No Result
View All Result
دجوار أحمد آغا
لم يعد يدور الحديث حول عملية السلام الجارية في تركيا عن كيفية الوصول إليها، بل عمن لا يريد الوصول إليها أساساً، فالتقارير التي قدّمتها الأحزاب التركية إلى اللجنة البرلمانية حول عملية السلام والمجتمع الديمقراطي، تكشف بوضوح أن المشكلة ليست تقنية ولا زمنية، بل سياسية بامتياز، والأهم أنها تفضح التناقض العميق بين من يتعامل مع السلام كاستحقاق ديمقراطي مجتمعي، ومن يحوّله إلى ملف أمني بحت، ويفرغه من مضمونه، أو يرفضه من حيث المبدأ.
منذ عقود، ولا تزال عملية السلام في تركيا أسيرة المفهوم الأمني الضيق، حيث تُطرح في الخطاب السياسي أكثر مما تُترجم إلى مشروع سياسي حقيقي، ومع تقديم الأحزاب التركية تقاريرها الأخيرة إلى اللجنة البرلمانية المعنية بعملية السلام والمجتمع الديمقراطي، تتكشف مرة أخرى الفجوة العميقة بين من يتعامل مع السلام كضرورة ديمقراطية، ومن يراه مجرد ملف أمني مؤجل.
تُرى هل تريد الدولة سلاماً حقيقياً، أم محاولة لإدارة للصراع؟ وما نوع السلام الذي تريده؟ السلام الحقيقي أم السلام المؤجّل عمداً؟ في هذه المادة سوف نتحدث عن كل ما يتعلق بذلك.
حزب العدالة والتنمية والسلام من مفهومه
بحسب تصريح عضو حزب العدالة والتنمية الحاكم، “مصطفى شن”، فإن تقرير الحزب المؤلف من 50 صفحة يُعدّ “وثيقة الموقف السياسي للحزب”، من عملية السلام والمجتمع الديمقراطي، غير أن قراءة هذه الوثيقة لا تكشف عن موقف سياسي، بقدر ما تكشف عن محاولة منظمة لتثبيت الرؤية الأمنية كبديل عن السلام السياسي، صحيح أن حجم التقرير كبير، لكن مضمونه يدور في حلقة مفرغة.
التقرير أمني، وفي مضمونه، نزع السلاح يعتبر شرطاً مسبقاً، الدولة فوق السياسة، والديمقراطية، تُذكر كشعار لا كمشروع، خمسون صفحة، ولا حديث عن دستور جديد، ولا يوجد فيه تصور جدي للحكم المحلي، ولا اعتراف صريح بالقضية الكردية كقضية سياسية، ما يقدّمه الحزب ليس خارطة طريق للسلام، بل دليلاً إرشادياً لإدارة الصراع بأدوات أكثر نعومة، دون المساس بجوهر الدولة المركزية.
بهذا المعنى، يتحول تقرير العدالة والتنمية إلى وثيقة “لتأجيل السلام”، لا لتحقيقه، وإلى تبرير سياسي لاستمرار الوضع القائم تحت غطاء “الاستقرار”، أي أنه يسعى إلى سلام يضبط الصراع، ويبقيه تحت السيطرة الأمنية، لا سلام يُنهي الصراع، الأمر الذي يجعله هشاً وقابلاً للانهيار في أي لحظة. 
الأكثر إشكالية، إن تقرير الحزب يتجنب الحديث الصريح عن المجتمع الديمقراطي، فلا يربط السلام بإصلاحات دستورية، أو سياسية عميقة، ولا يتطرق إلى قضايا أساسية مثل اللامركزية، أو الحقوق اللغوية، أو استقلال القضاء، وكأن الديمقراطية مسألة إدارية يمكن تحسينها دون المساس ببنية الدولة المركزية.
