No Result
View All Result
قامشلو/ دعاء يوسف – في مقاطعة الجزيرة تُنظّم الإدارة الذاتية محاسبة الأطفال الجانحين عبر ديوان حماية الأحداث، الذي يطبق إجراءات قانونية خاصة بالقاصرين استناداً إلى قانون 2017، مع التركيز على الفصل بين الأطفال والبالغين وتوفير بدائل للعقوبة، ورغم افتتاح المحكمة وتفعيل مراكز التأهيل، ما تزال تؤثر بعض التحديات مثل “غياب مراكز علاج الإدمان، وجود أطفال بلا أسر، واستمرار جرائم السرقة والتعاطي” على فعالية النظام القضائي الخاص بالأحداث.
تشهد مقاطعة الجزيرة في إقليم شمال وشرق سوريا مرحلة تأسيس جديدة في مجال عدالة الطفل، بعد سنوات من غياب محكمة مختصة بالأحداث الجانحين، الأمر الذي أدى إلى اعتماد أساليب محاسبة غير متوافقة مع المعايير الدولية.
ويُعد افتتاح ديوان حماية الأحداث في مدينة قامشلو خلال أيلول 2025 خطوة مفصلية في هذا السياق، إذ يشكل نقطة تحول في كيفية التعامل مع الأطفال المخالفين للقانون، وفي محاولة لتصويب الانتهاكات السابقة التي كانت تحدث نتيجة محاكمة الأطفال أمام المحاكم العامة.
ويستند هذا التقرير إلى إفادات القاضية في ديوان حماية الأحداث “آينور زيد باشا“، التي تشرح بصورة تفصيلية مسار تأسيس الديوان، وآليات التعامل مع الأطفال، والإشكالات القائمة، والجهود التشريعية الجديدة.
أطفال الأحداث في الإطار القانوني
وأشارت القاضية “آينور” في بداية حديثها إلى أن الطفل، وفق القانون الدولي، يُعدّ ضحية للبيئة الاجتماعية والاقتصادية والأسرية التي نشأ فيها، وأن سلوكه المخالف للقانون غالباً ما يكون نتاج ظروف تتجاوز قدرته على الفهم أو السيطرة. لذلك، فإن المعاملة القانونية يجب أن تضع هذا الاعتبار في المقدمة.
وفي عام 2017، أصدرت الإدارة الذاتية قانون حماية الأحداث الجانحين، وهو القانون الذي ينص على إنشاء محكمة أو ديوان عدالة خاص بالأطفال، ولكن صعوبات البنية التحتية، وضعف الخبرات المتخصصة، حالت دون تطبيق هذا النص، ولم يتم إنشاء المحكمة وقتها، فكانت قضايا الأطفال تُحال إلى المحاكم العادية، وهو ما يعد مخالفة واضحة لمبادئ اتفاقية حقوق الطفل التي تلزم الدول بإنشاء منظومة عدالة صديقة للطفل تشمل إجراءات توقيف وحجز ومحاكمة منفصلة عن تلك الخاصة بالبالغين.
وأوضحت “آينور”، أن هذا الوضع استمر لسنوات، رغم الاعتراضات المستمرة من العاملين في المجال القانوني والاجتماعي، فالطفل كان يُحتجز في مراكز التوقيف العامة التابعة للأساييش، وقد لا يتوفر دائماً مكان منفصل يضمن عدم اختلاطه بالبالغين، سواء خلال فترة التوقيف الأولى أو أثناء الإجراءات القضائية.
وفي عام 2024، طرحت منظمة حماية الطفل الكردستانية مبادرة لتجهيز وإنشاء محكمة خاصة بالأحداث، وقد لاقت هذه المبادرة ترحيباً كاملاً من مجلس العدالة الاجتماعية نظراً للحاجة المتزايدة لتنظيم مسار محاكمة الأطفال بما يتوافق مع القانون الدولي ومع القانون المحلي الصادر عام 2017.
مسودة قانون جديد لحماية الأحداث
وبناءً على هذا التعاون، افتُتح ديوان حماية الأحداث رسمياً في مدينة قامشلو في أيلول 2025، والذي يختص بالنظر في الجرائم والمخالفات التي يرتكبها الأطفال، ويطبق قانون 2017 باعتباره القانون الوحيد المتوفر حالياً، فيما أشارت “آينور” إلى أن هذا القانون أصبح غير كافٍ في الظروف الراهنة، وأن هناك حاجة ضرورية لقانون جديد أكثر انسجاماً مع التطورات، وأكثر قدرة على حماية الطفل من السجن والحجز وتقييد الحرية.
وتعمل لجنة قانونية مشتركة على صياغة مسودة قانون جديد للأحداث الجانحين، من المفترض أن ينسجم مع اتفاقية حقوق الطفل ومع واقع المنطقة الأمنية والاجتماعية، حيث أوضحت آينور: “تهدف المسودة إلى اعتماد بدائل واضحة عن السجن، وإلى جعل الاحتجاز إجراءً أخيراً لا يُلجأ إليه إلا في الحالات الخطرة”.
