No Result
View All Result
محمد عيسى
منذ لحظة التوقيع عليها، لم تُقرأ اتفاقية العاشر من آذار بوصفها مجرد وثيقة سياسية عابرة، بل كُتبت في الوعي السوري باعتبارها واحدة من أكثر المحطات حساسية في مرحلة ما بعد سقوط النظام السوري السابق، ومحاولة جدّية – وإن كانت محفوفة بالمخاطر – لإعادة تعريف العلاقة بين دمشق وشمال وشرق سوريا على قاعدة الشراكة الوطنية لا الغلبة العسكرية، ففي العاشر من آذار 2025، جلس القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي، إلى جانب رئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع، ليوقعا اتفاقاً قُدِّم حينها كخارطة طريق أولية نحو وقف الصراع الداخلي، وفتح الباب أمام عودة المهجّرين قسراً، وتثبيت الاستقرار، والانتقال من منطق الجبهات إلى منطق السياسة. غير أنّ ما تلا ذلك التاريخ، وحتى اليوم، كشف أن الاتفاقية لم تكن تصطدم فقط بتعقيدات الداخل السوري، بل – وبدرجة أخطر – بسطوة التدخل التركي الذي سرعان ما تحوّل إلى عامل تعطيل مباشر لأي تقارب سوري ـ سوري، وإلى اليد الخفية التي تدفع كل مسار تفاوضي نحو الفشل أو التفجير.
العاشر من آذار 2025… لحظة الأمل المؤجل
في سياق سياسي متخم بالانهيارات، جاءت اتفاقية العاشر من آذار كاستثناء نادر، فبعد أكثر من أربعة عشر عاماً من الحرب والأزمة، وسقوط نظام البعث في كانون الأول 2024، كان السوريون يترقبون أي مؤشر على إمكانية بناء عقد وطني جديد. الاتفاقية نصّت، وفق ما أُعلن رسمياً، على وقف الأعمال القتالية، فتح قنوات الحوار السياسي، معالجة الملفات الخدمية والإنسانية العالقة، وفي مقدمتها ملف المهجّرين قسراً، إضافةً إلى إعادة تفعيل الملفات الأمنية الحساسة، وعلى رأسها حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب.
لكنّ ما منح الاتفاقية وزنها الحقيقي لم يكن بنودها فقط، بل السياق الذي وُقّعت فيه: حكومة انتقالية تعاني من هشاشة القرار، وقوة عسكرية ـ سياسية في شمال وشرق سوريا تمتلك شرعية ميدانية وشعبية، وإقليم مضطرب تحاول فيه قوى إقليمية، وفي مقدمتها تركيا، إعادة رسم خرائط النفوذ. ومنذ الأيام الأولى، بدا واضحاً إن الاتفاقية ستُختبر ليس في غرف التفاوض، بل في الميدان، وفي قدرة دمشق على اتخاذ قرار سيادي مستقل.
مع مرور أكثر من تسعة أشهر على توقيع الاتفاقية، أي حتى كانون الأول 2025، لم يُسجَّل أي تقدم ملموس على مستوى التنفيذ. الأرقام وحدها كافية لفضح هذا الجمود:
ـ صفر مهجّر عاد إلى دياره ضمن آلية رسمية متفق عليها.
ـ أكثر من خمس خروقات موثّقة لوقف إطلاق النار في محيط دير حافر، بين نيسان وتشرين الثاني 2025.
ـ ثلاث جولات تصعيد عسكري “ثلاث هجمات” في حيي الشيخ مقصود والأشرفية، كان آخرها في كانون الأول 2025، وأسفرت عن ارتقاء مدنيين إلى الشهادة وإصابات في صفوف قوى الأمن الداخلي.
في المقابل، تؤكد الإدارة الذاتية، في كل بياناتها وتصريحات وفودها، أنها التزمت بما عليها، بل ذهبت إلى خطوات أحادية لإثبات حسن النية، أبرزها انسحاب قوات سوريا الديمقراطية من مواقع داخل الشيخ مقصود، التزاماً بروح الاتفاق. غير أن هذا الانسحاب، بدلاً من أن يقابل بخطوات بناء ثقة من جانب دمشق، فتح الباب أمام مجموعات مسلحة منضوية شكلياً تحت وزارة الدفاع في الحكومة الانتقالية، لكنها عملياً تدين بالولاء لأنقرة، لتعيد إشعال الجبهات.
