجتاح سوريا واحتفى به كلّ السوريون على اختلاف تموضعهم. وهناك اتفاق الأول من نيسان الخاص بوضع حيي الأشرفية والشيخ مقصود.
النقاش في الأروقةِ السياسيّة كبيرٌ حول تنفيذ اتفاق العاشر من آذار الموقع بين رئيس الحكومة الانتقاليّة أحمد الشرع والقائد العام لقوات سوريا الديمقراطيّة مظلوم عبدي، والذي وُصف بالتاريخيّ، وأنّه أهم إنجاز بعد سقوط نظام البعث، وتضمن الاتفاق ثماني نقاط أساسيّة، من شأنها أن تؤسس خريطة طريق لحلّ الكثير من القضايا العالقة وتسير بالمركب السوريّ إلى شواطئ الأمن والاستقرار بعد 14 سنة من أمواج العنف والاقتتال والتشرذم لجوءاً ونزوحاً وتهجيراً. والاتفاق يشكّل منطلقاً لبناء سوريا المستقبل على أسس الشراكة الوطنيّة والإقرار بالتعدديّة.
لكن أنقرة فعلاً غير راضية عن الاتفاق، ليس كواقع عسكريّ أو سياسيّ، بل لأنّه يشكّل وثيقة سياسيّة استثنائيّة تضمن مسائل حقوقيّة، وتخشى انتقال عدوى الاتفاق إليها. وأنقرة لديها أنصار وأدوات وكيانات سياسيّة وعسكريّة داخل سوريا، إضافة لطيفٍ كبيرٍ من الموالين لها في سوريا بعضهم في مواقع المسؤوليّة وطوابيرَ نشطة في الواقع والعالم الافتراضيّ. وكلّ هؤلاء عملوا على خطابِ الكراهية والتشكيك، فيما عملت الدبلوماسية التركيّة الرسميّة على التدخل المباشر والضغط لإضافة تفاصيل معطّلة لتطبيق الاتفاق.
تضمّن الاتفاقُ موعداً افتراضيّاً وليس قطعيّاً قبل نهاية عام 2025، كما لا يتضمن الاتفاقُ أيَّ إشارةٍ لدورٍ تركيّ في إنفاذه أو المساءلة، وإذ يتم تداول الكثير من الفرضيات ويُوجّه الاتهامُ إلى قوات سوريا الديمقراطيّة بالتسويف، إلا أنّ الاتهامَ يسقطُ تلقائياً بالنظر إلى حقيقةِ أنّ أهمَّ عاملٍ معطّلٍ لتطبيقِ الاتفاق يكمنُ باختزالهِ والتركيز على البند الرابع المتعلق بدمج المؤسسات العسكريّة والأمنيّة في بنية الدولة (وزارة الدفاع)، وفرض تأويلات خاصة تفضي إلى الحلّ وليس الدمج، فيما لم يتم الالتزام بأيّ من البنود السبعة الباقية، ومنها وقف الأعمال القتاليّة في سوريا وعودة النازحين والمهجرين والتوقف عن خطاب التحريض والكراهية.
من السطحيّة بمكان اتهام قسد بتعطيلِ تطبيق الاتفاق، بل يجب طرح السؤال عن صاحبِ المصلحة بذلك، لأنّ تنفيذَ الاتفاق بتمامه يعني أنّ قسد أضحت جزءاً من الجيش السوريّ الجديد، ما يُسقِط كلّ ذرائع أنقرة الافتراضيّة بما فيها ذريعة أمنها القوميّ ويفرض عليها سحب قواتها التي تحتل مناطق سوريّة. وفي الوقت نفسه فتح المجالِ أمام بناء سوريا الديمقراطية وبالتالي إنهاء الوصاية التركيّة.
