No Result
View All Result
حمزة حرب
بعد أن تحولت الساحة السورية إلى مختبر مفتوح للنماذج السياسية والإدارية المتنافسة بعضها المتشدد في إدلب والشمال السوري المحتل والآخر استبدادي في عهد نظام الأسد السابق، وبارقة الأمل في الشمال الشرقي لسوريا، حيث النموذج اللامركزي إدارياً الديمقراطي سياسياً التعددي اجتماعياً، فلم تأتِ الإدارة الذاتية من فراغ سياسي أو أيديولوجي فحسب بل تشكّلت في رحم الفوضى السورية التي ضربت البلاد وفي ظروف أمنية بالغة الخطورة واقتصادية شديدة القسوة لتولد التجربة الأمثل وتترعرع بكنف أباء وبنات المنطقة الذين شكلوا حوامل هذا المشروع وبنو جدرانه الصلبة بلُبنات التعايش والتشاركية.
بعد سقوط النظام السوري السابق؛ لم يعد السؤال مطروحاً حول من يحكم سوريا بقدر ما بات يبحث السوريون عن كيف تحكم سوريا ولمصلحة من وبأي أدوات وبأي رؤية للمجتمع والدولة. وفي خضم هذا المشهد المعقّد بقيت تجربة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا محافظة على رونقها بوصفها نموذجاً مغايراً لا يقدّم نفسه بديلاً سلطوياً جديداً بل كصيغة تنظيمية اجتماعية تحاول إعادة تعريف العلاقة بين الإدارة والمجتمع، وبين الدولة والشعوب وبين الأمن والحقوق، في مقابل عودة النزعة المركزية الصلبة، التي تبنّتها الحكومة السورية الانتقالية بعد سقوط النظام السوري السابق.
نظام الحكم بين التغيير والاستبداد
لم تشهد سوريا فترة رخاءٍ سياسي إلا فترة وجيزة عرفت ولا زالت تسمى بالعصر الذهبي للديمقراطية في البلاد، وهي الفترة التي تلت مباشرة الانتداب الفرنسي عام 1946 حتى انقلاب 1963 فكانت هذه الفترة هي الفترة الأكثر استقراراً؛ فأُسِّست الحياة الديمقراطية والرخاء السياسية الذي وصل أوجه بين عامي 1954 و1958 فمن كان يدير البلاد هو البرلمان والأحزاب والكتل السياسية وجميعها وطني يبحث عن كيف يبني الدولة لا يبحث عن كيف يبني نفسه من خلال الدولة، علماً أن الحقبة ذاتها شهدت اضطرابات سميت بحقبة الانقلابات إلا أنها لم تهدد أو تفكك النسيج المجتمعي السوري وكانت هذه الانقلابات هي عبارة عن مشاريع تتسابق عليها قوى لتقديمها فتُعد فترة الجمهورية الأولى من 1946-1963 هي الفترة الوجيزة نسبياً التي شهدت بها سوريا ملامح النظام الديمقراطي البرلماني قبل سيطرة نظام حزب البعث ليغير المشهد كلياً ويقلب الموازين رأساً على عقب.
جثم البعث على صدور السوريين وحكم البلاد بالحديد والنار بالحد الأدنى 60 عاماً، لم يكن يعير اهتماماً لحياة السوريين بل شرع بالتحريف والإنكار والهيمنة، بنى المعتقلات وزج السوريين في دهاليز الأفرع الأمنية وسخر إمكانات الوطن لحماية كرسي الحكم، وحول البلاد من حكمٍ جمهوريٍ مفترض إلى حكم الحزب الواحد ومن ثم العائلة الواحدة حتى كنيت البلاد باسم العائلة فعوضاً عن أن تكون سوريا الديمقراطية باتت “سوريا الأسد”، وهو بحد ذاته ينم عن حالة الهيمنة والجبروت والاستبداد الذي أتى على كل مناحي الحياة حينها.
ثورة الشعب السوري عام 2011 خرجت مطالبة بحقوق الشعب السوري، وإن سبقها بأعوام ثورة الشعب الكردي في سوريا عام 2004 “انتفاضة قامشلو”. لكن؛ ما كان من نظام البعث المستبد إلا قمع هذه الثورات، وإقصاء شعوبها بل وترسيخ سطوته وهيمنته حتى جاء الانفجار الأكبر وهب الشعب السوري برمته يطالب بالإصلاح لتتحول المطالب إلى إسقاط النظام الذي سقط سقوطاً مدوياً نهاية عام 2024.
