No Result
View All Result
دجوار أحمد آغا
ليس هناك شخصية سياسية كردية أثّرت في تاريخ تركيا الحديث بقدر ما فعلت شخصية القائد والمفكر عبد الله أوجلان، فالرجل الذي نُقل إلى جزيرة إمرالي منذ عام 1999، ظلّ حاضراً رغم كل محاولات عزله وممارسة سياسة الإبادة والتعذيب عليه. ويبدو أنّ صمت الجزيرة لم يكن غياباً، بقدر ما كان صدى يتعالى كلما دخلت تركيا مخاضاً سياسياً أو أزمة داخلية. ومن هنا، فإن أيّ خطوة لتخفيف العزلة عنه تُقرأ كرسالةٍ سياسية، تعكس إدراك أنقرة أن حلّ عقدة النزاع الكردي لا يمكن أن يولد إلا عبر مخاطبة القائد عبد الله أوجلان الذي قال يوماً: “السلام ليس نهاية الحرب، بل بداية مجتمع جديد”.
إمرالي كمساحة عزلة… ومركز تحليل غير معلن
نُقل القائد إلى إمرالي بنية عزله عن جمهوره وحركته السياسية، لكن الجزيرة تحولت عملياً إلى مركز إنتاج أفكار واستشارات سياسية غير معلنة، ففي مرحلة المفاوضات 2013 ـ 2015، لم تعد رسائل إمرالي مجرد نصوص إنسانية، بل وثائق سياسية تُقرأ داخل البرلمان التركي. وقد لخّص القائد أوجلان هذه الديناميكية حين قال: “عندما تصل القوة إلى حدودها، يبدأ العقل بالتكلّم”؛ فحتى في أشد لحظات القطيعة، كانت الدولة التركية تعود إلى الجزيرة لتستمع إلى الرجل الذي لا تزال كلماته تحظى بتأثير عملي على المجتمع الكردي وعلى التوازن الوطني.
لحظة الاعتراف بأن الكُرد الطرف الآخر للحل
جاءت مرحلة الحوار لتشكّل نقطة تحوّل تاريخية: لأول مرة تعترف الدولة التركية بقائد كردي بوصفه مخاطَباً سياسياً وركناً في السلام. وجاءت عبارته الشهيرة خلال تلك الفترة: “يمكننا حل القضية خلال أيام إذا توفرت الإرادة السياسية” لتشكل خلاصة موقفه: أن الطريق إلى السلام موجود لكنه يحتاج إرادة فعلية لا مجرد خطاب. هذا الاعتراف، رغم تعثره لاحقاً، رسّخ قاعدة لا يمكن للدولة التراجع عنها: إنّ القائد أوجلان أصبح جزءاً من بنية الحل وليس من الماضي المعزول.
القائد أوجلان كمنتج للفكر… ما بين الحداثة الديمقراطية والسلام
أهمية القائد الكردي عبد الله أوجلان لم تعد سياسية فقط، بل فكرية أيضاً، فقد أبدع القائد أوجلان منظومة فكرية خلال عزله، تمحورت حول الديمقراطية المجتمعية، والأمة الديمقراطية، وتحرر المرأة، واللامركزية الإدارية. وقد تكررت عبارته: “الديمقراطية ليست نظام صناديق اقتراع فقط، بل أسلوب حياة تشاركي”، وحين اختُبرت أفكاره عملياً في تجارب اجتماعية وسياسية في مناطق شمال وشرق سوريا، بالإضافة إلى مناطق شنكال ومخيم مخمور على أرض الواقع، اكتسبت ثقلاً إضافياً، وتحولت إلى مادة نقاش داخل المؤسسات الدولية ومراكز الدراسات؛ الأمر الذي جعل فكره اليوم، جزءاً من معادلة الحل لا مجرد قراءة نظرية.
