No Result
View All Result
دجوار أحمد آغا
تدخل القضية الكردية في باكور كردستان وتركيا مرحلة جديدة من الغموض السياسي، مع إعلان اللجنة البرلمانية نيتها الاجتماع قريباً لجمع التقارير المقدّمة من الأحزاب السياسية، وصياغتها في تقرير واحد، للوهلة الأولى، قد يبدو هذا الإجراء خطوة مؤسساتية طبيعية، لكن عند التعمق في السياق السياسي، والقانوني، تبرز تساؤلات جوهرية حول طبيعة هذا العمل، وحدوده، وما إذا كان يشكّل فعلًا مدخلًا لحل حقيقي للقضية الكردية، أم مجرد محاولة شكلية لإدارة الأزمة دون الاقتراب من جذورها.
السؤال الذي يطرح نفسه بقوة، هل نحن أمام خطوة جدية باتجاه الحل، أم أمام إجراء شكلي جديد يُضاف إلى أرشيف طويل من اللجان والتقارير غير المؤثرة؟ في هذا المقال، سوف نسلط الضوء على عمل اللجنة البرلمانية، والنتائج التي حققتها حتى الآن.
أعمال اللجنة البرلمانية ومساعيها
حتى الآن، اقتصر دور اللجنة البرلمانية على جمع تقارير الأحزاب السياسية، وهي تقارير متباينة في مضمونها وشكلها وعدد صفحاتها، أغلبها يعكس مواقف سياسية تركية، تقليدية حيال القضية الكردية، حتى أن البعض منها يعتمد على مقاربات أمنية، أو قومية، تُهمّش جوهر القضية، بل وتنكر وجودها كقضية سياسية تاريخية، وهي بالتالي ما تزال أسيرة خطاب الكراهية والإنكار والتهميش، وتتجاهل السياق البنيوي للصراع، وتختزل القضية في أبعاد أمنية، وقضايا خدمية، وتعجز عن تسمية القضية باسمها وبالتالي من الصعب عليها أن تقوم بتقديم حلول حقيقية للقضية، لأنها تتعامل معها كمشكلة إدارية أو تنموية، لا كقضية حقوق وهوية وديمقراطية.
المشكلة ليست تقنية، بل سياسية بامتياز، فالقضية الكردية في باكور كردستان وتركيا، لم تكن يومًا أزمة نقص تقارير، بل أزمة غياب إرادة سياسية، واللجنة البرلمانية، كان عليها أولاً فتح نقاش جدي حول جذور الصراع، ولكن على ما يبدو إنها تسعى إلى إدارة الملف لا حله، وإلى احتواء المطالب بدل الاستجابة لها.
من خلال ما ذكرناه آنفاً، والواقع الموجود، يمكننا أن نطرح سؤالاً موضوعياً حول عمل اللجنة البرلمانية، هل اللجنة بصدد إنتاج معرفة سياسية جديدة، أم أنها تعيد تدوير خطاب رسمي قديم؟
إن الاعتماد على تقارير مهمّشة، أو صادرة عن أحزاب لا تعترف أصلاً بالحقوق القومية، والسياسية للكرد، مثل (الحركة القومية التركية، وحزب العدالة والتنمية)، يعني أن التقرير النهائي للجنة سيكون على الأرجح انعكاساً لإنكار سياسي مقنّع، لا خارطة طريق للحل، وبالتالي ستعلن اللجنة فشلها في تحقيق أي تقدم بخصوص مسار السلام والمجتمع الديمقراطي، وقد تضيع فرصة تاريخية ربما لن تعود مرة أخرى.
غياب الشروط القانونية والسياسية
أي حديث عن حل القضية الكردية، لا يمكن فصله عن الشروط القانونية، والسياسية الأساسية، وحتى اللحظة، لم توفّر الدولة التركية هذه الشروط، وعلى رأسها، الاعتراف الدستوري بالهوية الكردية، وضمان الحريات السياسية والتنظيمية، ووقف سياسات الإقصاء والتجريم، وفتح المجال أمام الفاعلين الحقيقيين في عملية السلام، في هذا السياق، لا يمكن تجاهل موقع القائد المفكر عبد الله أوجلان، بوصفه ليس فقط رمزاً سياسياً، بل قائداً حقيقياً، وصاحب مبادرة السلام والمجتمع الديمقراطي، لقد أثبتت التجارب السابقة أن أي مسار سياسي سلمي دون مشاركته أو تجاوزه، مصيره الفشل الحتمي. في هذا السياق، تكتسب تصريحات زعيم حزب الحركة القومية التركية، دولت بهجلي، أهمية خاصة: إن “القائد عبد الله أوجلان لم يطلب الحرية، ولم يطالب الخروج من سجن إمرالي”، هذه التصريحات، بغضّ النظر عن دوافعها السياسية، تكشف حقيقة جوهرية يتم تجاهلها عمداً في الخطاب الرسمي، أن مطالب القائد عبد الله أوجلان ليست شخصية أو فردية، بل سياسية ومجتمعية، تتعلق بمسار السلام، وحل القضية الكردية.
لكن المفارقة هنا، أن هذا الاعتراف الضمني لا يُترجم خطوات عملية، فإذا كان القائد عبد الله أوجلان، لم يطلب حريته الشخصية، إذاً لماذا يُستمرون في عزله المطلق؟ ولماذا لا تُوفَّر له الشروط القانونية والسياسية، للقيام بدوره كقيادي لمبادرة السلام والمجتمع الديمقراطي؟ إن الإصرار على تجاهله، رغم الإقرار بعدم سعيه لمكاسب فردية، يفضح طبيعة المقاربة القائمة على الإقصاء لا الحل.