وفيما ترتفع حدة التصريحات وتضج المواقع الإعلاميّة بالتحليلات والتكهنات وطرح الفرضيات، والترويج للقاءٍ جرى في دمشق، فإنّ المسارَ السياسيّ في إقليم شمال وشرق سوريا يتسم كعادته بالهدوء، والإثنين 29/10/2025 أعلن المركز الإعلاميّ لقوات سوريا الديمقراطيّة، أنّ الزيارة التي كان من المقرر أن يجريها القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي، إلى دمشق برفقة وفد التفاوض لشمال وشرق سوريا، قد تأجّلت لأسباب تقنيّة. وأوضح التنويه أنّ التأجيل يأتي في إطار الترتيبات اللوجستيّة والفنيّة المرتبطة بالزيارة، على أن يتم تحديد موعدٍ جديدٍ لاحقاً بالتوافق بين الأطراف المعنية. كما أكّد أنّ التأجيل لا يطرأ معه أيّ تغيير على مسار التواصل أو على الأهداف المطروحة، للتباحث بشأن اتفاقية العاشر من آذار.
تركيا ليست بديلَ إيران
جملة من الأحداث تتابعت وأسقطت وهمَ تحولها على المستوى الإقليميّ، كأحد ثلاثة رؤوس من مثلثِ القوة الإقليميّة بحسب توصيف أحمد داوود أوغلو في نظرية “العمق الاستراتيجيّ” ورؤوس المثلث هي مصر وتركيا وإيران.
عمليّاً تركيا مضطرة للانكفاء، بعد انكفاء إيران بعد الحرب الطويلة في غزة وإضعاف حزب الله وسقوط النظام السوريّ وتوجيه ضربات مباشرة للحوثيين والتحولات التي يشهدها اليمن، وانتهاء نظرية وحدة ساحات المقاومة، وكانت أنقرة رغم تناقضها مع طهران تستفيد من زخم الوجود الإيرانيّ بالمنطقة، إذ كانت مقبض العصا الغربيّة، وقد شهد الميدان السوريّ تجليات ذلك التناقض على الأرض دون مواجهة مباشرة بين تركيا وإيران، وكانت تنضويان في إطار تنسيقيّ إلى جانب روسيا فيما يعرف بترويكا أستانة.
مع التراجع الإيرانيّ؛ كُشف الغطاءُ عن دورِ تركيا وأجندتها في سوريا، وفُرض عليها مواجهةُ جملة تحديات فشلت في إدارتها. فتمّ استبعادها من أيّ دورٍ في غزة، واستهدفت مواقع عسكريّة لها في سوريا ولم تُمنح الضوء الأخضر لشنّ عدوان جديد في سوريا، وأدرجت المجموعات المرتزقة التابعة لها في قوائم الإرهاب آخرها من بريطانيا في 19/12/2025، بسبب الانتهاكات المرتكبة في الساحل، وهي ذاتها المجموعات التي توصف بالمنفلتة والتي تزجّ بها أنقرة لاستهداف حيي الشيخ مقصود والأشرفية.
كانت تركيا قد استغلتِ التناقضات الدوليّة وتجاوزت كونها مجرد قوة عسكريّة فاعلة في الشمال السوريّ، وسعت للتحوّل إلى فاعلٍ سياسيّ في إطار هندسةِ ترتيباتِ ما بعد الحرب عبر اتفاقات ميدانيّة مع روسيا وإيران وقطر. وواجهت مأزقاً استراتيجياً يتمثل في تناقض مصالحها بين واشنطن وموسكو، وبين طموحها الإقليميّ ومحدوديّة أدواتها الاقتصاديّة. وعملت على استدراك التحولات في سوريا لتحقيقِ أقصى من المكاسب، إلا أنّها لاحقاً أدركت أنّه من غير المسموح على مستوى القرارِ الدوليّ أن تكون بديلة إيران في سوريا. وأنّ القفازات التي ترتديها في تدخلها الخارجيّ مآلها الاهتراء.
