No Result
View All Result
الدرباسية/ نيرودا كرد – بعد عام كامل من التغيير السياسي في سوريا والذي روّج له بوصفه مدخلاً لإنهاء عقود من الفساد والاستبداد، تبدو الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في مناطق سيطرة الحكومة السوريّة الانتقالية، من أكثر الملفات تعقيداً، فمازال المجتمع السوري يرزح تحت أعباء معيشية خانقة، في ظل غياب تحسّن ملموس يطال حياة الشعب اليومية، لتتسع بذلك الفجوة بين الوعود المعلنة والواقع الملموس.
اقتصاد منهك وإرث ثقيل
ورثت الحكومة الانتقالية اقتصاداً شبه منهار، أنهكته أكثر من ستة عقود من سياسات حزب البعث، وأربعة عشر عاماً من الحرب التي دمّرت البنية التحتية، وأفرغت خزينة الدولة، وعمّقت ارتهان الاقتصاد السوري لشبكات الفساد والزبائنية، إلا أن هذا الإرث الثقيل، على أهميته في تفسير حجم الأزمة، لم يعد كافياً لتبرير استمرار التدهور، لا سيما مع مرور عام على سقوط السلطة السابقة دون بلورة رؤية اقتصادية واضحة المعالم، لاسيما أن الحكومة الموروثة قد استلمت نسبة جيدة للدعم المادي من الدول العربية والغربية بهدف إعادة إعمار سوريا، وتحسين الأوضاع المعيشية للشعب السوري، ناهيك عن شركات الاستثمارات التي وقّعت عليها الحكومة كدليلٍ على أن الازدهار الاقتصادي يعنون سوريا، إلا أن الأماني اصطدمت بالواقع وبالوهمية التي رسمتها الحكومة بحبرٍ على ورق.
فالليرة السوريّة واصلت تراجعها أمام العملات الأجنبية، ما انعكس ارتفاعاً متواصلاً في أسعار السلع الأساسية، من غذاء ووقود وأدوية. ومع ثبات الأجور عند مستويات متدنية، باتت غالبية العائلات غير قادرة على تأمين الحد الأدنى من احتياجاتها اليومية، فيما تحوّل راتب الموظف الحكومي إلى رقمٍ رمزي لا يكفي سوى لأيام معدودة.
الغلاء المعيشي… واقع يومي
يشكّل الغلاء المعيشي العنوان الأبرز لحياة السوريين اليوم في دمشق ومحيطها، فأسعار المواد الغذائية تضاعفت عدة مرات خلال عام واحد، وسط غياب رقابة حقيقية على الأسواق، واستمرار تحكّم التجار الكبار بحركة الاستيراد والتوزيع ولا وجود لمؤسسات حكومة تموينية، أما مادة الخبز، التي طالما شكّلت خطاً أحمراً، فلم تسلم بدورها من التقليص في الدعم ورفع الأسعار، ما زاد من معاناة الشرائح الأشد فقراً.
وفي قطاع الطاقة، لا تزال أزمة الكهرباء والوقود تراوح مكانها، فالتقنين القاسي يفرض نفسه على حياة الأهالي، ويشلّ الأنشطة الاقتصادية الصغيرة، فيما تبقى أسعار المحروقات مرتفعة مقارنةً بالدخل، ما ينعكس على كلفة النقل وأسعار السلع والخدمات، وبعد الزيادة الأخيرة التي فرضتها الحكومة على الكهرباء، بات الدخل الشهري للمواطن السوري لا يكفي لسداد حاجتهم من الكهرباء، ما زاد الواقع سوءاً ولم يتهنَ المواطن الفقير من نسبة الزيادة على راتبه الشهري.
البطالة وتآكل فرص العمل
إلى جانب الغلاء، تبرز البطالة كأحد أخطر التحديات، حيث تعدت نسبتها أبواب 50%، فإلى جانب استمرار الأزمة في سوريا، وعدم تمكن أبناء سوريا من إيجاد فرص عمل، سواء أكان حاملاً شهادة جامعية أو لا، فآلاف من العمال والموظفين فقدوا مصادر رزقهم خلال السنوات الماضية، ومع التغيير السياسي لم تُفتح آفاق جديدة للعمل، بل على العكس، شهدت بعض المؤسسات الحكومية تسريحات غير معلنة، بذريعة “إعادة الهيكلة” وفصل جماعي بالعشرات في مناطق كالساحل والسويداء، أما القطاع الخاص، الذي كان يُعوَّل عليه لامتصاص جزء من البطالة، فلا يزال مكبّلاً بانعدام الاستقرار، وضعف القدرة الشرائية، وغياب بيئة قانونية واقتصادية مشجعة.