استبشر السوريون وهللوا وباركوا وأعيدت الى أذهانهم حقبة العصر الذهبي لسوريا “دولة يحكمها البرلمان “دولة” يتسابق بها السوريون لبنائها بغض النظر عن العرق والدين والمذهب إلا أن ما تم على أرض الواقع هو هيمنة حكومة انتقالية سلمت نفسها مقاليد الحكم في دمشق، أعادت إنتاج خطاب “الدولة المركزية”، مصحوبةً بالرؤية الضيقة للهوية الوطنية، وبمحاولات واضحة لإعادة إنتاج نموذج الحكم الذي ثار عليه السوريون، وبأدوات وخطاب مختلفين ظاهرياً، لكن بجوهر إقصائي واحد.
اختارت الحكومة السورية الانتقالية منذ أيامها الأولى إعادة ترسيخ النموذج المركزي الصارم، فتكدّست الصلاحيات في العاصمة وفي يد الدائرة المقربة من رئيس الحكومة وغابت آليات المشاركة المحلية الحقيقية، وتم التعامل مع المحافظات بوصفها وحدات إدارية تابعة لا مجتمعات لها خصوصياتها فهذا التوجه لم يُسهم في إعادة الثقة بين الدولة والمجتمع بل أعاد إنتاج مشاعر التهميش والاغتراب في الوطن خصوصاً في المناطق التي عانت تاريخياً من الإقصاء السياسي والاقتصادي.
فلم يلتمس السوريون أي تغيير لا زالت خطاب اللغة الواحدة لا بوصفها أداة تواصل وطنية بل كوسيلة فرض ثقافي، حيث جرى تهميش أي نقاش حول التعدد اللغوي وتم التعامل مع هذا الملف بمنطق أمني وسيادي ضيق متجاهلين أن احترام اللغات الأخرى التي لا تهدد ولا تمس وحدة البلاد بل تعززها وبقانون يصونها.
الدولة المركزية الثقيلة جعلت الدولة تبدو، في نظر كثير من السوريين كياناً بعيداً وغير معني فعلياً بحياتهم اليومية ومنفصل عن واقعهم ومطالباتهم بالحرية والعدالة والكرامة بل ساهمت محاولات إنتاج هذا النظام في توسعة الشرخ بين مكونات الشعب، بل وصل إلى حد إشعال الفتن وارتكاب الانتهاكات الجسيمة على أساس عرقي وديني ومذهبي فالساحل والسويداء نموذج حي لا زال ينتظر العدالة.
فما وصلت إليه سوريا اليوم وبعد عامٍ كامل على سقوط النظام هو انهيار الثقة بين المجتمع والسلطة الحاكمة بينما هناك في الشمال الشرقي لا زالت الإدارة الذاتية محافظة على رصيدها من الثقة داخل مجتمعاتها؛ لأنها فتحت قنوات مشاركة ومساءلة نسبية وأتاحت هامشاً للتعبير والعمل المدني.
نموذج تعددي في موازين المعادلة السورية
أحد أبرز ملامح تجربة الإدارة الذاتية يتمثل في بنيتها الإدارية المتعددة، التي لم تُصمم انطلاقاً من تصور نخبوي فوقي، بل استندت إلى الواقع الديمغرافي والاجتماعي للمناطق التي تديرها ففي مناطق يعيش فيها الكرد والعرب والسريان والآشوريون والأرمن والتركمان، لم يكن ممكناً ولا مقبولاً فرض نموذج إداري أحادي اللغة أو الهوية لذلك جاءت هياكل الإدارة بمستوياتها المختلفة من الكومين إلى المجالس المحلية والهيئات التنفيذية انعكاساً مباشراً لهذا التنوع وفق فكر ومنهج يؤمن بالأمة الديمقراطية التي نظمت أركانها استناداً لأيديولوجية ديمقراطية بنى أسسها القائد عبد الله أوجلان. حيث كان التحدي الأساسي هو البقاء ثم تنظيم الحياة ثم بناء شرعية قائمة على القبول المجتمعي الطوعي لا القسري ومنذ بداياتها الأولى اختارت هذه التجربة أن تبني نفسها على قاعدة التنوّع لا الإلغاء وعلى مبدأ الشراكة لا الهيمنة وعلى مفهوم اللامركزية بوصفها أداة حماية لوحدة المجتمع لا تهديداً له.
هذا التنوع لم يكن شكلياً أو رمزياً بل تُرجم في المشاركة الفعلية في صنع القرار، وفي توزيع المواقع الإدارية آخذين بعين الاعتبار التنوع المجتمعي والقومي والديني والجندري، وانسحبت هذه المشاركة على كيفية صياغة السياسات المحلية، حيث لم تعد الإدارة أداة سيطرة من شعب على آخر بل مساحة تفاوض دائم بين الشركاء في الجغرافيا والمصير وعلى الرغم من التحديات التي رافقت التجربة إلا أن جوهرها بقي قائماً على مبدأ الإدارة من المجتمع ولأجله، لا الحكم من المركز إلى الأطراف.
