No Result
View All Result
إسحاق الشعير
بعد مرور عام على التحولات الدراماتيكية التي شهدتها دمشق، لم تعد الأسئلة في واشنطن تدور حول “ماذا سيحدث؟”، بل حول “كيف سمحنا لهذا بأن يحدث؟”.
إن استهداف جنود أمريكيين على الأراضي السوريّة “تدمر” مؤخراً ليس مجرد حادثة أمنية معزولة، بل هو التتويج المنطقي لاستراتيجية أمريكية، قادها المبعوث الخاص توم باراك، قامت على سلسلة من الأوهام والتقديرات الخاطئة التي حوّلت سوريا من ملف معقد إلى مستنقع يهدد بابتلاع ما تبقى من مصداقية الردع الأمريكي.
لفهم أبعاد هذا الفشل، لا بد من تفكيك المقاربة التي تبنتها إدارة ترامب، والتي يمكن تلخيصها في “استراتيجية الاحتواء عبر الوكلاء”.
قامت هذه الاستراتيجية على فرضية مركزية مفادها أن “سلطة الأمر الواقع” في دمشق، رغم جذورها الأيديولوجية المتطرفة، يمكن ترويضها واحتواؤها عبر الاعتماد على “ضمانات تركية”.
لقد افترض مهندسو هذه السياسة أن الضغط الإقليمي، والمنافع الاقتصادية المحتملة، والوقت، كفيلة بتحويل كيان متطرف صدامي إلى لاعبٍ سياسي براغماتي.
هذا الرهان لم يكن مجرد تفاؤل في غير محله، بل كان تجاهلاً متعمداً لطبيعة هذه المجموعات وبنيتها المتشددة. سقوط نظرية “الترويض بالأوهام” لقد أثبتت التجربة التاريخية، من فيتنام إلى أفغانستان، أن الحركات القائمة على عقيدة أيديولوجية صلبة لا تخضع لمنطق الصفقات السياسية التقليدية. فهي تفسر أي مرونة أو انفتاح من الخصم على أنه ضعف تكتيكي يمكن استغلاله، وتنظر إلى فترات التهدئة كفرصة ذهبية لإعادة التموضع، وتكريس النفوذ، وتطهير الصفوف الداخلية، وتعميق السيطرة على المجتمع.
هذا بالضبط ما حدث في سوريا خلال العام المنصرم، فبدلاً من استغلال “الفرصة” لتقديم مؤشرات على الاعتدال والانخراط في المجتمع الدولي، عملت سلطة دمشق الجديدة بشكلٍ ممنهج على تثبيت عناصرها في مفاصل السلطة، حتى أولئك الأجانب من تركستانيين، أوزبكيين، أيغور وغيرهم. لم تكن احتفالات الذكرى السنوية، بما حملته من استعراض فجّ للرايات والشعارات المتطرفة، إلا رسالة مقصودة ومدروسة بعناية، موجهة للداخل والخارج على حدٍ سواء.
للداخل، كانت تأكيداً على أن هوية الدكتاتور لم ولن تتغير. وللخارج، كانت إعلاناً صريحاً بأن أي رهان على تغيير سلوكها هو مجرد وهم.
“الضمانات التركية”.. من ورقة رابحة إلى ورقة تورط في قلب استراتيجية باراك
لعبت “الضمانات التركية” دور حجر الزاوية. لقد تم تقديم أنقرة كشريكٍ موثوق قادر على لجم سلوك حلفائها في دمشق. لكن؛ هذا الدور سرعان ما تكشّف عن كونه إما وهماً أمريكياً أو مناورة تركية.
فأنقرة، التي تملك مصالحها المعقدة وأجندتها الخاصة في سوريا، لم تكن تملك الإرادة أو القدرة الحقيقية لفرض تغيير جوهري على بنية السلطة في دمشق. وفي أحسن الأحوال، كانت ضماناتها تقتصر على منع التهديدات المباشرة لأمنها القومي، بحسب زعمها وبالتالي احتلال المزيد من الأراضي السورية، لا تغيير الطبيعة الأيديولوجية للنظام. وبهذا، تحولت الضمانات من أداة للضبط إلى غطاءٍ سياسي سمح بتمرير الأمر الواقع.