تقرير الحركة القومية رفض السلام
إذا كان تقرير حزب العدالة والتنمية يموّه موقفه، فإن تقرير حزب الحركة القومية MHP، المؤلف من 116 صفحة بحسب تصريح نائبه “فتي يلدز”، لا يترك مجالاً لأي التباس، حيث لا سلام سياسي، ولا مجتمع ديمقراطي، ولا اعتراف بالقضية الكردية، المفارقة تكمن في أن أطول تقرير هو الأكثر فقراً من حيث الحلول، 116 صفحة، تُكرّس منطق الدولة القومية الصلبة، وتعيد إنتاج خطاب الإنكار، وتتعامل مع كل ما هو ديمقراطي بوصفه تهديداً وجودياً، تقرير يتساوى فيه السلام بالاستسلام، والتعددية جرم، بينما الحوار عبارة عن خيانة، وما يُزيد من خطورة هذا التقرير، أن صاحبه لم يعد معزولاً، بل أصبح شريكاً مباشراً في الحكم، ما يعني أن رفض السلام لم يعد مجرد رأي، بل سياسة دولة غير معلنة.
في التقرير لا مكان للحوار، ولا قيمة للمجتمع الديمقراطي، ولا شرعية للمطالب السياسية، أو الثقافية، كل ما يُطرح خارج الإطار الأمني يُنظر إليه بوصفه (تنازلاً، أو خيانة)، هكذا تتحول الدولة إلى كيان مغلق على ذاته، وتُختزل الديمقراطية في الطاعة للنظام القائم، هذا الموقف لا يقدّم حلاً، ولا حتى إدارة عقلانية للواقع، بل يرسّخ منطق الإنكار، ويعيد إنتاج الأزمة بأشكال أكثر حدّة، فرفض السلام لا يلغي الحاجة إليه، بل يؤجل الانفجار فقط.
حزب الشعب الجمهوري موقف غير واضح
أما حزب الشعب الجمهوري المعارض، فحسب تصريح نائب رئيس مجموعته البرلمانية، “مراد أمير” يقع التقرير في 17 صفحة، يعكس واقع سياسي، أكثر مما هو موقف واضح من عملية السلام، الحزب يُقدم نفسه كحل، ويتحدث عن أهمية البرلمان والحوار، لكنه يتجنب الخوض العميق في جوهر القضية الكردية، حسب تقريره فهو لا يرفض السلام، لكنه لا يعرّفه بوضوح، ولا يربطه بإصلاحات بنيوية جريئة.
ويمكننا اعتبار تقريره، بأنه يسعى إلى التوازن بين الدولة والمجتمع، لكنه ينتهي عملياً إلى الوقوف في المنطقة الرمادية، حيث لا صدام مع السلطة، ولا انحياز حقيقي لسلام ديمقراطي جذري، وهكذا، يصبح موقف الحزب أقرب إلى إدارة سياسية للحساسية القومية، لا إلى مواجهة أسباب الصراع والسعي لحله.
حزب المساواة وديمقراطية الشعوب وضوح الرؤى
يأتي تقرير حزب المساواة وديمقراطية الشعوب، المكون من 99 صفحة بشكل تفصيلي، ورؤية حقيقية وواقعية لعملية السلام والمجتمع الديمقراطي، من مختلف الجوانب ويضم ستة أقسام تشمل الخلفية التاريخية، بالإضافة إلى الحلول القانونية والسياسية والاجتماعية، ففي السياق التاريخي والسياسي، يُشير التقرير إلى أن بنية الدولة التركية المركزية والموحدة، القائمة على إقصاء الهويات المختلفة، التي عمّقت القضية الكردية، كما أكد أن المشكلة وصلت إلى مستوى إقليمي، وأنها لا تخص تركيا وحدها، بل ترتبط أيضًا في الوقت نفسه بالواقع العام للشرق الأوسط، وأن المشكلة لم تعد مجرّد “قضية أمنية”، بل أصبحت في الوقت ذاته قضية تتعلق بالديمقراطية، والسياسة، والثقافة، والاقتصاد، والمجتمع.
وهناك نقاط أساسية في التقرير وهي:
ـ السلام الإيجابي والتحول الديمقراطي، شدّد التقرير على أن السلام لا يعني مجرد إسكات صوت السلاح؛ بل يتحقق عبر العدالة، والتعددية، والمشاركة الديمقراطية، والوحدة المجتمعية.
ـ نموذج جديد للحل، للتوصل إلى حل، يجب إعادة بناء اللغة والسياسة، والمؤسسات على أساس “الاتفاق والاعتراف والتعددية”، وهو زيارة اللجنة البرلمانية إلى إمرالي، على أنها تعزيز للإرادة من أجل التوصل إلى حل.