لماذا تلجأ تركيا إلى إمرالي كلما ضاقت أزماتها؟
تظهر المفارقة بوضوح: رغم خطاب العداء الرسمي، تلجأ تركيا إلى إمرالي كلما ضاق هامش المناورة لديها، فالقضية الكردية ليست ملفاً أمنياً فحسب، بل ملف هوية واستقرار وديمقراطية. والقائد أوجلان، بخطابه القادر على التعبئة والتهدئة، يمثل نقطة تماس لا يمكن تجاهلها. لقد قال ذات مرة: “لا يوجد حل لا يشمل شعبي تركيا والكرد معاً، ولا يوجد مستقبل بدون صيغ مشتركة للعيش”. لذلك؛ حين تعمد الدولة إلى فتح أو إظهار قناة باتجاه إمرالي، فالأمر لا يعني تضحية بموقفها، بل محاولة امتلاك مفتاح إدارة المرحلة الحرجة.
سياسة الإبادة والتعذيب بين خطاب العقوبة وحسابات السياسة
السياسة التركية تجاه القائد عبد الله أوجلان محكومة بمعادلة مزدوجة، فمن جهة تعتمد خطاب العقوبة والتشدد، ومن جهة أخرى تدرك أنّ تغييب القائد بالكامل، قد يعرقل فرص التهدئة أو الحل السياسي. وهو ما قاله القائد أوجلان صراحة: “لقد قلت مراراً: إذا كنتم تبحثون عن حل، فإمرالي ليست سجناً، بل بوابة”، ومن هنا، يُقرأ تخفيف العزلة حين يحدث كرسالة سياسية قبل أن يكون إجراء قانوني أو إنساني.
أهمية فكر القائد أوجلان لسلام تركيا وبناء المجتمع الديمقراطي
الرؤية التي يقدّمها القائد أوجلان بالنسبة لمستقبل تركيا وكردستان، يراها الكثيرون سواء داخل تركيا أو خارجها، كخارطة طريق طويلة الأمد تقوم على عدة أسس لعل أبرزها الاعتراف بالتعدد، المواطنة الديمقراطية، تحرير المرأة، دولة مرنة تتشارك السلطة مع المجتمع. وقد عبّر عن ذلك في أكثر من مناسبة، حين قال: “القضية الكردية يمكن حلّها بالمواطنة الديمقراطية، لا بالإنكار ولا بالعنف.” هذه الفلسفة التي نجحت في اكتساب جمهور واسع داخل تركيا وخارجها، تجعل فكره المحور الرئيسي في النقاش حول مستقبل الجمهورية وإعادة كتابة العقد الاجتماعي.
الدولة التركيّة للمرة الأولى ترى قائداً كردياً مخاطباً شرعياً
مثّلت عملية السلام الماضية (2013 ـ 2015) سابقة تاريخية في تركيا، فهي المرة الأولى التي تعاملت فيها الدولة التركية مع قائد كردي بوصفه صاحب مشروع سياسي وشريكاً في صياغة الحل. وقد لخّص القائد والمفكر عبد الله أوجلان هذا التحول في هدفه الذي أوضحه بالقول: “هدفنا ليس تقسيم تركيا، بل دمقرطتها”؛ هذا الخطاب، هو الذي كسر نمط الصدام القومي التقليدي التركي، وبالتالي أوجد أرضية مناسبة جعلت تجاهله مستقبلاً أمراً بالغ الصعوبة، وفتحت المجال أمام عملية سلام جديدة مستمرة الآن وبقوة من خلال مبادرة السلام والمجتمع الديمقراطي التي طرحها القائد أوجلان.
رهانات السياسة التركية ومكانة القائد أوجلان المستقبلية
تُشير التجارب اللاحقة إلى أنّ تركيا كلما دخلت في أزمة بخصوص إدارة المسألة الكردية، تعود سراً أو علناً، إلى إمرالي، وقد عبّر القائد عبد الله أوجلان عن هذه الحقيقة السياسية حين قال: “لا يمكن تجاهلي في عملية بناء السلام؛ لأن الشعب الذي أمثّله لا يمكن تجاهله”. وهكذا لم يعد تخفيف العزلة حدثاً معزولاً، بل إشارة لحاجة سياسية وحسابات مستقبلية. القائد والمفكر الذي قال بأن: “الحياة مقاومة، والمقاومة ليست عداءً، بل خلقاً جديداً” كان ومازال وسيبقى الفاعل الرئيسي في معادلة الحل، وفكره أصبح المحور الرئيسي من النقاش الدائر حول مستقبل تركيا، واستقرارها، والديمقراطية فيها.
No Result
View All Result