ويشمل القانون المقترح، آليات جديدة مثل “برامج الخدمة المجتمعية، ولجان الصلح، والتدخل النفسي والاجتماعي، وإشراك الأسرة في مسار إعادة التأهيل”، ويُنتظر إصدار القانون في المرحلة المقبلة بعد استكمال المراجعات النهائية.
آلية توقيف ومحاكمة الطفل وفق العمر
وأوضحت “آينور”، إن قانون الأحداث يعتمد على تقسيم عمري محدد، فالطفل دون سن العاشرة لا يتعرض لأي عقوبة، بل يُسلّم إلى ذويه، أما الفئة بين العاشرة و15 عاماً فتخضع لعقوبات بسيطة ويتم في معظم الأحيان تسليم الطفل إلى أهله بعد المحاكمة.
وبعد الخامسة عشرة، وفي حال ارتكاب الطفل لجناية كبيرة، يتم وضعه في مراكز احتجاز خاصة، بشرط الفصل الكامل عن البالغين، سواء داخل مراكز التوقيف أو أثناء إجراءات المحاكمة، فيما أكدت “آينور”، إن هذه الإجراءات لم تكن تطبق بالشكل المطلوب بسبب محدودية المنشآت.
وأضافت: “إن أحد أهم المبادئ التي يعمل عليها الديوان اليوم، هو الإسراع في محاكمة الطفل لمنع بقائه لفترة طويلة في مراكز التوقيف، لأن الاحتجاز الطويل قبل الحكم يشكل ضرراً أكبر من العقوبة نفسها في كثير من الأحيان”.
وأشارت آينور، إلى أن التأهيل داخل مركز الاحتجاز الوحيد للأطفال “هوري” ما زال محدوداً فهناك معلمون للحياكة والحلاقة وبعض الأنشطة الترفيهية والتعليمية، إلا أن هذه الأنشطة لا تغطي الاحتياجات الحقيقية للأطفال، خاصةً أولئك الذين يعانون من اضطرابات نفسية أو من الإدمان على المخدرات. ولفتت، إلى أن الطفل المدمن لا يجب أن يُحتجز في مركز “هوري”، بل في مراكز متخصصة بمعالجة الإدمان، غير أن هذه المراكز غير متوفرة حالياً ضمن الإمكانات القائمة، وتعتبر أن هذه الثغرة بحاجة إلى معالجة عاجلة؛ لأن احتجاز الطفل المريض دون علاج يعيد إنتاج المشكلة بدلاً من حلّها، وشددت على، أن الطفل الذي يتعاطى المخدرات يحتاج إلى علاج، وأن احتجازه دون خطة علاجية يفاقم حالته.
مركز هوري ودوره في احتجاز الأطفال
وبعد محاكمة الطفل؛ يتم إرساله إلى مركز “هوري” للأحداث، وهو مركز تأهيل أنشئ عام 2017 ويضم فئتين للأطفال من مرتكبي الجرائم الجنائية العادية، وأطفال من عوائل مرتزقة داعش (ما يسمى بأشبال الخلافة).
وتوضح المعطيات الميدانية، أن المركز كان يضم أطفالاً منذ عام 2017، وأن بعضهم تحول إلى شباب تتراوح أعمارهم بين 15 و22 عاماً، بسبب عدم توفر بدائل أو تأخر الدول المعنية باستعادة الأطفال الأجانب.
ونوهت “آينور” إلى أن مركز هوري لم يكن سجناً بالمعنى التقليدي، بل مركز إعادة تأهيل، ويقدم البرامج التعليمية والترفيهية والمهنية للأطفال، ولكن بسبب قصر مدد العقوبات وتبدّل أعداد الأطفال لا يكملون برنامجهم التأهيلي الذي يقدمه المركز، فالعقوبة القصوى في جرائم القتل تصل إلى سبع سنوات، بينما تتراوح عقوبات الجرائم الأخرى بين بضعة أشهر وسنتين.
وحسب آينور، فإن عدد الأطفال “مرتكبي الجرائم العامة” داخل المركز كان يتراوح بين 20 و40 طفلاً، وهو عدد متغير بشكل مستمر وفق حالات الصلح أو انتهاء مدة الحكم.
وأكدت “آينور”، أن جزءاً كبيراً من الأطفال في مركز “هوري” من أبناء مرتزقة داعش الأجانب، ومعظمهم لم تستردهم دولهم حتى الآن رغم النداءات المستمرة، وتصف وضعهم بأنه معقد، لأنهم لم يدخلوا المركز كسجناء، بل كأطفال محتاجين لإعادة التأهيل، لكن مرور الوقت حوّلهم إلى شباب بلا إمكانية قانونية واضحة لإطلاق سراحهم.
أما الأطفال السوريون الذين يرتكبون جرائم جنائية، فيخضعون لمحاكمة وفق القانون، وتفرض عليهم عقوبات خفيفة نسبياً تبعاً للعمر والجريمة، وبعد انتهاء العقوبة، يتم تسليمهم إلى أهاليهم مع متابعة لاحقة لمنع عودتهم إلى ارتكاب مثل هذه الجنايات.