مطالب قسد وتهرّب دمشق
قبل أن تتحول أنقرة إلى لاعبٍ مباشر في تفاصيل المشهد، كان مسار التفاوض بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية يسير، ولو بحذر، ضمن مناخ وُصف آنذاك بالإيجابي. لم تكن اللقاءات الأولى مشوبة بالتوتر أو محكومة بسقف منخفض، بل عكست استعداداً متبادلاً لاختبار إمكان الوصول إلى صيغة تفاهم تعالج واحدة من أعقد إشكاليات المرحلة الانتقالية: كيفية دمج قوة عسكرية ـ سياسية قائمة منذ أكثر من عقد ضمن بنية دولة جديدة يُفترض أن تُبنى على أسس مختلفة عمّا سبق. في هذا السياق، تسلّم وفد «قسد» ورقة رسمية صادرة عن وزارة الدفاع في الحكومة الانتقالية، تناولت تصورات أولية لما سُمّي بآليات “الاندماج”، وفتحت الباب أمام نقاش يفترض أن يكون سياسياً بامتياز، لا تقنياً ولا أمنياً فقط.
ردّ قوات سوريا الديمقراطية على تلك الورقة جاء مدروساً ومفصلاً، وحمل في مضمونه محاولة واضحة للانتقال من منطق الغلبة إلى منطق الشراكة. فالمقترحات التي طُرحت لم تُقدَّم على أنها شروط مسبقة، بل كإطار تفاوضي يراعي الوقائع الميدانية ويضعها في سياق وطني أوسع. المطالبة بتشكيل ثلاث فرق عسكرية نظامية ولواءين لقوات الأمن الداخلي في مناطق شرق الفرات، لم تكن سعياً إلى تكريس الانقسام، بل قراءة لخصوصية جغرافية وأمنية تمتد على مساحة واسعة من البلاد. كما أن طرح نسبة 30% من هيئة الأركان العامة عكس رغبة بالمشاركة في القرار العسكري، لا البقاء على هامشه، بما يضمن عدم إعادة إنتاج مركزية القرار التي كانت أحد أسباب انهيار الدولة سابقاً.
وفي البعد السياسي، ركّزت “قسد” على فتح نقاش جدي حول اللامركزية الإدارية بوصفها مدخلاً لإدارة التنوع السوري، وليس كمشروع تفكيك. أما ملفات النفط والمعابر، فقد جرى طرحها ضمن رؤية تشاركية تُخرجها من دائرة الصراع إلى إطار يخدم الاقتصاد الوطني ككل. وفي صلب هذه الرؤية، برز الإصرار على تضمين حقوق الكرد في الدستور السوري الجديد، باعتبارها مسألة عدالة تاريخية لا يمكن تجاوزها في أي عقد اجتماعي مستقبلي.
غير أن هذا الطرح، الذي كان يمكن أن يشكّل أساساً لتفاهم نوعي، قوبل بتردد متزايد من جانب دمشق. فبدلاً من الغوص في جوهر المقترحات، بدأت الحكومة الانتقالية تُبطئ خطواتها وتعيد صياغة أولوياتها، في وقت تزامن فيه ذلك مع تكثيف الزيارات التركية إلى العاصمة السورية، هذا التزامن لم يبدُ عابراً، بل عكس تحوّلاً تدريجياً في موقف دمشق، من الانفتاح الحذر إلى المراوحة، وصولاً إلى التراجع، ما جعل مسار التفاوض يفقد زخمه، ويفتح الباب أمام فراغ سياسي سرعان ما ملأته التدخلات الإقليمية.
فيدان في دمشق وبدء الانعطافة
بعد مرحلةٍ وُصفت بالحذرة لكنها قابلة للبناء، والتي تميّزت بطرح قوات سوريا الديمقراطية رؤية سياسية واضحة لمعنى الشراكة والاندماج ضمن دولة سورية جديدة، جاء يوم 15 آذار 2025 ليشكّل نقطة التحوّل الفعلية في مسار الاتفاق، ففي ذلك التاريخ، خرج وزير الخارجية التركي هاكان فيدان ليعلن صراحة أن زيارته إلى دمشق خُصّصت لمناقشة الاتفاقية الموقّعة بين الحكومة السورية الانتقالية وقوات سوريا الديمقراطية، وهو تصريح نقلته وكالة «رويترز» وأثار، في حينه، تساؤلات عميقة حول حدود السيادة السورية في المرحلة الانتقالية. لم يكن هذا الإعلان تفصيلاً بروتوكولياً عابراً، بل مثّل إقراراً علنياً بتدخّل دولة إقليمية في مسار تفاوض داخلي كان يُفترض أن يُدار حصراً بين السوريين، وفي لحظة سياسية شديدة الحساسية.
