إسحاق الشعير
كانت رياح “ربيع الشعوب” عاصفة اجتاحت عروشاً متجذرة، فتهاوت أنظمة، وفرّ ملوك ورؤساء، في مشهدٍ درامي لم يمهلهم طويلاً لترتيب أوراقهم أو حتى لوداع جماهيرهم.
لكن في قلب الشرق الأوسط، ظلت سوريا عصيّة على السقوط السريع، لا لقوة نظامها بقدر ما هي لـ لعنة موقعها الاستراتيجي الذي حولها من دولة ذات سيادة إلى رقعة شطرنج عالمية.
لقد كانت سوريا، ببوابتها المتوسطية وعمقها الإقليمي، الجائزة الكبرى التي لم يتفق عليها الكبار. لم يكن الصراع فيها صراعاً داخلياً خالصاً، بل كان انجذاباً جيوسياسياً متعدد الأقطاب، حيث تداخلت أطماع القوى العظمى والإقليمية، من موسكو إلى واشنطن، ومن طهران إلى أنقرة وتل أبيب.
هذا التنازع هو ما أبقى على رئيس النظام بشار الأسد في المشهد لأكثر من عقد من الزمان، ليس كمنتصر، بل كـ حارس مؤقت لمرحلة التمزيق الممنهج.
على مدى أكثر من عشر سنوات، لم تكن الحرب الأهلية سوى عملية جراحية طويلة الأمد لـ “تقسيم” الجسد السوري.
لقد تحولت المناورات السياسية والاجتياحات العسكرية إلى أدوات لتثبيت مناطق النفوذ، حتى أصبح التقسيم الفعلي على الأرض أمراً واقعاً، بل واحتلالاً متفقاً عليه بين اللاعبين الكبار. عندما نضجت هذه الخارطة الجديدة، وأصبح لكل طرف حصته، جاء وقت إسدال الستار على الفصل القديم في هذا التوقيت تحديداً، كان الإقرار جاهزاً بـ نهاية الأسد.
لم يكن هروبه (أو إخراجه) حدثاً مفاجئاً، بل كان الختم الرسمي على صفقة التقسيم.
لقد جاءت لحظة خروجه متزامنة مع لحظة تجهيز “الوريث” الجديد للمشهد الشمالي الغربي: أبو محمد الجولاني، أو كما أصبح يُعرف الآن، أحمد الشرع.
لقد خضع الجولاني، زعيم هيئة تحرير الشام، لـ تدريب سنوات على يد مهندسي المشهد الجدد.
لم يكن هذا التدريب عسكرياً، بل كان تدريباً سياسياً وإعلامياً لإخراجه من “التمثيلية الجهادية” التي خدم بها المرحلة السابقة.
كانت عملية “دبلسة” كاملة، حيث تم استبدال الخطاب المتشدد بالبراغماتية، والزي العسكري بـ السترة الدبلوماسية، ليتحول إلى ما يمكن وصفه بـ “أول دبلوماسي جهادي عالمياً”.
إن مهمة هذا “الدبلوماسي” ليست تحرير الأرض، بل تثبيت التقسيم الذي تم التوافق عليه.
فبوجود شخصية ذات خلفية جهادية “مُعاد تدويرها” على رأس إحدى أهم مناطق النفوذ، يتم ضمان عدة أمور:
أولاً، استمرار حالة اللا استقرار المضبوطة التي تبرر التدخّلات الخارجية.
ثانياً، إبعاد شبح عودة الدولة المركزية الموحدة.
ثالثاً، الجلوس على طاولة المفاوضات الدولية كـ أمرٍ واقع لا يمكن تجاوزه، بلا أن يتعرض لعوائق صعبة من رفض دولي أو إقليمي، فالقبول به يعني القبول بالتقسيم.
وها قد مرت سنة على هذا التنفيذ، والتقسيم يتحضر على نار هادئة.
إنها مرحلة التثبيت والترسيخ، حيث يتم صقل الحدود غير المرئية بين مناطق النفوذ، وتُعاد صياغة الهويات المحلية لتواؤم مع الكيانات الجديدة.
إن سوريا اليوم ليست دولة فاشلة، بل هي دولة مُقسمة بامتياز.
المشهد السوري يمثّل درساً قاسياً في أدب السياسة الدولية: عندما تتعارض الأطماع، لا يكون الحل في الانتصار لطرف واحد، بل في تقاسم الغنيمة وتعيين حراس جدد، حتى لو كانوا قادمين من خلفية “جهادية” تم تلميعها لتصبح “دبلوماسية”.
نار التقسيم الهادئة هي أخطر من نيران الحرب المشتعلة، لأنها تطبخ واقعاً جديداً يصعب التراجع عنه، واقعاً ينهي سوريا التي عرفناها، ويؤسس لكيانات هشة قابلة للاشتعال مجدداً متى شاءت أيادي العبث الدولية.