بحث عن ماء الوجه
في 27/2/2025 دعا القائد عبد الله أوجلان إلى إنهاء العمل المسلح، معتبراً أن حزب العمال الكردستاني قد أدّى دوره كحركةِ كفاحٍ مسلحٍ، وأنّ المرحلة القادمة يجب أن تكون مرحلةً سياسيّةً بامتياز، تُبنى على الحوارِ والمفاوضات، وأعلن حزب العمال الكردستاني في 12/5/2025، في البيان الختاميّ لمؤتمره الثاني عشر، والذي عقد في الفترة الممتدة بين 5 -7 أيار، الاستجابةَ إلى نداء “السلام والمجتمع الديمقراطيّ” الذي أطلقه القائد أوجلان، وقرر حلَّ الهيكل التنظيميّ للحزب وإنهاء أسلوب الكفاح المسلّح والأنشطة التي كانت تمارس باسم الحزب، ليختمَ مرحلةً تجاوزت أربعة عقود من الكفاح المسلح، ويمنحَ السلامَ فرصةً حقيقيّة كبيرة، ويضعَ الحكومةَ التركيّة أمام أهم اختبارٍ سياسيّ من شأنه إعادة صياغة الدولة التركيّة ومستقبلها. كان دولت بهجلي قد تلقف مبكراً المتغيرات الدوليّة والإقليميّة وأعلن في 22/10/2024 عن مبادرة لحلّ القضية الكرديّة، في مسعى لإنقاذ تركيا الدولة، فيما يعاند أردوغان ويماطلُ للحفاظ على مكاسب حزبيّة ويضمن بقاء النظام، ولا يختلف عنه في مساعيه وزير الخارجية هاكان فيدان الذي يتطلع إلى الرئاسة.
وبذلك؛ فإنّ فرصتي سلام تسيران على توازٍ على طرفي الحدود، إحداهما في سوريا وفق مقتضيات اتفاق العاشر من آذار، والأخرى داخل تركيا بعنوان “السلام والمجتمع الديمقراطيّ”، وتعمل أنقرة على عرقلةِ المسارين بربطهما بشروط والمماطلة فيهما، والحقيقة أنّ أنقرة تخشى السلام أكثر من الصراعِ المسلّح.
اليوم تسير المنطقة باتجاه نظامٍ إقليميٍ جديد، تتراجع فيه الأيديولوجيات الكبرى لصالح حسابات المصالح، وتبرز فيه قوى غير تقليديّة بينهم الكرد ومعهم طلاب الديمقراطيّة، والمستقبل الذي سيُبنى لن يكون وفق منطق المنتصر والمنهزم، بل على أساسِ توازنِ الضروراتِ وبناء علاقات الشراكة المتبادلة تضمن لكلّ طرفٍ مكانته ومصالحه في عالمٍ ما بعد الحربِ، ولعل أقرب توصيف للموقف التركيّ أنّه شكلٌ من الدجلِ السياسيّ، بالانتقال من مساعي تعطيل اتفاق العاشر من آذار إلى المداهنة، ليكونَ القبولُ به مخرجاً من المأزقِ السياسيّ على إيقاع اشتباكات محدودة في حلب وريفها الشرقيّ.
ليس بوسع أنقرة أن تستمر في مساعي تعطيل اتفاق العاشر من آذار الذي يحظى بتوافقٍ دوليّ، والإصرار على فرض تأويلها الخاصة للاتفاق، وأقصى ما يمكنها فعله هو الضغط السياسيّ والإعلاميّ ومحاولة محدودة لإدارة تفاوضٍ تحت النار، لتصدّر إلى الداخل التركيّ خطاباً يبرر تراجعها، وتدّعي أنّ الصيغة التي تمّ التوصل إليها في سوريا كان بفضلها. وبعبارة أخرى هو البحث عن خطابٍ سياسيّ للداخلِ يحفظ ماء الوجه. فيما ستلعب الماكينة الإعلاميّة دورها الترويج لنصرٍ.
