No Result
View All Result
ضياء إسكندر
منذ اندلاع الحراك الشعبي عام 2011، تحولت سوريا إلى ساحة مفتوحة لتدخّلاتٍ إقليمية ودولية. ومع تعثر الحل السياسي، ازدحمت الأرض المُثقلة بالصراع بالأجندات المتناقضة. في هذا المشهد برزت المجموعات المدعومة من تركيا كأداة نفوذ على الساحة السوريّة كمجموعات معارضة للنظام البعثي البائد، لكنها ارتهنت لمشيئة تركيا وارتكبت جرائم يندى لها جبين الإنسانية بحق سكان المناطق المحتلة من قبل تركيا.
وجاءت العقوبات البريطانية الأخيرة لِتُعيد قادة هذه المجموعات إلى دائرة الاتهام الدولي، على خلفية انتهاكات جسيمة بحق المدنيين وثّقتها منظمات حقوقية.
أسماء بارزة على لائحة العقوبات
من بين الشخصيات التي شملتها العقوبات البريطانية، يبرز اسم محمد الجاسم، المعروف بـ “أبو عمشة”، قائد فرقة سليمان شاه، المعروفة محلياً بـ “العمشات”. وقد ارتبط اسمه، بحسب تقارير حقوقية، بفرض إتاوات وعمليات تهجير قسري في منطقة عفرين، إلى جانب اتهامات بارتكاب جرائم حرب.
ويشغل الجاسم اليوم، موقعاً رسمياً ضمن وزارة الدفاع التابعة للحكومة الانتقالية في سوريا، حيث عُيّن قائداً لإحدى الفرق العسكرية في محافظة حماة. كما تضم القائمة، فهمي عيسى، قائد فرقة السلطان مراد، الذي وُجّهت إليه اتهامات تتعلق بالاعتقال التعسفي والتعذيب، بالإضافة إلى انتهاكات للقانون الدولي الإنساني.
وتشير تقارير متعددة إلى دوره في تجنيد عناصر وإرسالهم إلى ساحات صراع خارجية، مثل ليبيا وأذربيجان، قبل أن يصبح جزءاً من البنية العسكرية الرسمية. ويظهر أيضاً اسم سيف الدين بولاد، المعروف بـ “سيف أبو بكر”، قائد فرقة الحمزات، والذي ينتمي إلى الشعب التركماني السوري. وقد ورد اسمه في تقارير حقوقية تتحدث عن انتهاكات جسيمة، شملت الاعتقالات القسرية والنهب المنهجي لممتلكات المدنيين، لا سيما في منطقة عفرين، ويشغل بولاد بدوره منصباً رسمياً قائداً لإحدى الفرق العسكرية. وإلى جانب هؤلاء، ضمّت قائمة العقوبات البريطانية قيادات أخرى من المجموعات نفسها، لم يُكشف عن جميع أسمائهم إعلامياً، ما يعكس، بحسب مراقبين، اتساع نطاق القلق الدولي من دور هذه التشكيلات المسلحة.
كيانات تحت المساءلة
لم تقتصر العقوبات على الأفراد، بل طالت كيانات تُشكّل العمود الفقري للمجموعات المدعومة من أنقرة، والتي ما تزال تعمل كقوى شبه مستقلة على الأرض، على الرغم من إدماج بعض متزعميها في هياكل وزارة الدفاع السوريّة. وتتصدّر فرقة السلطان مراد، ذات الغالبية التركمانية، قائمة المجموعات الأكثر دعماً من تركيا، بتمويل وتسليح مباشر. أما فرقة سليمان شاه، فقد ارتبط اسمها بالإتاوات والتهجير القسري، فيما سجّلت فرقة الحمزات سجلاً مثقلاً بالاعتقالات التعسفية والنهب، وفق ما وثقته منظمات حقوقية دولية.
دوافع بريطانيا لفرض العقوبات
الأسباب التي دفعت بريطانيا إلى فرض العقوبات، جاءت متشابكة، لكن أبرزها الانتهاكات الموثّقة ضد المدنيين؛ من قتل خارج القانون، ونهب ممتلكات، وعنف جنسي، وتهجير قسري، ارتكبتها هذه المجموعات، لتشكّل سجلاً مُثقلاً بالجرائم. وقد كانت مجازر الساحل السوري في آذار 2025 ضد العلويين، نقطة التحوّل التي دفعت لندن إلى التحرك المباشر.
في جانبٍ آخر، أرادت بريطانيا أن توجّه ضغطاً صريحاً إلى أنقرة، عبر رسالة واضحة بأن دعم هذه المجموعات لم يعُد يمر بلا مساءلة، وأنه بات تحت المراقبة الدولية. كما سعت لندن إلى تعزيز صورتها كمدافعٍ عن حقوق الإنسان، لتظهر بمظهر القوة التي لا تتسامح مع الجرائم ضد المدنيين، وتُعيد تعريف هذه المجموعات أمام المجتمع الدولي كمرتزقة مأجورين يخدمون أجندة إقليمية.
وأخيراً، يخدم القرار مصالح سياسية واستراتيجية، إذ يُضعف أدوات تركيا في سوريا ويمنح بريطانيا أوراق ضغط إضافية في ملفات الشرق الأوسط، لتؤكد أنها لاعب لا يكتفي بالمراقبة بل يفرض إيقاعه على مسرح الصراع.
مناطق النفوذ والعلاقة مع تركيا
تتمركز هذه المجموعات في المناطق التي احتلتها دولة الاحتلال التركي، من عفرين إلى الباب وسري كانيه وكري سبي، حيث تفرض سلطتها على السكان المحليين، تحت غطاء الدعم العسكري واللوجستي التركي. بعض متزعميها يقيمون في تركيا، ويتمتعون بحماية مباشرة ويُستخدمون كأذرع في حروب خارجية تخوضها أنقرة. هذا الارتباط الوثيق بالاستخبارات والجيش التركي يجعلهم جزءاً من استراتيجية إقليمية تهدف إلى تثبيت نفوذ أنقرة في سوريا وخارجها.
بداية مسار المحاسبة الدولية
في ضوء هذه التطورات، تجد الحكومة الانتقالية نفسها أمام اختبار سياسي وأخلاقي بالغ الحساسية، فالعقوبات البريطانية طالت متزعمين يشغل بعضهم مناصب رفيعة داخل وزارة الدفاع، ما يكشف التناقض بين خطاب بناء الدولة وواقع يضم متهمين دولياً.
تجاهل هذه العقوبات قد يُقرأ كإقرار ضمني بالانتهاكات أو محاولة للالتفاف على مبدأ المحاسبة، وهو ما يهدد بإضعاف ثقة الشركاء الدوليين ويكشف هشاشة موقع الحكومة على الساحة السياسية والاقتصادية. وفي المقابل، فإن أي دفاع عن هذه الشخصيات أو التشكيك العلني في دوافع العقوبات قد يفتح مواجهة غير محسوبة مع عواصم غربية مؤثرة.
فهل ستستجيب الحكومة لمتطلبات العدالة الدولية، أم تبقى أسيرة قادة أثقلتهم الاتهامات؟
No Result
View All Result