ـ دور القائد عبد الله أوجلان، في عملية السلام، حيث أشار التقرير، إلى ضرورة مشاركة القائد عبد الله أوجلان، بعد تحقيق حريته الجسدية، لأنه صاحب المبادرة الرئيسية في العملية، كما دعا التقرير إلى تنظيم لقاءات مباشرة بين القائد عبد الله أوجلان، والمؤسسات الرسمية، والأكاديميين، ومنظمات المجتمع المدني، والصحفيين.
المقترحات القانونية لتحقيق السلام في المنطقة
ـ الديمقراطية والإصلاحات القانونية: قدّم التقرير حزمة قانونية، وإصلاحات واسعة من أجل تحقيق حل مستدام، وشملت، تنفيذ إصلاحات موسّعة في قوانين مكافحة الإرهاب، وقانون العقوبات التركي، وقانون الإجراءات الجنائية، وقانون التنفيذ بما يعزز الحريات، بالإضافة إلى إلغاء نظام الوصاية وإطلاق سراح السجناء المرضى.
ـ تنفيذ قرارات المحكمة الدستورية والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، وإلغاء القيود المفروضة بموجب مراسيم حالة الطوارئ.
ـ ضمان حق التعليم باللغة الأم وتقديم الخدمات.
ـ إنشاء لجنة لمكافحة التمييز في البرلمان وسنّ قانون جديد للمجتمع المدني.
وأكد التقرير، أن السلام الدائم لا يتحقق إلا من خلال عقد اجتماعي جديد، تُصان فيه الهويات على أساس المواطنة المتساوية. مشيراً إلى أن السلام سيُعزّز الثقة المتبادلة، ويقلل التمييز، ويؤسس لحياة مشتركة مستقرة.
تميز طرح حزب المساواة وديمقراطية الشعوب، عن باقي الأحزاب، بتجاوزه الإطار القومي الضيق، إذ يربط بين السلام في تركيا، والاستقرار الديمقراطي في سوريا، والمنطقة، فالتقرير يرى أن استمرار إنكار الحقوق الكردية في أي جزء من المنطقة، ينعكس سلباً على الجميع، وأن الحلول العسكرية العابرة للحدود لا تصنع أمناً دائماً.
من هذا المنظور، يدعو الحزب إلى دعم نماذج المجتمع الديمقراطي في سوريا، بوصفها ضمانة لوحدة البلاد وسلمها الأهلي، لا تهديداً لها، وهي رؤية تتناقض جذرياً مع السياسات القائمة على التدخل العسكري وفرض الوقائع بالقوة.
وفي الختام: المسألة، ليس أزمة تقارير، بل أزمة قرار حقيقي، نابع من قيادة واعية للمرحلة الحساسة والخطرة التي تمر بها المنطقة عموماً، وتركياً خصوصاً، وفق التقارير المقدمة إلى الآن للجنة البرلمان، فإن عملية السلام والمجتمع الديمقراطي، يبدو أنها ستراوح مكانها، على الرغم من التوصل للسلام ليس مستحيلاً، لكنها مؤجلة لغاية في الحزب الحاكم نفسه.
خطاب حكومة العدالة والتنمية الحاكم، يربط السلام بالأمن فقط، ورؤية تركيا خالية من الإرهاب، إلى جانبه خطاب قومي يدعو نظرياً إلى السلام، وعملياً يرفضه بشدّة ولا يعسى لتحقيقه، بينما نرى الصوت الوحيد الذي يعالج الأزمة من جذورها هو صوت حزب المساواة وديمقراطية الشعوب. وليعلم الجميع، أن السلام الحقيقي ليس تنازلاً، بل إعادة تعريف للدولة والمواطنة، وليس ضعفاً، بل شرطاً لبقاء مجتمع متماسك ودولة مستقرة، وكل تأجيل لهذا الاستحقاق الديمقراطي، سيؤدي إلى تعميق الانقسام، وإطالة أمد الصراع، لقد حان الوقت للسير قدماً في مسيرة السلام والمجتمع الديمقراطي، التي طرحها القائد والمفكر الإنساني عبد الله أوجلان.
No Result
View All Result