الشباب، الذين شكّلوا وقود الحراك ضد النظام السابق، يجدون أنفسهم اليوم أمام خيارات محدودة: إما الهجرة، أو العمل في مهن هامشية بأجورٍ زهيدة، أو الانخراط في اقتصاد غير رسمي يفتقر إلى أي حماية اجتماعية.
سياسات غامضة ووعود مؤجلة
رغم كثرة التصريحات الرسمية عن خطط “الإنعاش الاقتصادي” و”جذب الاستثمارات”، لم يلمس المواطنون نتائج ملموسة على الأرض. فما زالت السياسات الاقتصادية تتسم بالضبابية، وتغيب عنها الشفافية والمشاركة المجتمعية. كما لم تُقدِم الحكومة الانتقالية على خطوات جادة لتفكيك شبكات الفساد التي أعادت إنتاج نفسها بأشكالٍ جديدة، ما أفقد الشارع الثقة بقدرة هذه الحكومة على إحداث تغيير حقيقي.
وفي ظل استمرار العقوبات الدولية، دون وجود استراتيجية واضحة للتعامل معها أو التخفيف من آثارها على المواطنين، تحوّل العبء الأكبر إلى كاهل الناس، بدلاً من حماية الفئات الهشة كما كان مأمولاً في مرحلة ما بعد سقوط النظام السوري السابق.
ومع الاستبشار برفع عقوبات قيصر عن سوريا، عمّت الفرحة سوريا، علهم يتخلصون من الأعباء الاقتصادية، إلا الوضع بقي كما هو ولم يطرأ أي تغيير، على العكس فالأزمة السياسية، والمجازر والانتهاكات التي تحصل في سوريا، تزيد من تعقيدات المشهد الاقتصادي، لتؤكد بأن رفع العقوبات لم يكن السبب الرئيسي في استمرار التدهور الاقتصادي.
الفقر واتساع الهوّة الاجتماعية
تشير التقديرات حسب تقارير إلى أن نسبة الفقر في مناطق الحكومة الانتقالية تجاوزت مستويات غير مسبوقة، مع اتساع شريحة العاجزين عن تأمين احتياجاتهم الأساسية، وتكشف إحصائيات البنك الدولي إن 90% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، فيما بلغت نسبة التضخم 6.4% في كانون الثاني 2025، وفي المقابل، برزت فئة محدودة راكمت ثروات سريعة من خلال المضاربة بالعملة، والاحتكار، والاستفادة من الفوضى الاقتصادية، ما عمّق الهوّة الطبقية وأعاد إنتاج مشهد اللامساواة الذي كان أحد أسباب الغضب الشعبي سابقاً.
عامٌ على السقوط… وأسئلة مفتوحة
بعد عام على سقوط سلطة الأسد، يتساءل السوريون في دمشق ومناطق سيطرة الحكومة الانتقالية: إلى متى سيبقى الاقتصاد رهينة التجاذبات السياسية وغياب الرؤية؟ وهل تملك هذه الحكومة الإرادة والقدرة على وضع سياسات اقتصادية عادلة، تنطلق من حاجات المجتمع لا من حِسابات النُخب؟
إن استمرار التدهور المعيشي لا يهدد فقط الاستقرار الاجتماعي، بل يقوّض أي أمل ببناء سوريا جديدة قائمة على العدالة والكرامة. فالتغيير السياسي، إن لم يُترجم إلى تحسّن في حياة الناس، يبقى ناقصاً وعرضة للانهيار. وفي هذا السياق، تبدو الحاجة مُلحّة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى تبنّي نهج اقتصادي ديمقراطي، يضع الإنسان في صلب السياسات، ويفتح الباب أمام مشاركة مجتمعية حقيقية، كشرط أساسي للخروج من النفق المعيشي الخانق.
No Result
View All Result