No Result
View All Result
إسحاق الشعير
منذ أن طرحت الإدارة الذاتية الديمقراطية لشمال وشرق سوريا مبادرتها للحوار الوطني، المعروفة باتفاق ١٠ آذار، والتي تتضمن “النقاط العشر”، ساد خطاب إعلامي مضلل يركز بشكل هستيري على إشاعة “الاندماج العسكري” لقوات سوريا الديمقراطية (قسد) في صفوف الجيش السوري.
هذا التركيز ليس بريئاً؛ إنه محاولة مكشوفة لتصوير الأمر على أنه عملية نزع سلاح واستسلام، متجاهلاً عمداً الجوهر السياسي والإنساني للمبادرة، ومغفلاً حقيقة التباين العسكري الهائل الذي يجعل أي حديث عن “اندماج” مجرد هراء لا يمت للواقع بصلة.
إن مستقبل سوريا لن يعود إلى ما ينتظره أولئك الذين يطمحون إلى استعادة السلطة المطلقة أو فرض أجنداتهم. إنهم مكشوفون كأدوات تنفيذ لاتفاقات دولية لا أكثر، ولا يطمعوا بأكثر من ذلك.
الاندماج المستحيل.. لكن التكامل ممكن
احترافية “قسد” في مواجهة الفوضى هنا تكمن المفارقة الأكثر وضوحاً: كيف يمكن لقوة عسكرية منظمة ومحترفة مثل “قسد”، التي تشكلت وتدرّبت بشكل محترف وشاركها التحالف الدولي في محاربة داعش وكانت القوة الضاربة على الأرض التي أنهت الوجود الجغرافي داعــش الإرهابــي أمام أعين العالم أجمع، أن تندمج مع مجموعات لا تمتلك أي تنظيم عسكري محترف؟
إن الحديث عن دمج “قسد” في هيكل يضم مجموعات مسلحة غير نظامية، بل وفي كثير من الأحيان مجموعات ذات خلفية متطرفة أو ميليشياوية، هو حديث عن دمج الاحترافية بالفوضى. هذه المجموعات لا تمتلك سجلاً قتالياً منظماً، ولم تتلقَ تدريبات عسكرية احترافية، وليست أكثر من أشخاص يحملون السلاح لتنفيذ أجندات ضيقة أو خارجية.
محاولة وضع قوة عسكرية منضبطة ومؤسسية، كـ “قسد”، في سلة واحدة مع هذه الميليشيات، هو إهانة للتضحيات التي قُدمت في حرب الإرهاب، وتجاهل متعمد للواقع العسكري على الأرض.
البنود الحقيقية
دستور لامركزي وخدمات للمواطن، الإصرار على تضخيم الملف العسكري يهدف إلى التعتيم على البنود الأساسية التي تشكل جوهر الاتفاق، والتي لم يتم تطبيق أي منها حتى الآن.
هذه البنود هي التي تحدد مستقبل سوريا الحقيقي، الملف الدستوري: طالبت الإدارة الذاتية بوضوح إعادة صياغة دستور تعددي جديد يضمن حقوق كافة الشعوب السوريّة ويؤسس لحكم لامركزي تعددي ديمقراطي، رافضةً التعديلات الدستورية الأحادية التي قامت بها الحكومة الانتقالية. هذا المطلب هو مفتاح الحل السياسي، وهو رفض قاطع للعودة إلى نموذج الدولة المركزية الشمولية.
عودة المهجرين
المطالبة بضمان عودة السكان الأصليين والمهجرين قسراً إلى مناطقهم، بما في ذلك عفرين وكري سبي وسري كانيه، وإنهاء سياسات التغيير الديمغرافي؛ هذا البند يضع الحكومة الانتقالية أمام مسؤوليتها الإنسانية والوطنية.
المؤسسات الخدمية
المطالبة بإعادة تفعيل مؤسسات الدولة الخدمية في مناطق الإدارة الذاتية، مثل السجل المدني، والجوازات، ووزارة التربية والتعليم، والتعليم العالي. إن عدم الاعتراف بشهادات الطلاب أو تفعيل السجل المدني هي قضايا تمس حياة مئات الآلاف من السوريين بشكلٍ يومي، وتفوق في أهميتها أي ترتيبات عسكرية.
الدوافع الخفية
تكرار سيناريو الساحل والسويداء، الإصرار على نزع سلاح “قسد” ليس هدفاً بحد ذاته، بل هو وسيلة لفتح الباب أمام سيناريوهات أمنية وعسكرية مشابهة لما حدث في مناطق أخرى من سوريا. الهدف الحقيقي هو إزالة القوة المنظمة الوحيدة القادرة على حماية المنطقة، تمهيداً لفرض السيطرة الكاملة وإلغاء مشروع الإدارة الذاتية.
الوضع في مناطق الإدارة الذاتية ليس مشابهاً للساحل أو الجنوب السوري، حيث كان الأهالي هناك لا يملكون أي قوة عسكرية.
فـ “قسد” هي قوة راسخة، ومحاولة نزع سلاحها هي خطوة استراتيجية لـ سلطة الأمر الواقع القائمة، وبعد أن تنتهك المناطق، سيخرج مسؤولون في سلطة الأمر الواقع لتبرير الأفعال بأنها “بدون علمهم” أو “تصرفات فردية خارجة عن إرادتهم”، وهو تكتيك مكشوف يهدف إلى التملص من المسؤولية.
سوريا الجديدة لا تقبل الوصاية، سوريا الجديدة التي يتم السعي لبنائها؛ لن تعود إلى نموذج الدولة المركزية القمعية الذين وصلوا إلى السلطة بأسلوب مريب، والذين يعملون كأدوات لتنفيذ أجندات دولية وإقليمية، يجب أن يدركوا إنهم مكشوفون.
المشروع السياسي والاجتماعي في شمال وشرق سوريا، القائم على اللامركزية والتعددية، هو رؤية لمستقبل سوريا لا يمكن اختزالها في نزع سلاح أو اندماج شكلي مستحيل.
مستقبل سوريا يكمن في الاعتراف بالتعددية، وتبني نظام لامركزي، ووجود قوة وطنية منظمة كـ “قسد” كضمانة ضد عودة الإرهاب.
No Result
View All Result