No Result
View All Result
أكرم بركات (صحفي)
لم يعد تغييب الجولان السوري المحتل من الخطاب السياسي لبعض قوى الأمر الواقع مجرد تفصيل عابر أو خطأ تقني، بل بات مؤشرًا واضحًا على مسار سياسي بالغ الخطورة، يقوم على المقايضة بين السيادة والشرعية. فإزالة الجولان من الخرائط الرسمية الصادرة عن الحكومة الانتقالية التابعة لهيئة تحرير الشام لا يمكن فصلها عن سياق أوسع، يتمثل في مشروع تطبيع غير معلن مع إسرائيل، يُدار بهدوء ويُسوَّق تحت عناوين “الواقعية السياسية” و”ضرورات الاستقرار”.
هذا التحول يعكس انتقالًا خطيرًا من خطاب يدّعي الثورة والتحرر، إلى سلطة وظيفية ترى في القضايا الوطنية الكبرى عوائق يجب تجاوزها مقابل تثبيت الحكم ونيل اعتراف خارجي محدود.
الجولان.. قضية سيادة لا تقبل الشطب
تُعد هضبة الجولان من أعمدة السيادة الوطنية السورية. فمنذ احتلالها عام 1967 وضمها غير الشرعي عام 1981، بقيت الجولان أرضًا سورية محتلة بموجب القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، ولا يملك أي طرف سياسي، مهما كانت صفته، حق التصرف بها أو التنازل عنها.
وعليه، فإن شطب الجولان من الخرائط لا يعني فقط تجاهل قضية وطنية، بل يمثل إعادة تعريف للجغرافيا السورية وفق منطق الاحتلال، وتحويل الحق السيادي إلى تفصيل قابل للإلغاء حين يتعارض مع مصالح السلطة. التطبيع لا يبدأ دائمًا بتوقيع اتفاقيات رسمية أو مصافحات علنية، بل غالبًا ما يتسلل عبر خطوات ناعمة ومدروسة، مثل تغييب القضايا الخلافية من الخطاب، أو إسقاط توصيف الاحتلال، أو تعديل الرموز الوطنية.
في هذا السياق، تشكّل إزالة الجولان من الخرائط خطوة تطبيعية بامتياز، لأنها تمهّد لقبول الأمر الواقع الإسرائيلي دون إعلان، وتبعث برسالة طمأنة واضحة للخارج مفادها أن هذه السلطة لا تعتبر الجولان ملفًا متنازعا عليه، بل واقعًا خارج حساباتها السياسية.
ازدواجية الخطاب.. التخوين في الداخل والتنازل في الخارج
المفارقة الصارخة أن الحكومة نفسها التي تزيل الجولان من خارطة سوريا، لا تتردد في وصم كل من يتعامل مع إسرائيل أو يُشتبه بتواصله معها بالعمالة والخيانة. هذا التناقض يكشف ازدواجية خطيرة في الخطاب والممارسة، حيث يُستخدم اتهام “العمالة” كسلاح سياسي لإسكات النقد وضبط الداخل، بينما تُدار التنازلات السيادية الكبرى بصمت في الخارج. في هذا المنطق، لا تُقاس الوطنية بالحفاظ على الأرض والحقوق، بل بمدى الولاء للسلطة والانضباط داخل خطابها. فالتنازل عن الجولان لا يُعد خيانة، أما الاعتراض عليه فيُصنَّف تشكيكًا أو خروجًا عن “الإجماع”.
من الجولان إلى عفرين.. شرعنة الاحتلال وتفكيك الجغرافيا
لا يتوقف خطر شطب الجولان عند حدود التطبيع مع إسرائيل، بل يتعداه ليشكّل سابقة سياسية وقانونية تفتح الباب أمام شطب مناطق سورية أخرى خاضعة للاحتلال، وعلى رأسها المناطق التي تحتلها تركيا، مثل عفرين، سريه كانيه، كري سبي (تل أبيض)، جرابلس، إعزاز، والباب.
فحين تتخلى سلطة تدّعي تمثيل السوريين عن توصيف الجولان كأرض محتلة، فإنها عمليًا تُسقط المعيار الوطني الذي يميّز بين الأرض الخاضعة للسيادة والأرض الواقعة تحت الاحتلال. وهكذا، يصبح الاحتلال “أمرًا واقعًا” قابلًا للتطبيع، تمامًا كما جرى تاريخيًا مع لواء إسكندرون، الذي ضُمّ إلى تركيا عام 1939 نتيجة صمت سياسي وتواطؤ دولي، ثم جرى تطبيع فقدانه تدريجيًا في الخطاب الرسمي.
إن هذا المسار يهيئ لتكرار السيناريو ذاته: احتلال طويل الأمد، تغيير ديمغرافي وإداري، تغييب القضية من الخطاب، ثم شطبها من الذاكرة الوطنية.
الشرعية مقابل الأرض
تعاني حكومة الشرع من أزمة شرعية واعتراف دولي، وفي منطق الصفقات السياسية لا تُمنح الشرعية مجانًا. هنا، يتحول الجولان، ومعه بقية المناطق المحتلة، إلى عملة تفاوض غير معلنة: الصمت عنها يطمئن القوى الإقليمية، وتجاهلها يسهّل فتح قنوات خلفية، وشطبها من الخرائط يبعث برسالة استعداد للتفاهم. وبذلك، تُختزل السيادة الوطنية إلى بنود قابلة للمقايضة مقابل تثبيت سلطة أمر واقع.
إن ما يجري اليوم ليس خطأً إداريًا ولا اجتهادًا سياسيًا، بل مساراً متكاملاً لإعادة تعريف سوريا: خريطةً وهويةً ووظيفة. فالتطبيع لا يبدأ باتفاقيات، بل يبدأ بالصمت، وبالخرائط، وبشطب القضايا “المزعجة”.
سيبقى الجولان أرضًا سورية محتلة، وستبقى عفرين وسريه كانيه وكري سبي وغيرها أراضي سورية خاضعة للاحتلال، مهما حاولت سلطات الأمر الواقع تطبيع فقدانها.
وأي سلطة تساوم على الجغرافيا مقابل الشرعية، لا تحافظ على الحكم، بل تفتح الباب لتفكيك الوطن نفسه.
No Result
View All Result