No Result
View All Result
سعيد ناشيد
انضمام سوريا إلى التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب ليس مجرد خطوة تكتيكية عابرة، بل هو رهان استراتيجي ثقيل، يضع الرئيس الشرع أمام حقل واسع من الألغام الداخلية في دمشق، كما يضع الدولة برمّتها أمام امتحان تاريخي: هل تستطيع الانتقال من منطق الغلبة والغنيمة والتمكين، إلى منطق التأسيس على قاعدة تعاقد وطني جديد؟ فالتورط في تحالف دولي بهذا الحجم يفرض على النظام السياسي أن يُعيد تعريف نفسه: من سلطة مُحاصَرة داخل نزاع أهلي وإقليمي، إلى دولة تحاول أن تستعيد شرعيتها عبر المساهمة في محاربة عدو كوني مشترك، اسمه الإرهاب العابر للحدود. غير أن هذه الشرعية الجديدة لا يمكن أن تُستمدّ من البيانات الدبلوماسية وحدها، بل تحتاج إلى إصلاحات بنيوية عميقة في الداخل، تحفظ للسوريين كرامتهم وتنوعهم وحقهم في تقرير مصيرهم ضمن وطن واحد.
لهذا الرهان، كما يبدو، شرطان أساسيان لا غنى عنهما لتأمينه وتحصينه من الداخل:

أولاً: صياغة دستور جديد يليق بمجتمع تعددي معقد، تتجاور فيه الأعراق والأديان والمذاهب والثقافات، دون أن يُهيمن أحدها على البقية. دستور يقطع مع نموذج الدولة المركزية الصلبة الذي كرّسته عقود البعث، حيث كانت السلطة تتعامل مع المجتمع ككتلة صمّاء تُدار من الأعلى، لا كنسيجٍ متشابك من الفاعلين الأحرار. إن الدستور المنشود لا يكفي أن يُعلن المساواة في الصيغ الإنشائية، بل ينبغي أن يعيد توزيع الصلاحيات بين المركز والأطراف، وأن يعترف بالحقوق الجماعية إلى جانب الحقوق الفردية، وأن يفتح المجال لأشكال من اللامركزية السياسية والإدارية، بما يسمح للمكوّنات المختلفة بأن ترى نفسها داخل الدولة لا خارجها. هنا يصبح الدستور عقد ثقة واعتراف متبادل، لا مجرد وثيقة قانونية فوقية.
ثانياً: دمج قوات سوريا الديمقراطية في بنية الجيش الوطني، كفيالق جاهزة ومنظمة. هذه القوات التي تجاوز تعداد مقاتليها 120 ألف مقاتلاً، تزيد نسبة النساء في صفوفهم عن 10 في المئة، وقد خاضت معارك ضارية ضد تنظيم داعش وسحقت وجوده في مناطق واسعة من الشمال والشرق، تمثل اليوم رصيداً عسكرياً وخبرة ميدانية لا يمكن لعقل دولة رشيدة أن يهدره. إن ضمّ هذه القوات إلى المؤسسة العسكرية الرسمية، ضمن رؤية واضحة للإصلاح العسكري، سيُسهم في أمرين متلازمين: من جهة، توحيد السلاح تحت مظلة شرعية واحدة؛ ومن جهة أخرى، تعزيز التوجه المُعَلْمَن للجيش، بحيث يتحرر، قدر الإمكان، من الولاءات الطائفية والإيديولوجية الضيقة، ويتحول إلى مؤسسة مواطنية تمثل مختلف المكوّنات وتحميها على السواء. بين دستور جديد يعترف بالتعدد ويحوله إلى عنصر قوة، وجيش وطني مُعاد التشكيل يحتضن خبرات القوى التي حاربت الإرهاب على الأرض، يمكن لانضمام سوريا إلى التحالف الدولي أن يتحول من مجرد ورقة للتسويق الخارجي، إلى فرصة تاريخية لإعادة بناء الداخل على أسس أكثر عدلاً ورصانة واستقراراً. دون هذين الإجراءين البنيويين، سيظل أي تحالف دولي مجرد قشرة تغطي الألغام الكامنة في عمق الدولة والمجتمع.
No Result
View All Result