No Result
View All Result
د. طه علي أحمد
يشكّل إعلان الولايات المتحدة الأمريكية رفع العقوبات المفروضة على سوريا، في إطار ما يُعرف بقانون «قيصر»، تحوّلًا سياسيًا لافتًا بعد أكثر من عقدٍ من اعتماد واشنطن سياسة العزل والضغط الاقتصادي. غير أن هذا التحوّل، على أهميته الظاهرية، لا يمكن قراءته بوصفه انقلابًا جذريًا في الموقف الأمريكي، بقدر ما يعكس انتقالًا محسوبًا من منطق الضغط المفتوح إلى منطق إدارة الواقع القائم، في ظل إرهاق دولي من ملف بات يُنظر إليه كأزمة مزمنة يصعب حسمها، بما يفرض الانتقال من منطق “حل الأزمة”، إلى منطق “إدارة الأزمة”.
فالموقف الأمريكي الأخير لم يأتِ على هيئة رفعٍ نهائي وغير مشروط للعقوبات، بل ارتُبط بآلية تقييم تمتدّ على 180 يومًا، تُراجع في نهايتها واشنطن سلوك السلطة الحاكمة في دمشق، وتقرّر بناءً عليه استكمال مسار التخفيف أو التراجع عنه، وهوما يعكس حذرًا واضحًا، بل شكًّا بنيويًا، في طبيعة هذه السلطة وقدرتها على التحوّل. لكنه؛ في الوقت ذاته يكشف أن معيار التقييم لا يتصل بإصلاحات سياسية عميقة، بقدر ما يتركّز على اعتبارات “الاستقرار الوظيفي” وضبط المخاطر، أو بعبارة أخرى قدرة السلطة الحاكمة على السير على الدرب الذي رسمته واشنطن خلال زيارة رئيس الحكومة الانتقالية أخيرًا والتي عبرت عنه كلمات الإشادة المشروطة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وفي الوقت نفسه قدرة السلطة على ضبط نطاق المخاطر وعدم تفجر الأوضاع في البلاد بما يهدد المصالح الأمريكية وفي مقدمتها أمن إسرائيل. فحتى الآن، لم تُرفق مهلة التقييم بمعايير علنية تتعلق بالمشاركة السياسية، أو التعددية، أو العدالة الانتقالية، أو إعادة بناء العقد الاجتماعي. وبذلك، تتحوّل المشروطية الزمنية من أداة ضغط إصلاحي إلى اختبار تقني للسلوك، يُقاس بمدى قدرة السلطة على ضبط الداخل سياسياً واجتماعياً (إدارة رشيدة للتنوع الطائفي في البلاد)، ومنع عودة الفوضى، وتحييد التداعيات الإقليمية للأزمة، لا بمدى استعدادها لتغيير نمط الحكم الذي قاد إلى الانفجار أصلًا.
ويأتي هذا التحوّل رغم اعتراف مؤسسات دولية، من بينها الأمم المتحدة، بأن الأزمة السوريّة لم تُعالج بعد؛ فبحسب تقارير أممية حديثة، لا يزال أكثر من 90% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، ويحتاج ما يزيد على 15 مليون شخص إلى مساعدات إنسانية، في ظل غياب أي تقدّم جوهري في ملفات العودة الآمنة للاجئين أو المحاسبة أو المصالحة الوطنية. وهو ما يطرح تساؤلًا جوهريًا حول جدوى مكافأة سلطة لم تُظهر التزامًا واضحًا بمعالجة هذه الاختلالات البنيوية.
وعلى الجبهة الأوروبية، لا يختلف المشهد كثيرًا من حيث الجوهر، وإن بدا أكثر حذرًا في الشكل؛ فالاتحاد الأوروبي يشهد خلال السنوات الأخيرة نقاشات متزايدة حول كلفة استمرار العقوبات على سوريا، لا سيما في ظل تصاعد ملفات الهجرة والأمن والطاقة. غير أن هذه المراجعات قد انطلقت في معظمها من اعتبارات براغماتية، لا من تقييم نقدي لسلوك الحكومة الانتقالية، ما أبقى السياسة الأوروبية معلّقة بين خطاب القيم وضرورات الواقع، من دون اشتراط إصلاحات سياسية ملموسة مقابل أي انفتاح مُحتمل.
تكمن الإشكالية إذاً، في أن هذا المسار الدولي ـ الأمريكي والأوروبي ـ يتعامل مع الشرعية بوصفها نتاجًا للاعتراف الخارجي، لا نتيجة لعلاقة داخلية متوازنة بين السلطة والمجتمع رغم الشروط الأمريكية والأوروبية المزعومة بشأن ضبط حالة حقوق الإنسان، وهي كلها لا تصمد أمام الموقف الملتبس للحكومة الحالية من أحداث اجتماعية جسيمة غابت خلالها الجدية والإرادة الحاسمة لترسيخ المحاسبية والاندماج الوطني، ولهذا ففي الحالة السوريّة، لا تزال الشرعية الداخلية موضع شكّ عميق، في ظل سلطة تستند إلى خلفية أيديولوجية إقصائية رغم العبارات التي يرددوها المسؤولون، ولا تؤمن بالتعددية السياسية وقد بدا ذلك جلياً منذ اليوم الأول للحكومة سواء فيما يتصل بطريقة تشكيلها أو وضع الأساس الدستوري للبلاد بشكلٍ غير توافقي بل سقط في دوائر النقد والاستهجان من غالبية الطيف السياسي والطائفي السوري، ولعل في ذلك ما يعكس نظرة السلطة في دمشق للديمقراطية باعتبارها تهديدًا لا خيارًا تنظيميًا وحتمية تاريخية، الأمر الذي يجعل أي خطاب عن الانفتاح أو الإصلاح أقرب إلى كونه مناورة ظرفية تهدف إلى اجتياز مرحلة التقييم الدولي، لا مسارًا استراتيجيًا لإعادة بناء الدولة.
بشكل عام، فإن رفع العقوبات، أو تخفيفها المشروط، في غياب تحوّل حقيقي في بنية الحكم، لا يمثّل حلًا للأزمة السورية، بل يساهم في تجميدها وإعادة إنتاج أسبابها. فالمشروطية المزعومة من جانب واشنطن (أي مهلة الـ 180 يوما للتقييم)، وبدلاً من أن تكون مدخلًا لمساءلة سياسية جادة، قد تتحوّل إلى نافذة تمنح السلطة هامشًا للمناورة وتقديم تنازلات شكلية، من دون الالتزام بإصلاح جوهري يضمن الاستقرار الحقيقي للبلاد. وفي هذا السياق، يبدو أن المجتمع الدولي قد اختار تقليص كلفة الأزمة عليه، حتى وإن كان ذلك على حساب معالجة جذورها، وهو خيار قد يوفّر استقرارًا هشًّا ومؤقتًا، لكنه يترك الباب مفتوحًا أمام أزمات قادمة.
في المحصّلة، لا يتوقّف مستقبل سوريا عند نتائج التقييم المرحلي (180 يومًا) بقدر ما يتوقّف عند السؤال الأعمق الذي لم تُجب عنه السياسات الدولية بعد: هل الهدف هو بناء دولة مستقرة تقوم على عقد اجتماعي جديد، أم الاكتفاء بإدارة أزمة طويلة الأمد بأقل كلفة ممكنة؟ فدون ربط أي انفتاح دولي بتحوّل فعلي في بنية الحكم، ستظلّ كل المهل الزمنية مجرّد أدوات لتأجيل الاستحقاق، لا معابر حقيقية نحو حلّ مستدام.
No Result
View All Result