هذا التدخل جاء في توقيتٍ بالغ الدلالة؛ إذ تزامن مع بدء تراجع دمشق عن الدخول في نقاش جدي حول مطالب “قسد” المتعلقة باللامركزية، والتمثيل العسكري، وحقوق الكرد في الدستور. فبدلاً من البناء على الأرضية التي طُرحت، بدأت الحكومة الانتقالية تُظهر ميلاً متزايداً للمماطلة، وكأنها تنتظر إشارات خارجية قبل اتخاذ أي خطوة. منذ زيارة فيدان، لم يعد الجمود في تنفيذ الاتفاق أمراً قابلاً للتفسير بالبيروقراطية أو التعقيدات الفنية، بل بات مرتبطاً مباشرة بإعادة ضبط إيقاع العلاقة بين دمشق وأنقرة.
الوقائع التي تلت تلك الزيارة عززت هذا الاستنتاج. فبعد أيام قليلة، جرى تجميد ملف المهجّرين قسراً، وهو أحد أكثر الملفات إلحاحاً من الناحية الإنسانية، رغم كونه ركناً أساسياً في الاتفاق. وفي نيسان 2025، أعقب اجتماع أمني تركي ـ سوري تسجيل خروقات ميدانية في محيط دير حافر، في مؤشر واضح على عودة منطق الضغط العسكري كأداة مرافقة للتعطيل السياسي. أما المرحلة الأخطر، فجاءت مع الزيارة المشتركة لوزيري الخارجية والدفاع التركيين، إلى جانب رئيس جهاز الاستخبارات، حيث لم يكد هذا الحراك ينتهي حتى انفجرت الاشتباكات في حيي الشيخ مقصود والأشرفية، لتتحول المناطق المدنيّة مجدداً إلى رسائل نار.
في هذا السياق، لم يعد ممكناً فصل تراجع دمشق عن تنفيذ التزاماتها تجاه “قسد” عن الحضور التركي المتزايد في العاصمة السورية. فالمشهد الذي تكرّس خلال الأشهر التالية كان واضح المعالم: أنقرة لا تكتفي بمتابعة الاتفاق أو إبداء القلق حيال مآلاته، بل تديره من الخلف، وتعيد توجيه مساره عبر مزيج من الضغوط السياسية، والتحركات الأمنية، والأدوات العسكرية والإعلامية. وهكذا، انتقلت اتفاقية العاشر من آذار من كونها فرصة لتفاهم وطني، إلى ساحة اختبار مكشوفة لمدى قدرة دمشق على اتخاذ قرار مستقل بعيداً عن الوصاية الإقليمية.
اجتماع حزيران… حوار يُفرغ من مضمونه
في سياقٍ كان يفترض أن يشكّل امتداداً لمسار التفاوض الذي سبقته محطات متعثّرة بفعل التدخلات الخارجية، جاء اجتماع السادس من حزيران 2025 في دمشق ليُقدَّم بوصفه محاولة جديدة لإعادة إحياء اتفاقية العاشر من آذار، ووضعها على سكة التنفيذ العملي. وفد شمال وشرق سوريا حضر إلى العاصمة السورية بتشكيلة سياسية وإدارية وعسكرية وازنة، عكست جدّية المقاربة ورغبة واضحة في الانتقال من مرحلة البيانات إلى مرحلة الآليات. في المقابل، مثّل دمشق مسؤولون من وزارات الخارجية والداخلية والأجهزة الأمنية، في مشهد أوحى، ظاهرياً، بوجود استعداد رسمي للتعامل مع الملفات العالقة. البيان الختامي للاجتماع بدا، في لغته ومضامينه، واعداً إلى حدّ بعيد: الاتفاق على تشكيل لجان فرعية تخصصية لمتابعة تنفيذ بنود اتفاق العاشر من آذار، معالجة الإشكالات المتعلقة بالامتحانات والمراكز الامتحانية بما يحفظ حقوق الطلبة، البحث الجدي في آليات تسهيل عودة المهجّرين قسراً، إعادة تفعيل ملف حيي الشيخ مقصود والأشرفية بما يخدم الاستقرار والسلم الأهلي، والتأكيد على التزام الطرفين بالحوار البنّاء ووحدة سوريا وسيادتها.