وهنا يبرز سؤال مركزي، إن لم يُسمح للقائد عبد الله أوجلان، بلعب دور قيادي في أي مبادرة سلام، فمن سيقود هذه المبادرة؟ علماً أن التجارب السابقة أثبتت أن أي مسار، وأي تقدّم فعلي كان مرتبطًا بدوره المباشر، وبقدرته على التأثير في القاعدة الاجتماعية، والسياسية الكردية، أما تحويل عملية السلام إلى شأن تقني تُديره لجان وتقارير، فهو وصفة جاهزة للفشل.
دور القائد عبد الله أوجلان
السؤال الأكثر حساسية اليوم، هو إن لم يتم توفير الشروط القانونية والسياسية، للقائد عبد الله أوجلان، ليكون الطرف المقابل للدولة التركية، في مسار السلام والمجتمع الديمقراطي، كيف ستسير هذه المبادرة؟ التجربة التاريخية، وخاصة مرحلة مسار مفاوضات السلام خلال أعوامعوامأعوام (2013 و2015)، تُظهر أن أي تقدم حقيقي تحقق، كان مرتبطاً بدور القائد والمفكر عبد الله أوجلان المباشر، وبالاعتراف غير المعلن بثقله السياسي والاجتماعي.
إقصاء القائد عبد الله أوجلان، يعني عملياً إفراغ أي مبادرة من مضمونها، وتحويلها إلى مشروع بيروقراطي بلا قاعدة شعبية، وهنا يبرز مفهوم “حق الأمل” كشرط أساسي، فالأمل السياسي ليس شعاراً عاطفياً، بل شرطاً عملياً لبناء الثقة، وبدون خطوات عملية، وفي مقدمتها الحرية الجسدية له، لا يمكن إقناع المجتمع الكردي، أن هذه اللجنة تختلف عن سابقاتها، أو أن التقرير المنتظر ليس مجرد وثيقة تُركَن في الأدراج.
في ظل هذه المعطيات، يمكننا تلخيص السيناريوات المحتملة من جانب اللجنة البرلمانية على النحو التالي: سيناريو الحد الأدنى، ويشمل إصدار تقرير عام، مليء بالعبارات الدبلوماسية، يدعو إلى (التعايش والأخوة)، دون التزامات قانونية أو سياسية واضحة.
ـ سيناريو الإدارة لا الحل، استخدام التقرير كأداة لامتصاص الضغط الداخلي والخارجي، دون أي تغيير حقيقي في السياسات تجاه الكرد.
ـ سيناريو الفرصة الضائعة، تجاهل جوهر القضية، ما يؤدي إلى تعميق فقدان الثقة بين الدولة والمجتمع الكردي، وإغلاق نافذة سياسية كان يمكن استثمارها.
ـ أما السيناريو الإيجابي، وهو الأضعف احتمالاً في الوقت الراهن، فيتطلب شجاعة سياسية غير متوفرة حتى الآن، تبدأ بالاعتراف بالمشكلة وتنتهي بإشراك الفاعلين الحقيقيين.
اللجنة البرلمانية الاختبار الحقيقي
إن اقتصر “حل القضية الكردية” على مستوى الخطاب السياسي، دون القيام بخطوات عملية على أرض الواقع، من المحتمل تطور القضية بشكل يؤثر على المستوى التركي العام، من خلال استمرار الأزمة الديمقراطية، وتعميق الاستقطاب القومي، الى جانب تآكل الثقة بالمؤسسات البرلمانية، وبقاء الملف الكردي أداة للصراع السياسي الداخلي.
أما على مستوى باكور كردستان، فسوف يتصاعد الإحباط السياسي، بالإضافة الى تراجع الإيمان بالحلول البرلمانية، وإعادة إنتاج أشكال مقاومة جديدة، سياسية أو مجتمعية، الى جانب تعميق الهوة بين الدولة والمجتمع، الحل الشكلي المستند الى الخطاب السياسي الفارغ، لا يُجمّد الصراع، بل يؤجله فقط، وغالباً يعيد تأجيجه بشكل أكثر تعقيداً.
تقف اللجنة البرلمانية اليوم أمام اختبار حقيقي، وعليها أن تقرر في أي طريق تسير، إما أن تكون جزءاً من مسار شجاع وجريء يعترف بالقضية الكردية كقضية سياسية تاريخية، يجب حلها وفق أسس ديمقراطية عصرية، أو أن تتحول إلى حلقة جديدة في سلسلة طويلة من اللجان والتقارير، التي لم تغيّر شيئاً من هذا الصراع المستمر منذ تأسيس الجمهورية التركية.
بالتأكيد من دون توفير الشروط القانونية والسياسية، ومن دون الاعتراف بدور القائد عبد الله أوجلان، ومن دون ضمان “حق الأمل”، وبالتالي تحقيق الحرية الجسدية، فإن أي تقرير سيبقى مجرد نص، لا مشروع حل، والقضية الكردية، بما تحمله من تاريخ ومعاناة وتطلعات، أكبر بكثير من أن تُختزل في تقرير برلماني، لا يمتلك الإرادة ولا الجرأة.
إن تجاهل هذه الحقيقة يفرغ عمل اللجنة البرلمانية من مضمونها، ويحوّل تقريرها المنتظر وثيقة إنشائية، مهما بلغت دقتها اللغوية، فالحل لا يُبنى على تجميع نصوص، بل على خلق مناخ سياسي جديد، يبدأ بتوفير الشروط القانونية، ويمر بالاعتراف بالفاعلين الحقيقيين، وينتهي ببناء الثقة.
No Result
View All Result