لقد منحت واشنطن، عبر اعتمادها على هذه الضمانات، تفويضاً غير مباشر لأنقرة لإدارة الملف السوري، بينما اكتفت هي بدور المراقب الذي ينتظر نتائج لن تأتي، هذا الاعتماد المفرط كشف عن خللٍ بنيوي في السياسة الأمريكية.
الكلفة الأمنية: عندما تدق الفواتير أبواب واشنطن
إن الهجوم الذي أودى بحياة جنود أمريكيين لم يكن مفاجئاً إلا لمن اختار أن يصدق أوهامه. لقد كان نتيجة حتمية لسياسة “إدارة المخاطر” التي فضّلت الحلول المؤقتة والتهدئة الشكلية على المواجهة الحاسمة مع مصادر التهديد. عندما تسمح لقوة معادية لك أيديولوجياً بالتمكين والتجذر، فإنك عملياً تبدأ العد التنازلي للمواجهة الحتمية.
لقد وفر العام الماضي لهذه السلطة الوقت الكافي لترسيخ وجودها الاستخباراتي والعسكري، وتحديد نقاط الضعف في الوجود الأمريكي، واختيار التوقيت المناسب لتوجيه ضربتها. وهنا تكمن المسؤولية السياسية لإدارة ترامب ومبعوثها باراك. فالفشل ليس في عدم توقع الهجوم، بل في خلق الظروف التي جعلت وقوعه شبه مؤكد. إن الاستمرار في سياسة “شراء الوقت” في مواجهة خصم يستغل الوقت لصالحه هو استهتار محسوب بالكلفة البشرية، ويقوض بشكل مباشر مصداقية الردع التي تمثل أثمن أصول القوة الأمريكية.
ما العمل نحو مراجعة جذرية لا تجميلية..؟
إن الخروج من هذا المأزق لا يمكن أن يتم عبر تعديلات تجميلية أو تغييرات في الخطاب الدبلوماسي. المطلوب هو مراجعة استراتيجية شاملة وصريحة، تعترف بفشل المقاربة السابقة وتؤسس لنهج جديد يقوم على الواقعية الصارمة وتحديد الهدف بوضوح: يجب أن تنتقل السياسة الأمريكية من هدف “الاحتواء” الغامض إلى هدف “التفكيك” الواضح للقدرات العسكرية والأمنية التي تشكّل تهديداً مباشراً.
1.إنهاء الاعتماد على الوكلاء غير الموثوقين: يجب على واشنطن استعادة زمام المبادرة، والتعامل مباشرة مع الملف السوري بدلاً من الاستعانة بوسطاء أثبتوا إما عجزهم أو ازدواجية أجنداتهم. يجب تحميل الجهات الضامنة، وعلى رأسها تركيا، مسؤولية مباشرة عن أي تهديد ينطلق من مناطق نفوذها.
2.شروط قابلة للتحقق لا وعود زائفة: أي مسار سياسي مستقبلي يجب أن يكون مرهوناً بخطوات ملموسة وقابلة للقياس على الأرض، مثل حل المجموعات، وتسليم الأسلحة الثقيلة، وإطلاق سراح المعتقلين، تحت إشراف دولي محايد.
3.لقد حان الوقت لأن تدرك واشنطن أن بعض الأيديولوجيات غير قابلة للاحتواء أو الترويض.
إن تجاهل هذه الحقيقة لم يجلب السلام، بل أطال أمد الصراع، ومكّن المتطرفين. وفي النهاية، وضع الجنود الأمريكيين في مرمى النيران.
إن أول خطوة على طريق تصحيح المسار هي الشجاعة الأدبية والسياسية للاعتراف بأن استراتيجية باراك لم تكن مجرد خطأ في التقدير، بل كانت فشلاً استراتيجياً محسوباً، تدفع أمريكا الآن فاتورته الباهظة.
No Result
View All Result