غير أنّ هذا المشهد، الذي لم يدُم سوى ساعات، سرعان ما تهاوى أمام أول اختبار سياسي. فما إن انتهى الاجتماع، وقبل أن يجفّ حبر البيان المشترك، حتى غادر وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى تركيا، في خطوة فسّرها مراقبون على أنها أكثر من زيارة دبلوماسية عادية. هذا الانتقال السريع حوّل، عملياً، ما جرى في دمشق إلى مادة إحاطة لأنقرة، وأفرغ الاجتماع من مضمونه السياسي، ليظهر وكأنه إجراء شكلي لا يملك قراره. بالنسبة لوفد شمال وشرق سوريا، شكّل هذا السلوك دليلاً إضافياً على أن الحكومة الانتقالية لا تزال تتعامل مع الحوار بوصفه ملفاً خاضعاً للمشورة الخارجية، لا مساراً سيادياً مستقلاً. وكانت النتيجة، كما في المحطات السابقة، غياب أي تنفيذ فعلي لما تم الاتفاق عليه، وبقاء البنود حبراً على ورق، فيما استمر الجمود والتصعيد يسيران جنباً إلى جنب.
التصعيد كرسالة تركيّة مفتوحة
بلغ هذا المسار ذروته في كانون الأول 2025، حين تكرّس الربط العضوي بين الموقف التركي والتطورات الميدانية داخل سوريا بشكل لا لبس فيه. ففي 22 كانون الأول، وقف وزير الخارجية التركي هاكان فيدان في دمشق، إلى جانب نظيره السوري أسعد الشيباني، ليعلن أن قوات سوريا الديمقراطية “لا تنوي إحراز تقدم” في محادثات الاندماج، في خطاب بدا وكأنه بيان اتهام موجّه لطرفٍ سوري آخر، لا توصيفاً دبلوماسياً محايداً. بعد أقل من أربعٍ وعشرين ساعة فقط، اندلعت اشتباكات عنيفة في حيي الشيخ مقصود والأشرفية، شاركت فيها فصائل منضوية شكلياً تحت وزارة الدفاع في الحكومة الانتقالية. مشاهد الدبابات وهي تقصف أحياء مدنية، والتي وثّقتها الكاميرات بالصوت والصورة، لم تكن مجرد تطور عسكري عابر، بل رسالة سياسية مباشرة مفادها أن سقف الاتفاقات مرهون بموافقة أنقرة.
في تصريحاته المتكررة، بدا فيدان وكأنه يتحدث باسم المشهد السوري برمّته، حين ربط “استقرار سوريا” بالأمن القومي التركي، متجاوزاً أي حديث عن السيادة أو الإرادة الوطنية السوريّة. هذا الخطاب، حين اقترن بالفعل العسكري، رسّخ قناعة واسعة في شمال وشرق البلاد بأن فشل اتفاقية العاشر من آذار لم يكن نتيجة تعنّت داخلي أو استحالة تطبيق، بل حصيلة بيئة سياسية لم تتحرر من الوصاية الإقليمية. فكل محطة زمنية، من آذار إلى حزيران وصولاً إلى كانون الأول، حملت الدليل نفسه: كلما اقترب السوريون من تفاهم داخلي، تدخلت أنقرة لإعادة خلط الأوراق.
في المحصّلة، لا يطالب السوريون في شمال وشرق البلاد بالمستحيل، ولا يسعون إلى فرض وقائع خارج الإطار الوطني، بل يطالبون بحوار حقيقي، وبقرار سيادي يُنهي زمن إدارة الملفات الداخلية من خارج الحدود. ومع اقتراب المهل الزمنية لاتفاق العاشر من آذار من نهايتها، يبقى السؤال مُعلّقاً فوق المشهد السوري كله: هل تملك دمشق الإرادة والجرأة للخروج من العباءة التركية، أم أن هذه الاتفاقية ستنضم، كسابقاتها، إلى أرشيف الفرص الضائعة في تاريخ سوريا الحديث؟
No Result
View All Result