وأوضحت آينور، إن الجرائم الأكثر شيوعاً بين الأطفال هي السرقات، وغالباً ما يكون الراشدون هم المحرضون أو المستفيدون من هذه الأفعال، إضافةً إلى انتشار جرائم تتعلق بتعاطي أو ترويج المخدرات.
الأطفال المشردون والذين بلا أسرة
ومن أصعب القضايا التي تواجه عدالة الأحداث، وفق “آينور”، هو وجود أطفال بلا أهل أو أطفال مشردون يعودون إلى الشارع بعد خروجهم من المركز، ما يدفعهم للعودة إلى الجرائم نفسها.
ورغم وجود مركز في تل معروف مخصص للأطفال اليتامى، إلا أن نسبة هروب الأطفال منه عالية بسبب ضعف الرعاية والأنشطة، ووجّهت “آينور” انتقاداً واضحاً لضعف الاهتمام بهذه المراكز، مطالبةً، مجلس حقوق الطفل بإنشاء مراكز أكثر قدرة على جذب الطفل وحمايته وضمان بقائه، لأن توفير مكان للنوم لا يكفي لتغيير حياة طفل يعيش حالة خطر دائم.
وأشارت، أيضاً إلى أن عدداً من هؤلاء الأطفال يعملون في مهن خطرة مثل جمع النفايات، وأنهم يحتاجون إلى تدخل مباشر من الجهات المختصة للحد من تعرضهم للاستغلال والانحراف.
وعلى الرغم من أن الظروف الاجتماعية والاقتصادية والحرب المستمرة تشكل أساس انحراف بعض الأطفال، إلا أن آينور تعتبر أن الأسرة تبقى العامل الأساسي في حماية الطفل وتربيته وتعليمه، وأن غياب الرقابة الأسرية يعد عاملاً مباشراً في دفع الأطفال نحو الجريمة.
كما أشارت، إلى أن مبدأ “العائلة الديمقراطية” المتبنى في إقليم شمال وشرق سوريا، والذي يعطي للطفل دوراً في اتخاذ القرارات داخل الأسرة، يسهم في بنية نفسية أكثر توازناً ويقي الطفل من الانجرار نحو المخاطر.
برنامج التأهيل المقترح بعد افتتاح ديوان الأحداث
ويمثّل افتتاح ديوان حماية الأحداث في مقاطعة الجزيرة خطوة أساسية نحو تنظيم عدالة الطفل في إقليم شمال وشرق سوريا، فقد شهدت السنوات الماضية انتهاكات واضحة لحقوق الأطفال الجانحين لمحاكمتهم أمام محاكم البالغين واحتجازهم في مراكز غير ملائمة.
ورغم افتتاح الديوان في أيلول 2025، لم تبدأ المحاكمات داخله بشكل فعلي حتى الآن بسبب عدم إخلاء السجن المركزي القريب من مبنى المحكمة، وتنتظر إدارة الديوان إخلاء السجن ونقل الأطفال إليه كي تبدأ مباشرة بمحاكمة الملفات المحوّلة.
وتأمل آينور، أن يتم إخلاء السجن قبل نهاية العام، بحيث يصبح الديوان جاهزاً للنظر في ملفات الأطفال بشكل منفصل عن البالغين. وأكدت “آينور”، إن الهدف الأساسي بناء منظومة عدالة إصلاحية وليست عقابية، وهذا يعني أن الطفل لن يُقاد تلقائياً إلى السجن، بل ستُعتمد طرق بديلة مثل “لجان الصلح، والخدمة الاجتماعية، والبرامج المجتمعية، والتدخل النفسي، وإعادة دمج الطفل ضمن المدرسة والمجتمع”.
وستكون هناك شراكة بين الديوان وهيئة الشؤون الاجتماعية والعمل، وهيئة التربية، والبلديات، وهيئة المرأة، إضافةً إلى منظمات المجتمع المدني، لضمان تطبيق برامج واقعية داخل مراكز الاحتجاز وخارجها.
وأشارت آينور إلى أن جزءاً من مسودة القانون الجديد يتضمن منع محاكمة الطفل في حالات معينة، واعتماد حلول اجتماعية وأسرية بديلة، وتفعيل دور الأسرة والمجتمع في الإصلاح.
واليوم، ورغم التحديات المستمرة المتعلقة بالبنى التحتية، وغياب المراكز العلاجية، ووجود أطفال بلا أسر، ونقص الكوادر، تعمل الإدارة الذاتية على وضع قانون جديد وتأسيس بنية خاصة لحماية الأطفال وإعادة دمجهم في المجتمع.
وترى القاضية في ديوان حماية الأحداث “آينور زيد باشا” في ختام حديثها، أن المرحلة القادمة يجب أن تركز على تقليص اللجوء إلى السجن، وتفعيل البدائل الإصلاحية، وإعادة بناء بيئة اجتماعية حامية للطفولة، معتبرةً، أن الطفل الجانح ليس مجرماً، بل ضحية تحتاج إلى رعاية خاصة، وأن مستقبل المنطقة يتوقف على قدرتها على حماية أطفالها وإبعادهم عن دوائر الانحراف.
No Result
View All Result