ورغم عديد القضايا البارزة التي واجت تعقيداتها مسار هيكلة وبناء الإدارة الذاتية هي قضية اللغة والهوية والانتماء وجدلية الأحقية بالأرض تاريخياً حيث قدّمت الإدارة الذاتية مقاربة مختلفة لهذه المسائل، فبدلاً من فرض لغة واحدة بوصفها لغة الإدارة اعترفت بثلاث لغات رسمية في مناطقها هي الكردية والعربية والسريانية، ليس فقط في الخطاب السياسي بل في التعليم والإدارة واللافتات الرسمية والمناهج الدراسية وحتى التعليمات الإدارية.
هذه الخطوة لم تكن ترفاً ثقافياً بل ضرورة ملحة ومنهجاً أساسياً لترسيخ حالة سياسية واجتماعية عميقة الأثر أعادت الاعتبار لشعوب عاشت عقوداً من التهميش وحرمت من حقها في التعلم بلغتها الأم، ومع إدخال مناهج متعددة اللغات تحول التعليم من أداة صهر قسري إلى مساحة اعتراف بالاختلاف ومن وسيلة لإعادة إنتاج الهوية الرسمية إلى فضاء لبناء هوية سورية تعددية.
فالإدارة الذاتية لم تتحدث عن اللامركزية بوصفها بنداً تقنياً في عقدها الاجتماعي، ولم تناضل ليكون سطراً يخط في مجلد دستورٍ سوريٍ مستقبلي إنما يراد منه العمل قبل القول والفعل قبل الوعد باعتبار هذا النهج فلسفة حكم كاملة، تقوم على نقل السلطة والموارد إلى المستوى المحلي وتمكين المجتمعات من إدارة شؤونها اليومية ضمن إطار عام يضمن التنسيق والتكامل. ففي هيكليتها لم تكن المجالس المحلية مجرد واجهات بل امتلكت صلاحيات فعلية في مجالات التعليم والخدمات والأمن المحلي والاقتصاد المجتمعي، وهو ما حقق الاستجابة الممكنة لاحتياجات السكان وساهم في احتواء الأزمات وشكل حالة من خلق الشعور بالمسؤولية المشتركة بين المجتمع والإدارة.
وفي ظل غياب الدولة المركزية لسنوات نجحت هذه البنية في منع الانهيار، وفي الحفاظ على الاستقرار بعد أن استبسل أبناء مناطق الإدارة الذاتية في الدفاع والتضحية للذود عن حياض أرضهم التي رسخوا بدمائهم دعائم المشروع الفتي الذي راهنوا عليه وتبنوه، ورسموا مبادئه بدمائهم التي سالت على أرضهم لصد اعتداءات المرتزقة والمحتلين.
خلاص سوريا رهن توافقٍ سوري – سوري
الإدارة الذاتية قدّمت “العقد الاجتماعي” بوصفه وثيقة مرجعية تنظّم العلاقة بين الشعوب وتحدّد الحقوق والواجبات، وتؤكد على المساواة الجندرية وحقوق المرأة والفصل بين السلطات واحترام الحريات الدينية والثقافية فهذه الوثيقة مثّلت محاولة جدية لصياغة عقد جديد في بلد تمزّق عقده القديم.
في المقابل، لم تطرح الحكومة الانتقالية أي وثيقة جامعة مماثلة بل اكتفت بإدارة المرحلة بمنطق الأمر الواقع وأصدرت قرارات أثارت جدلاً واسعاً خصوصاً تلك المتعلقة حقوق الشعوب وحقوق المرأة حيث جرى التراجع عن مكتسبات أساسية مثل تقليص حقوق الوصاية وإقصاء النساء من مواقع القرار، ما عكس توجهاً محافظاً يتناقض مع شعارات “المرحلة الجديدة”.
ومن أخطر ما شهدته سوريا في المرحلة الأخيرة هو تصاعد خطاب الكراهية والتحريض سواء عبر الإعلام الرسمي أو المنصات المحسوبة على السلطة فهذا الخطاب الذي استهدف شعوباً بعينها شكّل تهديداً مباشراً للسلم الأهلي وأعاد فتح جراح لم تلتئم بعد.
هذه العوامل جميعها شكلت جبهاتٍ تضاف إلى تلك الجبهات التي كانت تحارب الإدارة الذاتية بغرض الهيمنة وإعادة إنتاج الاستبداد، لكن ورغم الضغوط حافظت الإدارة الذاتية على خطاب سياسي متزن وموضوعي يركّز على التعايش والشراكة، حتى في ذروة الصراع ما جعلها في نظر كل السوريين النموذج الأمثل وطوق النجاة الوحيد وعنوان سوريا الجامعة بكل تفاصيلها وفق ما تتبناه وما سارت عليه طيلة السنوات الماضية بأنموذجٍ حي لا يشابه ما سلف ولا يتوافق مع ما هو موجود بل يسعى للتغيير ويناضل لتبقى سوريا واحدة موحدة لا مركزية تلبي تطلعات السوريين بمختلف مشاربهم.
No Result
View All Result