خروج من المعادلة الإقليميّة
لم يكن كانون الثاني 2025 فألاً حسناً على النظام التركيّ بل في التاريخ التركيّ الحديث، فهو الأكثر حرجاً له. صحيحٌ أنّ تركيا لم تنخرط مباشرةٍ في أيّ حربٍ، ولكنها تلقت سلسلة من الضربات تلقتها شرق المتوسط، فقد تم تثبيت محور سياسيّ عسكريّ استبعدها بوصفها خطراً يجب تحييده. والقمة الثلاثيّة بين إسرائيل واليونان وقبرص والتي انعقدت في القدس في 22/12/2025 لم تكن لقاءً بروتوكولياً، بل إعلانَ انتقالِ التنسيق إلى مستوى بنيويّ دائم. والرسالة لم تكن موجهة إلى الإعلام، بل إلى الجغرافيا نفسها: بأنّ هذا البحر لم يعد مفتوحاً للمناورة. وقالت مصادر إسرائيلية إنّ الهدف ليس إنشاء تحالفٍ عسكريّ رسميّ، بل إقامة “جدار ردع” عبر التنسيق والتعاون والتدريبات المشتركة، وإيصال رسالة واضحة لتركيا بضرورة وقف التصعيد.
وشهدت الفترة من 30 تشرين الثاني حتى 20 كانون الأول 2025 سلسلة أحداث أحرجت تركيا، منها هجمات على سفنٍ روسيّة داخل المياه الاقتصاديّة التركيّة في البحر الأسود، واختراق طائرات مسيّرة الأجواء التركية ففي 16/12/2025 أُسقطت طائرة مسيّرة اخترقت المجال الجويّ التركيّ. وفي 19/12/2025 أُعلن العُثور على طائرة مسيّرة روسيّة من طراز Orlan-10، في ولاية كوجالي، وأخرى يُعتقد أنّها من طراز Merlin في حقل خالٍ بولاية باليكسير. كما تعرضت ناقلة النفط “فيرات” إلى هجوم بواسطة مركبة بحريّة مسيّرة على مسافة 35 ميلًا بحريًا من السواحل التركيّة، وتعرضت ناقلة النفط “كايروس” لانفجار إثر هجوم على بعد نحو 28 ميلًا من سواحل البحر الأسود، وأعلنت أوكرانيا مسؤوليتها عن الهجومين، فيما نفت كييف مسؤوليتها عن هجوم بطائرة مسيّرة استهدف السفينة “ميدفولغا-2” على بعد 80 ميلاً من الساحل التركيّ. وتعرضت ثلاث سفن ترفع العلم التركيّ لأضرار خلال هجمات روسيّة استهدفت موانئ تشورنومورسك وأوديسا الأوكرانيّة على البحر الأسود.
يضاف إلى كلّ ذلك حادث تحطم طائرة طراز فالكون 50 على متنها الفريق محمد علي الحداد رئيس أركان الجيش الليبيّ مع أربعة من مرافقيه في23/12/2025، أثناء رحلة عودته إلى طرابلس من زيارة رسميّة إلى أنقرة، وكان الحداد أحد أبرز مهندسي التنسيق العسكريّ بين طرابلس وأنقرة. يمكن القول إنّ أنقرة خرجت من المعادلة الإقليميّة ولكن ليس عبر الاستهداف المباشر، بل الحصار، وتؤكد تل أبيب أنّ تركيا لم تُهزم عسكريّاً، لكنها حُيّدت استراتيجياً، وهذا أسوأ أشكال الهزيمة في النظام الدوليّ الجديد. ففي زمن التفوق التقنيّ، لا تكفي الإرادة أو الأسطول، ومن يمكنه إغلاقَ الأجواءِ يفرضُ شروطه على الأرضِ.
No Result
View All Result